الربا محرَّم شرعًا؛ لأنه لونٌ من ألوان الاستغلال المنافي للإنسانية. وقد حرّم الإسلام التعامل بالربا وما ينتج عنه من أرباح، وعدَّه من السبع الموبقات، لما ينطوي عليه من استغلال ضعف الناس المالي، ولعدم انسجامه مع مبادئ العدالة الأخلاقية.
فقد كان الربا قبل بزوغ نور الرسالة أمرًا شائعًا؛ إذ كان المجتمع العربي، وكذلك المجتمعات القديمة في مصر والهند، ترى وجوب ردّ الربا عند سداد القروض.
وفي المدينة المنوّرة -وهي مدينة يغلب عليها الطابع الزراعي- كان الدخل السنوي يستمدّ أساسًا من بيع التمور والعنب في موسم الحصاد. فإذا طرأت نفقات غير متوقعة تعطّلت موازنة العام، ولم تُغطِّ مواردُ الزراعة تلك الأعباء، فيضطر الناس إلى الاقتراض. وكان المقرضون لا يهدفون إلا إلى تحصيل الفائدة. وعند حلول موعد السداد، كان المقترضون يشكون ضيقهم ويطلبون مهلة إضافية، فيفرح المرابون بذلك؛ إذ يعني لهم زيادة في الفائدة. فكلّما تأخر السداد تضاعفت الفوائد، بل كانت تُضاف فوائد مركَّبة إلى فائدة العام الأول، وفي بعض الحالات كان أصل الدين نفسه يُضاعَف. ولهذا حذّر القرآن الكريم بلهجة حاسمة صارمة من هذا النوع من الربا المضاعف.
إنّ الإسلام يحثّ على إعانة المحتاجين، ويعدُّ إقراضهم عملًا فاضلًا. غير أنّه يحرّم استغلال حاجاتهم بفرض الفوائد الربوية والفوائد المركبة، وينهى عن التشبّه بالمرابي الذي يستغل عجز الآخرين ليزداد ثراءً. ويوصي القرآن الكريم بأن يستردّ المُقرضُ رأس ماله فقط دون زيادة، وأن يمهِل المعسر حتى تتيسر أموره. يقول تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 278-280].
وقد ردّ القرآن الكريم على من حاولوا تبرير الربا بزعم أنّه صورة من صور التجارة التي يربح منها الناس كما يربحون من البيع؛ فأوضح الفرق الجوهري بينهما بقوله تعالى ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: 275).
وهذه هي سياسة الإسلام الراسخة تجاه الربا. وكيف يتساهل الإسلام—الذي يريد للإنسان سعادته الدنيوية والأخروية—مع هذا النوع من الظلم المالي الذي يفاقم الأزمات ويضرّ بالتقدّم الاقتصادي والروحي للبشرية، ويُمهّد لتناول الحرام بدلًا من الحلال؟
وقد وردت في القرآن الكريم والسنّة النبوية نصوصٌ أخرى شديدة اللهجة في التحذير من الربا، منها قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (البقرة: 275).
وقوله سبحانه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (البقرة: 276).
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: 278).
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 130).
وقوله: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: 161).
وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (الروم: 39).
وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 245).
وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (الحديد: 11).
ويرى بعض الاقتصاديين—ومنهم ج. م. كينز—أن النموّ الاقتصادي غير ممكن دون نظام المعاملات المالية الحديثة، وأن الفائدة جزء رئيس من النظام المصرفي المعاصر. لكنه في الوقت نفسه يرى أن تحقيق النمو الأكبر لا يكون إلا مع انخفاض معدلات الفائدة.
أما المؤسسات المالية العالمية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فتعتمد في برامجها على تقديم قروض منخفضة الفائدة للدول. وفي الهند، تُعدّ أسعار الفائدة في البنوك الريفية والبنوك التعاونية ومؤسسات دعم الصناعات الصغيرة منخفضة نسبيًا أيضًا. ويؤكد الاقتصاديون المعاصرون أن هذا الانخفاض في معدلات الفائدة ضرورة لمواجهة تراجع قيمة النقود. ويذهبون إلى أنّ التضخم الذي يصل إلى 7% أو 8% في دول مثل الهند يجعل من اللازم أن تكون أسعار الفائدة على القروض طويلة الأجل قريبة من هذه النسبة على الأقل.
ومع ذلك، فإن القرآن الكريم والسنّة النبوية يقرران أنّ الزيادة الناتجة عن الفائدة ليست زيادة حقيقية، بل هي في حقيقتها خسارة محقّقة.
ومن أشدّ آثار الربا الاجتماعية ارتفاع أسعار السلع؛ فالمنتج النهائي يمرّ قبل وصوله إلى المستهلك بمراحل تصنيع عدّة، وفي كل مرحلة تعتمد الوحدات الإنتاجية على رأس مال مقترَض بفائدة، فيُضاف عبء الفائدة إلى التكلفة ومن ثم إلى السعر. وإذا مرّ المنتج بثلاث مراحل إنتاجية مثلًا، فقد يرتفع سعره بنسبة تصل إلى 30%. أما إذا توفّر رأس المال بدون فائدة، فستنخفض هذه الزيادة تمامًا، وتُطرح السلع بأسعار مناسبة للعامة، ما ينعكس إيجابًا على قدرة الناس الشرائية وعلى النموّ الاقتصادي.
ويمكن إدراك ذلك من المثال المشاهد في سوق الذهب؛ إذ ترتفع الأسعار في بعض الفترات، لكن أرباح التجار تنخفض لأن عدد المشترين يقلّ، فتتراجع قيمة المبيعات وقد تصل إلى الخسارة.
وسنحاول هنا—من خلال رسم بياني—إظهار الفرق بين سعر السلعة المنتَجة برأس مال ربوي وبين سعرها عند إنتاجها بتمويل خالٍ من الفائدة.
