بدأ الحديث عن تأسيس بنوك إسلامية خالية من الفوائد في ستينيات القرن الماضي، بوصفها بديلًا ملتزمًا بالشريعة يحدّ من الانفلات الأخلاقي الناجم عن عمل البنوك الربوية، ويسهم في إعادة توزيع الثروة المتراكمة بطرق غير عادلة. وقد ظهرت مبادرات أولية في مصر عام 1940، ثم في باكستان عام 1960، لكنها لم تنجح في تحقيق انتشار واسع أو نمو ملحوظ آنذاك.
وفي 12 مارس 1975، أُسس أول بنك إسلامي في العالم، وهو بنك دبي الإسلامي، برأس مال قدره خمسون مليون درهم. واليوم، يتجاوز عدد البنوك الإسلامية في العالم 250 بنكًا تعمل عبر ما يقرب من خمسة آلاف فرع في مختلف الدول. ويُعدّ هذا النمو لافتًا، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 20% من حجم التداول المالي العالمي يتم عبر هذه البنوك الإسلامية. ويروي القائمون على بنك دبي الإسلامي أنه بعد مرور نحو عشر سنوات على تأسيسه، ومع تفاقم الأزمة المالية عام 1999، ساد القلق بشأن مستقبل فكرة المصرف الإسلامي. وفي تلك المرحلة، دعمت حكومة دبي البنك واستعدت لاستثمار ما نسبته 30% من رأس ماله الإجمالي (ما يعادل بليون درهم)، فعاد البنك بقوة أكبر. وتُظهر سجلات البنك أنه وزّع على مساهميه أرباحًا تراوحت بين 7% و9% خلال الفترة الممتدة من 2000 إلى 2025.
إن ظهور المصارف الإسلامية لم يُرسّ فقط نموذجًا مصرفيًا قائمًا على نظام صرف خالٍ من الفائدة، بل كشف أيضًا عن الوجه الكارثي طويل المدى للنظام الاقتصادي الربوي من منظور عدد كبير من الاقتصاديين المعاصرين. فقد تحوّلت دول ذات كفاءة اقتصادية عالية إلى دول تعاني فقراً هيكليًا بسبب تراكم الفوائد على قروض المؤسسات المالية الدولية. في الوقت ذاته، أدّى صعود المصارف الإسلامية إلى ترسيخ شعور بالعدالة الأخلاقية في النظام الاقتصادي العالمي، ومفاده أنه للحفاظ على متانة المعاملات المالية القائمة على الإقراض، ينبغي خفض سعر الفائدة قدر الإمكان. واليوم، في ظلّ النظام الرأسمالي الذي تقوده الولايات المتحدة، يترسخ الرأي القائل بأن النمو الاقتصادي لا يتحقق ما لم تكن الفائدة على الديون—سواء بين الدول أو بين المؤسسات داخل الدولة—محصورة في حدود 2% أو 3% .
وعند النظر في أنواع المعاملات التي تُدرّ أعلى الأرباح لدى البنوك التقليدية، نجد أن القروض تأتي في مقدمة هذه الأنشطة. فالأفراد من مختلف الطبقات، والمؤسسات الصغيرة، والصناعات الكبرى، جميعها تعتمد على البنوك في تعبئة رؤوس أموالها. وعندما يكون حجم القرض المطلوب كبيرًا، تتشكل اتحادات مصرفية (Consortium) لتوفير التمويل. ومن مزايا هذا النظام أن البنك قد يحصل خلال فترات السداد الطويلة على ما يزيد عن ضعف رأس المال الممنوح بسبب الفوائد التراكمية. في المقابل، يقدم البنك فوائد منخفضة جدًا للمودعين؛ فالحساب الجاري عادةً خالٍ من الفوائد، بينما يُمنح حساب التوفير فائدة تتراوح بين 5% و10%. وقد تمنح بعض المؤسسات فائدة إضافية تصل إلى 1% على الودائع طويلة الأمد. ومع ذلك، تتراوح الفوائد على القروض عادة بين 10% و14%. وتُحقق البنوك كذلك أرباحًا من الاستثمار في سوق الأسهم، ومن شراء وبيع الأسهم لصالح العملاء، ومن إدارة استثمارات الصناديق المشتركة، ومن عمليات إدراج الشركات المساهمة. وكثيرًا ما يُنصح الراغبون في شراء أسهم هذه الشركات بإيداع مبالغ محددة في البنك، ما يوفر مصدر دخل إضافيًا للمصارف.
أما البنوك الإسلامية، فتعتمد في أنشطتها على استثمار رأس المال لتحقيق العائد، إذ يحصل البنك على نسبة من الأرباح الناتجة عن استثمار الأموال في مشاريع متنوعة، خلافًا للبنوك التقليدية التي يتركّز نشاطها على الإقراض بالفائدة. وتقوم البنوك الإسلامية بإشراك رواد الأعمال في المشاريع الصغيرة والكبيرة ضمن إطار شراكات حقيقية، بدلًا من الاكتفاء بإقراضهم وتحميلهم الفوائد. وهي تدخل في مشاريع قصيرة أو طويلة الأجل بهدف تحقيق الربح من خلال تمويل المشاريع مباشرة أو بالشراكة مع أطراف أخرى. كما يمكنها تحقيق أرباح مشروعة من شراء وبيع الأسهم والصكوك وودائع الذهب المتوافقة مع الشريعة نيابة عن العملاء. وتمتنع عن توليد الدخل بطرق غير إنسانية أو استغلالية، على غرار الفوائد البنكية التي تُفرض على العملاء بصرف النظر عن تحقق الربح أو وقوع الخسارة.
