الإسلام ينظر إلى العمل نظرةً ساميةً، تجعل منه عبادةً إذا صلحت النية واستقامت الطريقة. فحفظ الإيمان، والنفس، والعقل، والمال، والنسل من المقاصد العظمى التي جاء الدين الحنيف لصيانتها، والعمل وسيلة لتحقيق كثيرٍ من هذه المقاصد.
فالمال في الإسلام ليس غايةً في ذاته، بل هو وسيلةٌ لإعمار الأرض، وسدّ حاجات النفس، وخدمة الآخرين. لذا أباح الإسلام السعي في طلب الرزق، بل ندب إليه، شريطة أن يكون بطريقٍ مشروعٍ، خالٍ من الغشّ والظلم والاحتكار. فمن كسب ماله بالحلال، وأنفقه في الحلال، كان ماله طيّباً مباركاً فيه.
وقد حثّ الإسلام على الاجتهاد في العمل والإتقان فيه، وجعل اليد العاملة يدًا مباركة. قال النبي ﷺ: ما أكل أحد طعامًا قطّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده (رواه البخاري). فالاجتهاد في الكسب شرف، والكسل مذمّة، والاعتماد على الآخرين بغير عذرٍ نوعٌ من المهانة.
ومن عدل الإسلام في نظامه المالي أنه فرض على الأغنياء حقًّا معلومًا في أموالهم، هو الزكاة، لتطهير المال والنفس، وتكافل المجتمع. فهي ليست تفضّلاً، بل واجبٌ تعبّديّ يقرّب الغني من الفقير، ويشيع روح الرحمة والمساواة.
كما دعا الإسلام أصحاب المال إلى استثماره وعدم تجميده، لأن في دوران المال حياةً للاقتصاد والمجتمع. فالمسلم لا يترك ماله خاملاً، بل يسعى إلى تنميته في المعاملات المباحة، بشفافيةٍ وأمانة. قال ﷺ: التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء.(رواه الترمذي)
وفي المعاملات التجارية، أمر الإسلام بالصدق والوضوح، ونهى عن الغشّ والكتمان. فمن صدق في بيعه وشرائه بورك له في ماله، ومن غشّ أو كتم عيباً نُزعت البركة من تجارته، كما قال ﷺ: البيعان بالخيار ما لم يتفرّقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما. (رواه البخاري)
المعاملات في المنظور الإسلامي
يولّي الإسلام عنايةً عظيمةً للمعاملات المالية، لأنها تمسّ حياة الناس اليومية، وتقوم عليها مصالحهم المعيشية. وقد بيّن الإسلامُ أنواعَها، وحدّد ضوابطَها، ليبقى التعامل المالي طريقًا للبركة والتكافل، لا بابًا للظلم والاستغلال.
أولًا: البيع والتجارة
البيع في الإسلام هو تبادل السلع أو الخدمات بقصد تحقيق الربح، من غير تحديد زمنٍ لنهاية الملكية. فهو نشاطٌ دائم يقوم على التراضي والصدق، بعيدًا عن الغشّ والاحتكار. والتجارة في أصلها عبادةٌ إذا خلت من المحرّمات، لأنها تسهم في إعمار الأرض، وتسدّ حاجات الناس.
ثانيًا: الإجارة (الإيجار أو التأجير)
الإجارة هي تمكين شخصٍ من الانتفاع بعينٍ أو خدمةٍ محدّدةٍ لمدةٍ معلومةٍ مقابل عوضٍ معلوم. فالمستأجر ينتفع بالشيء إلى أن تنتهي المدة، ثم يعيده إلى مالكه، بعد أن يدفع الأجرة المتفق عليها. وهذا النوع من العقود مشروع، وقد مارسه النبي ﷺ وأصحابه، لما فيه من نفعٍ متبادلٍ وعدالةٍ واضحة.
ثالثًا: السَّلَم (البيع المقدّم أو البيع بالثمن المعجّل)
وهو أن يدفع المشتري ثمن السلعة مقدّمًا، على أن يتسلّمها في وقتٍ محدّدٍ لاحقًا. وقد أباح الإسلام هذا النوع من البيع لحاجة الناس إليه، خصوصًا في الزراعة والصناعة، شريطة تحديد كلّ الشروط بوضوحٍ: نوع السلعة، وكميتها، وجودتها، وموعد تسليمها. قال ﷺ: من أسلف فليسلف في كيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلوم (رواه البخاري)
رابعًا: العارية (الإعارة دون مقابل)
وهي أن يُعطي شخصٌ غيره شيئًا لينتفع به مؤقتًا دون مقابلٍ مالي، ثم يعيده بعد الاستعمال، مثل إعارة أدواتٍ أو حيوانٍ للحرث أو أواني للطهي أو حُليٍّ للزينة. وهذا من أبواب الإحسان والتعاون، وقد حثّ الإسلام عليه، لما فيه من تأليف القلوب وتيسير أمور الناس.
خامسًا: القرض (الاقتراض أو الإقراض)
القرض هو إعطاء المال أو الطعام أو أي شيءٍ يُستهلك ليستفيد منه المقترض، ثم يردّ مثله في الوقت المتفق عليه. وهو من أفضل أعمال البرّ، إذا كان لوجه الله تعالى، دون زيادةٍ مشروطةٍ أو منفعةٍ مقصودةٍ، لأن أي زيادةٍ في القرض تُعدّ ربا محرّمًا. قال النبي ﷺ: كل قرض جرّ منفعة فهو وجه من وجوه الربا (رواه البيهقي).
هكذا جاءت الشريعة الإسلامية بنظام ماليّ شامل، يقوم على العدل، والشفافية، والرحمة، والتكافل، لتجعل من كلِّ معاملةٍ وسيلةً للتقرب إلى الله، لا لمجرّد الكسب المادّي.
