وكانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم تشع النور في الظلام بينما كانت البيئة كلها منتشرة بالظلمة الحالكة، ولم يقع النبي صلى الله عليه وسلم في أي فاحشة محيطة به، وابتعد عن عبادة الأصنام وتناول المخدرات التى كانت منتشرة بين العرب في مكة، وحُبّب إليه الخلاء، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده، وكان يخرج من مكة ويبعد، حتى تحسر عنه البيوت، ويفضي إلى شعاب مكة وبطونها وأوديتها، فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله! ويلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله وعن يمينه وشماله وخلفه، فلا يرى إلا الشجر والحجارة. وفي بعض الأحيان اختار مكانا خاليا للتخلى والانفراد عن الخلق مستغرقا في تأملات روحية ومبتعدا عن الفواحش والمظالم الشائعة في مكة،وظهرت منه إرهاصات تُظهر أنه يجد عناية خاصة وحماية إلهية في جميع حياته كلها.
ولا شك أن القدر حاطه بالحفظ ، فعندما تتحرّك نوازع النفس لاستطلاع بعض مُتع الدنيا ، وعندما يرضى باتباع بعض التقاليد غير المحمودة تتدخّل العناية الربانية للحيلولة بينه وبينها ، روى ابن الأثير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : و ما هممتُ بشيء ممّا كان أهل الجاهلية يعملون غير مرتين ، كلّ ذلك يحول الله بيني وبينه ، ثم ما هممتُ به حتى أكرمَني برسالته ، قلتُ ليلةً للغلام الذي يرعى معي الغنم بأعلى مكة : لو أبصرتَ لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب ! فقال : افعل ، فخرجتُ حتى إذا كنتُ عند أول دار بمكة سمعت عزفاً ، فقلت ما هذا ؟ فقالوا : عُرس فلان بفلانة ، فجلستُ أسمع . فضرب الله على أذني فنمتُ ، فما أيقظني إلا حرُّ الشمس . فعدتُ إلى صاحبي فسألني ، فأخبرته ، ثم قلتُ ليلة أخرى مثل ذلك ، ودخلتُ بمكة فأصابني مثل أول ليلة .. ثم ما هممتُ بسوء.
وروى البخار ي حادثة أخرى عن الحفظ الإلهي تجاه النبي صلى الله عليه وسلم، عن جابر بن عبد الله قال : لما بُنيت الكعبة ذهب النبي وعباس ينقلان الحجارة ، فقال عباس للنبي صلى الله عليه وسلم : اجعل إزارَك على رقبتك يقِيك من الحجارة فلما همّ العباس لإزالة إزاره فخرّ النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأرض مغشيا ، وطمحت عيناه إلى السماء ، ثم أفاق فقال : إزاري ، إزاري ، فشدّ عليه إزاره .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز في قومه بخلال عذبة وأخلاق فاضلة ، وشمائل كريمة فكان أفضل قومه مروءة ، وأحسنهم خلقاً ، وأعزهم جواراً ، وأعظمهم حلماً، وأصدقهم حديثاً ، وألينهم عريكة ، وأعفهم نفساً ، وأكرمهم خيراً ، وأبرهم عملاً ، وأوفاهم عهداً ، وآمنهم أمانة ، حتى سماه قومه الأمين، لما جمع فيه من الأحوال الصالحة والخصال المرضية.
في غار حراء
ولما تقاربت منه الأربعين - وكانت تأملاته الماضية قد وسعت الشقة العقلية بينه وبين قومه - حُبّب إليه الخلاء، فكان يأخذ السويق والماء ويذهب إلى غار حراء في جبل النور، على مبعدة أربع كيلو متر ات من المسجد الحرام- وهو غار لطيف طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراع وثلاثة أرباع ذراع. وارتفاعه 870 مترا ( 634)من الأرض- وغار حراء فجوة في الجبل بابها نحو الشمال، والداخل الى الغار يكون متوجهًا نحو الكعبة. ويأخذ معه الطعام فإذا نفد يأتي إلى خديجة ليأخذ الطعام ثم يرجع مرة ثانية ، وأحيانا تُوصل خديجة الطعام إلى الغار.
فأحيانا يمكث فيه ليالي وأياما ، فيقيم فيه شهر رمضان، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون وفيما وراءها من قدرة مبدعة، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك المهلهلة وتصوراتها الواهية، ولكن ليس بين يديه طريق واضح، ولا منهج محدد، ولا طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه .
وكان اختياره لهذه العزلة طرفاً من تدبير الله له، وليُعدّه لما ينتظره من الأمر العظيم. ولا بد لأي روح يراد لها أن تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهة أخرى، لا بد لهذه الروح من خلوة وعزلة بعض الوقت، وانقطاع عن شواغل الأرض وضجة الحياة، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشاطر خديجة رضي الله عنها ما يشعر به من تأملات روحية ورؤى إلهية ، والرؤيا الصادقة الصالحة كانت من بدايات مراحل الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح.