في النظام التقليدي، يدفع المقترض الفائدة سواء استُثمر المال أم لم يُستثمر، وسواء حقق المشروع ربحًا أم مُني بخسارة؛ وهو ما يُعدّ استغلالًا صريحًا في نظر النظام الاقتصادي الإسلامي الذي يقوم على تحقيق الربح من خلال المخاطرة المشتركة والسعي الإنتاجي. أما البنوك الإسلامية، فترى أن المال لا ينبغي أن يلد مالًا من غير مقابل إنتاجي حقيقي، وتشجع العملاء على استثمار الأموال في أعمال تعود بالنفع عليهم وعلى المجتمع.
الفروق بين البنوك الإسلامية والبنوك التقليدية
1. قبول الودائع:
في البنوك التقليدية توجد الحسابات الجارية والتوفير والودائع الثابتة، وتُمنح عليها فوائد سنوية أو نصف سنوية. أما في البنوك الإسلامية، فلا تُدفع فوائد لأنها تعمل وفق نظام خالٍ من الربا، وتُدار معظم الحسابات بصيغة الحساب الجاري. ومع ذلك، لا يعني هذا أن المستثمرين لا يحققون أي ربح؛ إذ تُستثمر الودائع في مشاريع متوافقة مع الشريعة، ثم يُوزع الربح بعد تحديده من قبل اللجنة الإدارية واللجنة الشرعية بالتشاور مع المودعين. وتشير سجلات بنك دبي الإسلامي وبنك الشارقة الإسلامي إلى أن متوسط الأرباح الموزعة تراوح بين 4% و8%. كما تُحصّل البنوك رسومًا محددة مقابل الخدمات التي تقدمها.
2. خدمات الصرافة:
تُحقق البنوك الإسلامية دخلاً من رسوم الخدمات، مثل تحويل العملات وتسليم الدولار أو اليورو للمحتاجين.
3. قروض الشراكة:
تُقدم البنوك الإسلامية تمويلًا لشراء السيارات أو المنازل أو تغطية نفقات الزواج، لكن في إطار شراكات وليس على أساس القروض الربوية. ونظرًا لعدم جواز الفائدة، تُبرم اتفاقيات شراكة تتيح سداد التمويل بأسلوب لا يُلحق الضرر بالأطراف، وفي حال التأخر لا تُفرض فوائد، بل يُراقَب استخدام الأموال ويُشجَّع العملاء على توظيف جزء منها في مشاريع مشتركة.
وإذا تقدّم شخص بحاجة إلى منزل أو سيارة، يقوم البنك بشراء الأصل باسمه، ثم يبيعه للعميل بسعر يتضمن التكلفة الأصلية وهامش ربح محدد. ويُسمح بالسداد على أقساط تمتد لسنوات متعددة دون فرض فوائد تأخير. ولضمان سلامة المعاملة، قد يطلب البنك ضمانات أو شيكات ضمان. وإذا استخدم العميل بطاقة الائتمان ولم يسدد خلال مدة السماح، فإن البنوك التقليدية تفرض فوائد عالية، بينما تلتزم البنوك الإسلامية بعدم فرض فوائد، وتوجّه العميل للاستثمار في مشاريع تعود عليه بالنفع.
4. الاستثمار في المشاريع الاقتصادية:
تستثمر البنوك الإسلامية في مشاريع صناعية وتجارية وزراعية تسهم في النمو الاقتصادي للعملاء. وهذه المعاملات تدخل ضمن صيغ فقهية متعددة، مثل السَّلَم والمرابحة والمشاركة والمضاربة، وهي مشاريع مشتركة يوصي بها العلماء في اللجان الشرعية. ويمثل هذا الاستثمار وسيلة لتمويل العملاء وتوفير فرص عمل وتوليد الدخل للبنك، بما يدعم نمو أصوله.
وتُعدّ هذه مقدمة تاريخية ومفاهيمية لعمل المصارف الإسلامية، التي تلتزم بأحكام الشريعة وقيمها الأخلاقية والإنسانية. وفيما يلي عرض موجز لأهم صيغ التمويل التي تتعامل بها المصارف الإسلامية:
1. السَّلَم (الدفع المسبق):
وهو عقد يحدد فيه العميل السلع المطلوبة ومواصفاتها وكميتها وزمان تسليمها، ويدفع الثمن مقدمًا لمن يلتزم بتسليمها لاحقًا.
2. الإجارة المنتهية بالتملك:
يلجأ أحد العملاء إلى البنك للحصول على منزل أو مركبة أو محل تجاري، فيشتري البنك الأصل ثم يؤجره للعميل. ويُسمح للعميل بشرائه تدريجيًا عبر أقساط تمتد لخمس عشرة سنة مثلًا، بحيث تتناقص قيمة الإيجار مع ازدياد نسبة الملكية إلى أن تنتقل الملكية كاملة إليه في نهاية المدة. وتمثل هذه العملية نموذجًا تمويليًا يوفر للعميل فرصة الحصول على أصل يحتاجه رغم عدم امتلاكه كامل ثمنه، وفي الوقت نفسه يتيح للبنك تحقيق ربح عادل دون فوائد أو استغلال.
3. المرابحة والمضاربة والمشاركة:
وهي أبرز صيغ المعاملات المشتركة التي تعتمد عليها البنوك الإسلامية في تعاملها مع العملاء.
