كل ما يُقدَّر بثمنٍ ويُعتدُّ بقيمته يدخل في دائرة المال، سواء كان من المعادن النفيسة كالذهب والفضة، أو من النقود والأوراق المالية، أو من العقارات والممتلكات، أو من الموارد الزراعية أوالمواشي، أو من المعادن المستخرجة من باطن الأرض كالحديد والنحاس والذهب، أو من الجواهر الكريمة واللآلئ، أو من الكنوز البحرية وما يُستخرج من البحار من ثرواتٍ عضوية وغير عضوية. بل حتى ما تُنتجه الصناعة الحديثة من موادّ مركّبة تُلبّي حاجات الإنسان وتيسّر له أسباب العيش، كلّ ذلك داخلٌ في مفهوم المال الذي جعله الله قياماً للناس.
وقد أشار القرآن الكريم إلى ميل الإنسان الفطري نحو المال وما يتّصل به من أسباب الزينة والجاه، فقال تعالى:{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [آل عمران: 14].
تقسيم متاع الدنيا إلى فئات بناءً على حاجة الإنسان
لقد اهتمَّ الفقه الإسلامي بتقسيم حاجات الإنسان ورتّبها ترتيبًا دقيقًا، ليُبنى على هذا الترتيب فقهُ الأحكام والمصالح والمفاسد. فليس كل ما يرغبه الإنسان يُعدّ ضروريًا، ولا كل ما يُستحسن مباحًا. وتقوم هذه المراتب على قاعدة الموازنة بين حفظ مصالح الإنسان ودفع المفاسد عنه، في ضوء مقاصد الشريعة الخمسة: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.
وعلى هذا يقسّم مراتب الحاجات الإنسانية في ضوء الفقه الإسلامي إلى خمس فئات: الضروريات ، الحاجيّات، التحسينيّات، الكماليات، المحرَّمات.
ومن الضروريات ما لا تقوم الحياة إلا به، وإذا فُقد هلك الإنسان أو اختلّ نظام المجتمع. ومن أمثلته:
الغذاء والشراب، هما الضروريان لبقاء الحياة.
اللباس الذي يستر العورة ويحمي من الحرّ والبرد، ممّا وهبته الطبيعة من أوراق الشجر والألياف والنباتات التي يستر بها جسده ويحتمي بها من الحرّ والبرد، ثم تطوّر صُنع اللباس مع تطوّر الحياة، فاستُخدم القطن والكتان والحرير والصوف والجلود. ثم ابتكر الإنسان أقمشةً صناعية متينة وخفيفة، وصار اللباس يتنوع بين ما يُلبس للزينة وما يُتخذ للوقاية. حتى بلغ التطور العلمي أن صُنعت ملابس مقاومة للنار، وأطقمٌ واقية للجنود والأطباء، وبدلاتٌ معزولة لروّاد الفضاء تحفظ أجسادهم في أعماق الفضاء .
المسكن: مأوى الإنسان وموطن سكينته. يحتاج الإنسان إلى مسكنٍ يأويه، يحتمي فيه من الأعداء ومن تقلّبات الطقس القاسية، ويجد فيه موضعًا للراحة والنوم والاطمئنان. فالمسكن ليس جدرانًا فحسب، بل هو موطنُ السكينة التي أودعها الله في قلب الإنسان ليستقر ويطمئن. وقد شاد البشر مساكنهم عبر العصور بموادَّ متنوّعةٍ مما أتاحته الطبيعة: من التراب والحجارة والصخور والخشب والحديد، ثم تطوّر البناء مع التقدّم الصناعي حتى صاروا يستخدمون المواد المصنَّعة الحديثة التي تجمع بين الصلابة والجمال، لتغدو البيوت اليوم نموذجًا لرحلة الإنسان من البساطة الأولى إلى العمران المتقن.
وإذا كانت الأمور التي سبقت ذكرها من الضروريات الأساسية في حياة الإنسان، فإن هناك أشياء أخرى تُعينه على إتمام حاجاته وتحسين معيشته، فهي ليست في مرتبة الضرورة، لكنها من الحاجيات أو التحسينيات التي تُيسّر الحياة وتُجمّلها.
