يُعدّ نظام الميراث من أهمّ التشريعات المالية والاجتماعية التي جاء بها الإسلام لتنظيم توزيع الثروة بعد وفاة الإنسان. فعند انتقال المرء إلى جوار ربّه، تُقسَّم ممتلكاته المكتسبة على ورثته من الأقارب، بعد سداد ديونه وتنفيذ وصاياه، وذلك وفقًا لمقادير محددة من قبل الشرع الحكيم.
مبادئ الميراث
يقوم نظام المواريث على قاعدة أساسية، وهي أن توزيع الأنصبة يكون وفق درجة القرابة من المتوفّى، بغضّ النظر عن وجود التزامات مالية على الوارث أو امتلاك فائض من المال.
فالورثة الأقربون يَحجبون الأبعدين؛ فمن وُجد أمه حُجب جده، ومن كانت أمّه على قيد الحياة حُجبت جدّته، وهكذا. كما أنّ الجيل اللاحق – كالابن والبنت – مقدّم في الاستحقاق على الجيل السابق كالأب والأم.
فإذا كان الابن أو الأب حيًّا، فلا نصيب لإخوة المتوفّى وأخواته. أمّا أفراد الفئة الواحدة، فيتساوون في اقتسام نصيبها. فلو خلّف الميت أبًا وأربعة أبناء، فالأب يأخذ السدس، ثم يوزّع المتبقي بالتساوي بين الأبناء الأربعة.
وباستثناء الأقارب بالنسب، يُعدّ الزوج والزوجة وارثين شرعيين عن طريق عقد الزواج. وقد كان المولى الذي أعتق عبده يرثه عند عدم وجود ورثة، غير أنّ انتفاء نظام الرقّ يجعل هذا الحكم غير ذي أثر في واقع اليوم.
وتتضمّن سورة النساء الأحكام المركزية للميراث، ولا سيما الآيات: 11، 12، 176.
الميراث في القرآن الكريم
يقول الله تعالى:
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 11)
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (النساء: 12)
كما اختُتمت السورة بقوله تعالى:
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ...﴾ (النساء: 176)
وهذه الآيات الثلاث هي الأصل التشريعي الأعلى لأحكام الميراث في الإسلام.
أنواع الميراث
يقسَّم الميراث في الفقه الإسلامي إلى نوعين رئيسيين:
1. الأنصبة المقدّرة (أصحاب الفروض):
وهي حصص محددة شرعًا، مثل: الثلث، السدس، النصف، فإذا مات شخص وخلّف ابنةً واحدة فقط، فلها نصف التركة ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾، حتى لو وُجد أبٌ أو أمّ، فلا تحرم من فرضها.
2. الأنصبة الباقية (العَصَبة):
وهم الورثة الذين يحصلون على ما تبقّى بعد توزيع الفروض على أصحابها.
فإن مات رجل وخلّف ابنةً وأبًا، فالبنت لها نصف التركة، وما بقي يأخذه الأب.
مثال تطبيقي
توفي رجل وخلّف: ابنتين، وأمًّا، وأبًا وحفيدًا
فكيفية التوزيع:
· الابنتان: لهما الثلثان معًا (66.66%)
· الأب: له السدس (16.66%)
· الأم: لها السدس (16.66%)
· الحفيد: لا شيء؛ لانعدام المتبقي بعد توزيع الفروض.
فبعد توزيع التركة على أصحاب الأنصبة المحددة، لا يبقى شيء للحفيد في هذا المثال.
