تُعدّ الزكاة أرسخَ النظم المالية في الإسلام وأبسطَها وأقواها أثرًا. فهي ليست مجرّد عبادةٍ مالية، بل نظامٌ اجتماعيٌّ واقتصاديٌّ متكامل، يُعيد توزيع الثروة ويضمن تماسك المجتمع وعدالته.
تقوم الزكاة على إخراج نسبةٍ محددةٍ من المال الذي يكسبه الإنسان بجهده المشروع، تُدفع إلى الفئات المحرومة اقتصاديًا، دعمًا لتنميتها وإعانتها على النهوض. غير أن الدافع الأسمى وراء إخراجها ليس اجتماعيًّا فحسب، بل هو إيمانيٌّ خالص، إذ يؤدّيها المسلم طاعةً لأمر الله تعالى، الذي هو واهب المال ورازق العباد.
نسبة الزكاة في الأموال النقدية -الذهب والفضة- هي اثنان ونصف في المائة (2.5%)، وفي الزروع والثمار، إن كانت تُسقى بمؤونةٍ وجهدٍ بشريٍّ، فالواجب فيها نصف العشر (5%)، أما إن كانت تُروى بمياه الأمطار أو السيول أو نحوها من غير كلفة، فالواجب العشر (10%).
أما زكاة التجارة، فتُقدّر بنسبة 2.5% من القيمة الإجمالية للمخزون التجاري عند تمام الحول، وتُدفع نقدًا لا عينًا.
تقول قاعدة الاقتصاد الحديث: "لا أحد يعطي أحدًا شيئًا بلا مقابل."
غير أن الزكاة تُخالف هذا المنطق المادي؛ إذ يُخرج المؤمن جزءًا من ماله للفقراء دون مقابل دنيوي مباشر. فما الذي يدفعه إلى ذلك؟
الجواب أن المؤمن إذا أراد أن يتصرّف في ماله بما يُرضي خالقه، فعليه أن يؤدّي الزكاة، فهي فريضة واجبة لا تبرأ الذمّة إلا بأدائها. وإن امتنع عنها بعد وجوبها، اختلط ماله بما فيه من حقٍّ للفقراء، فيصير جزء منه غير مملوكٍ له شرعًا.
ثم إن إخراج الزكاة ليس خسارةً، بل استثمارٌ روحيٌّ واقتصاديٌّ في آنٍ واحد؛ إذ يسعى المؤمن من خلالها إلى رضا الله، وفي الوقت نفسه تخلق هذه العبادة حركةً ماليةً تعيد تنشيط السوق. فالأموال التي تصل إلى الفقراء والمحتاجين تعود إلى الدورة الاقتصادية عبر الإنفاق والاستهلاك، فينتفع بها المجتمع بأسره.
والفئات الثمانية المستحقّة للزكاة، كما بيّنها القرآن الكريم، تشمل الفقراء والمساكين والغارمين وابن السبيل وغيرهم ممن يعانون من عوزٍ مؤقت أو دائم. وقد يكون بعضهم ذا مالٍ أو مكانة، لكنّ ظروفهم الآنية تجعلهم في حاجةٍ إلى العون، كالمسافر المنقطع أو المثقل بالدَّين.
الزكاة التي تُمنح لهؤلاء تُصرف في حاجاتهم الضرورية؛ فالمزارع يُعان بما يمكنه من شراء أدوات الزراعة، والحِرَفِيُّ يُمكَّن من اقتناء آلات صنعته، والسائق يُمنح ما يُعينه على امتلاك مركبٍ يعتاش به. وتُدفع الزكاة لهم نقدًا، ولا يجوز أن تُشترى لهم الأدوات مباشرةً، أما وليّ الأمر أو من يُعَيِّنُه الحاكم فيجوز لهم أن يَشترى لهم الأدوات مباشرةً تحقيقًا للمصلحة.
أما من لا يملك مهنةً أو قدرةً على الكسب، فينبغي للدولة أو مؤسسات الزكاة الشرعية أن تُنشئ له مشروعًا يضمن له دخلًا كريمًا مستمرًّا.
وتُؤدّى الزكاة إمّا مباشرةً من قبل المالك إلى مستحقيها، أو عن طريق وكيل ينوب عنه، أو تسليمها لوليّ الأمر. أما زكاة الأموال المعنوية مثل النقود والتجارة فمسؤوليةُ إخراجها تقع على المالك نفسه، ولا تبرأ ذمته إلا بوصولها إلى مستحقيها الشرعيين.
ولو جُمعت زكاة التجارة في بلدةٍ ما كما ينبغي، وأُدّيت بنسبة 2.5% بانتظام، لكان في ذلك كفيلٌ -في غضون سنوات قليلة- بالقضاء على الفقر في تلك البلدة أو على الأقل تقليصه إلى حدٍّ كبير. وقد شهد التاريخ الإسلامي شواهد على ذلك، كما أوردها أبو عبيدة في كتابه «كتاب الأموال»، حيث تحقّق الاكتفاء المالي للفقراء بفضل تطبيق هذا النظام الإلهي العادل.