فإذا كان الخشبُ ضروريًا لصناعة الأبواب، فإن الطلاء الذي يحفظه من التلف يُعدُّ حاجةً مكمّلة. وإذا كان الجدارُ يُبنى لحماية البيت، فإن الإسمنتَ والحديدَ والمواد الحديثة تقوّيه وتجمّله. وهكذا الأمر في سقف المنزل ووسائل التدفئة والتبريد والإضاءة؛ كلّها صورٌ من الحاجيات التي تسهّل الحياة وتزيدها راحةً وجمالاً.
وكما كانت الدوابّ كالإبل والخيول من وسائل التنقّل الضرورية في الماضي، صارت اليوم المركبات والسيارات والسفن والطائرات، بل حتى الصواريخ الفضائية من أدوات الحركة والسفر التي يحتاج إليها الإنسان وفق ظروفه ومجالات عمله ومعيشته.
تُعَدّ الموارد الزراعية والطبيعية التي يحصل عليها الإنسان من الأرض والبحر، سواء كانت نتاجًا للزراعة أو من خيرات الطبيعة، من أعظم الضروريات التي لا تقوم الحياة بدونها. فالحبوب والثمار، والأسماك واللحوم، والألبان ومشتقاتها، كلها من أركان الغذاء الأساسية التي جعلها الله رزقًا لعباده، لتستقيم بها حياتهم.
ومع تطوّر الزمان وتنوّع وسائل المعيشة، ظهرت مئات الأنواع من الأطعمة والمشروبات، وتفنّن الإنسان في إعدادها وصناعتها حتى أصبحت عالمًا واسعًا من النكهات والمتع الحسية. فهي من الحاجيات والتحسينيات التي تلبّي الرغبة وتُنمّي الذوق، ما دامت بعيدةً عن الإسراف والتبذير.فإذا انتهت الحاجات، بدأت الزينة، وإذا تجاوزت الزينة حدَّها، صارت ترفًا، وإذا تحوّل الترف إلى إسرافٍ صار فسادًا .فالزينة مطلوبة ما دامت في حدود الجمال المشروع، ولكنها إذا تجاوزت الاعتدال صارت من الفضول المذموم، وإذا أضرّت بالضروريات أو بدّدت الأموال في غير موضعها، دخلت في دائرة المحرّم والمفسد.
تغيّر الأحكام بتغيّر الأحوال
الحاجاتُ ليست ثابتةً في كلّ زمانٍ ومكان، بل تتغيّر بحسب الظروف. فالسلاح في زمن السلم يُعدّ من الكماليات، بل قد يُعدّ خطرًا إذا استُعمل بغير وجه حقّ، بينما في زمن الحرب يصبح من الضروريات لحماية النفس والوطن. وكذلك الحيوان الأليف إذا كان نافعًا فهو مباح، فإذا صار مؤذيًا أو خطرًا وناقلًا للمرض، حُرم اقتناؤه أو وجب التخلص منه، كما هو الحال في الكلب العقور أو الطيور المصابة بالأوبئة التي تُباد حفاظًا على سلامة المجتمع.
العدالة في تداول الأموال
من مقاصد الإسلام الكبرى أن يكون تداول المال قائمًا على العدل والرحمة، بحيث لا يكون المال وسيلةً للظلم أو الاستغلال، ولا سببًا لاتساع الفجوة بين الغني والفقير. فينبغي أن تكون نظرة الإنسان إلى المال نظرةً تنمويةً راشدةً، تسعى إلى تقليل الفوارق بين الناس وتحقيق متعة الجميع، على أساس من التكافل والتعاون. فالمال يُكتسب بالطرق المشروعة، من غير غشٍّ ولا استغلالٍ ولا خيانة، ويُتداول بما يضمن حقوق المنتج والمستهلك، ويحفظ كرامة العامل، ويمنع الظلم في الأسعار والمعاملات.
أما في الإنفاق، فإن الإسلام يدعو إلى التوازن والاعتدال، فيوجّه المال نحو الخير والإصلاح، ويُعلي من شأن القيم الإنسانية، ويخصّ الفقراء والمحتاجين بالرعاية والاهتمام، فيكون الإنفاق عبادةً ومظهرًا من مظاهر الإيمان.
النظام المالي في الإسلام
نظّم الإسلام حركة المال في المجتمع وفق نظامٍ شاملٍ يجمع بين الواجب والاختيار، وبين الحق الفردي والمصلحة العامة، ومن أبرز معالمه:
الزكاة الواجبة: فريضةٌ على الأغنياء تُقدَّر بنسبةٍ تتراوح بين 2٫5٪ إلى 20٪ بحسب نوع المال ومصدره، وهي ركنٌ من أركان الإسلام، تُطهّر المال وتنمّيه وتسدّ حاجة الفقراء.
الصدقة والوصية (الإنفاق الاختياري): يُستحب للمسلم أن يُخرج من ماله ما شاء من صدقة جاريةٍ وهبة، وله أن يُوصي بعد موته بما لا يتجاوز ثلث تركته، إسهامًا في استمرار الخير بعد وفاته.
الميراث (التركة): نظامٌ ربانيٌّ دقيقٌ يوزّع المال بعد وفاة الإنسان على ورثته بحسب درجة القرابة، فتتراوح أنصبتهم بين ١٢٫٥٪ إلى 100٪ بحسب قربهم وبعدهم، وحضور غيرهم من الورثة.
الإطار الشرعي لاكتساب المال وتنظيمه
أولًا: المحظورات والمعاملات الممنوعة : لقد حدَّ الإسلام من الممارسات المالية الضارة والمُضرّة بالنفس والمجتمع، فجاءت عدة قواعد واضحة:
تحريم الربا: أي التعامل بالفائدة أو الزيادة على القروض المحرّمة، لما فيه من ظلم واستغلال.
تحريم القمار والميسر واليانصيب وكل أشكال التعاملات الغامضة: فكل ما يقوم على الحظ والاحتمال دون جهد مشروع، كالمقامرة واللوتو وغيرها، محرم شرعًا.
تحريم الغش والخداع والابتزاز: كل شكل من أشكال الاحتيال، أو أخذ الحقوق بغير وجه حق، أو الاستيلاء على أموال الناس بغير إذنهم، ممنوعٌ نهائيًا.
ثانيًا: وسائل الحصول على المال المشروعة
لقد شرع الإسلام مجموعةً واسعةً من وسائل اكتساب المال التي تجمع بين الجهد والعمل والتعاون، ومن أبرزها:
التجارة المشروعة: بيع وشراء السلع والخدمات بطريقة عادلة ومباشرة.
البيع الآجل أو السلم: أي بيع السلعة مقابل ثمنٍ مدفوع مسبقًا على أن تُسلم لاحقًا، وفق ضوابط الشريعة.
الصناعة والحرف والإنتاج: إنتاج السلع والخدمات بالعمل اليدوي أو المعرفي، مع مراعاة الجودة والصدق.
القرض الحسن: أي الإقراض بلا ربا، لمساعدة الآخرين على تيسير حاجاتهم، مع ضمان حقوق المقترض.
المشاريع المشتركة (المضاربة والشركة): المضاربة (القراض): شراكة بين صاحب المال والعامل على أن يُتقاسم الربح حسب اتفاق مسبق. والشركة : مساهمة عدة أطراف برأس المال والعمل في مشروع مشترك، يتقاسمون الأرباح والخسائر بحسب الشروط المتفق عليها.
الإجارة (عقد الإيجار) استثمار المال أو الخدمات مقابل أجر معلوم، بما يحفظ حقوق الطرفين ويحقق المنفعة.
بهذا التنظيم المنطقي، يحقق الإسلام التوازن بين الكسب المشروع وحماية المجتمع من الفساد والاستغلال، ويضمن أن يكون المال أداةً للخير، لا سببًا للظلم أو الطغيان.
