العنوان لا يعنى أنّ كلّ بيت يحتوي على حديقة جميلة، بل، يجب أن يكون البيتُ نفسُه حديقةً. في الحديقة دائمًا تحلّق الفراشات، وتغنّي العصافير، وتطنّ النحلات، لأن الزهور تفتّح بالعطر والرحيق. هكذا يجب أن يكون بيتنا عامرًا بالضيوف، تزوره الوجوه المختلفة، وتتعاقب عليه الأرواح المتآلفة، فإن خلا من الضيف، غدا كالقبر، موحشًا كئيبًا!
ولا تزدهر الضيافة في بيتٍ إلا إذا اجتمع فيه الزوج والزوجة على قلبٍ واحد. فكم من امرأةٍ تحبّ أن يأتي الضيوف والأقرباء، ويجلسوا، ويأكلوا، ويتحدّثوا، ويغادروا فرحين راضين، ولكن زوجُها متجهّمٌ متوحّد، لا يطيق أن يقرَع أحدٌ بابَه. فكم من رَجلٍ يحبّ أن يمتلئ البيتُ بالأنس والزوّار، غير أنّ زوجتَه الكسلى المتبرّمة تصدّه بقولها: إيّاك أن تدعوَ أحدًا! لا طاقة لي بخدمتهم! فيغدو البيت - لا سمح الله - بيتًا بلا روح، وأهله بلا بركة.
إكرامُ الضيف عملٌ عظيم البرَكة، ومِن أحبّ الخِصال إلى رسول الله ﷺ. وحين عاد النبيّ ﷺ من غار حراء يرجف قلبُه لِما رأى من الوحي، كانت السيدة خديجة رضي الله عنها تًسكّن روعَه بذكر فضائله، فقالت: إنّك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتُقرِي الضيف، وتُعين على نوائب الحقّ. فإكرام الضيف علامةُ الإيمان، كما قال النبي ﷺ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفَه. لقد ربّى رسول الله ﷺ أصحابه على هذا الخلق الكريم، فصار بيتُ كلّ مؤمنٍ حديقةً رحبة، تفوح بعبير الكرم، وتؤوي من يطرق بابها برفقٍ وسلام.
ذات ليلةٍ، جاء ضيفٌ إلى بيت النبوّة، يطلب القِرى والمأوى، فأرسل إلى بعض نسائه فقالت والذي بعثك بالحق، ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك حتّى قُلن كلّهنّ مثل ذلك: لا، والذي بعثك بالحق، ما عندي إلا ماء. فقال صلى الله عليه وسلم : مَن يُضيف هذا الليلة رحمه الله، فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رَحله، فقال لامرأته: هل عندكِ شيء ؟ قالت: لا، إلا قوتُ صبياني. قال: فعلِّلِيهم بشيء، فإذا دخلَ ضيفُنا فأَطفِئ السراجَ وأريهِ أنّا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقُومي إلى السراج حتّى تطفئيه، قال: فقعدوا وأكل الضيفُ، فلمّا أصبح غدَا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة! . ثم نزل قول الله تعالى فيهم شهادةً خالدةً: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (سورة الحشر: 9).
أبوطلحة الأنصاري - الذي آثر غيرَه على نفسه - لم يكن فقيرَ القلب، بل عظيمَ النفس، عارفًا أنّ العطاء لا يُنقِص المالَ بل يباركه الله. وقد مرّت الأيام، وفتح الله له من خزائن فضله، فصار له بستانٌ في المدينة يقال له بَيرُحاء، من أبهى بساتينها. فلما نزل قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ بادر إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله، إنّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيرُحاء، وإنّها صدقة لله، أرجو بِرّها وذُخرَها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئتَ، وقد جعلتُها لله.! فقال له النبي ﷺ: بَخٍ! بخٍ! ذلك مالٌ رابحٌ، اجعلها في قرابتك. فكانت تلك المدرسة النبوية تُخرّج رجالًا ونساءً يعطون، لا مِن فَراغ، بل من جوعٍ، ويُؤثرون، لا من فَضل، بل من حاجةٍ.
بعضُ الناس - إذا سمعوا أنّ ضيفًا سيزورهم - تبدأ بطونُهم تضطرب وصدوُرهم تضيق! يتذمّرون قائلين: سيكلّفنا مالًا، وسيرهقنا تعبًا! ، وكأنّ الضيافة عندهم عبء لا برَكة فيه. لكن في الحقيقة، أولئك الذين اعتادوا إكرام الضيوف وصلة الأرحام، هم أكثر الناس بركةً في أرزاقهم، وسَعةً في أعمارهم، ومغفرةً لذنوبهم. يقال في أمر المولود الجديد: حين يُخلقُ الطفلُ، يُخلقُ معه رزقه، فكذلك حين يأتي الضيف، يأتي ومعه رزقُه ونصيبُه الذي كتبه الله له ولأهل البيت.
وقد ورد في الحديث الشريف ما يؤكِّد هذا المعنى: إذا أراد الله بقوم خيراً أهدى لهم هديّة ، قالوا: وما تلك الهدية؟ قال: الضيف ينزل برزقه ، ويرتحل بذنوب أهل البيت. قال العارف شقيق البلخي رحمه الله: لـيسَ شَيءٌ أحَبَّ إِليَّ من الضَّيفِ ؛ لِأَنَّ رِزقَه على الله وأجرُه لِـي. وقال العارف يحيى بن معاذ: لو كانت الجنّة في يدي طعامًا لقبضتُه، لبادرتُ إلى إطعام ضيفي منه.
أما الذين يسيرون على ملة إبراهيم عليه السلام، فهم أولى الناس بالتميّز في إكرام الضيف، فقد كان خليل الله إبراهيم عليه السلام إمامَ الكرم والضيافة. كان لا يطيق أن يأكل وحده، بل يخرج يبحث عن ضيف يشاركه طعامه، حتى ذُكر في سيرته أنّه كان ينتظر الغرباء عند الطريق ليضيفَهم. وحين جاء إليه الملائكة في صورة بشرٍ، نهض مسرعًا، فلم يتأخّر لحظة، فذبح لهم عجلاً سمينًا، وشوّاه، وقدّمه إليهم بأدبٍ ووجهٍ طلقٍ، وقال في لطفٍ وتواضع: ألا تأكلون؟ هكذا يكون الكرم في مدرسة الإيمان، و تملأ في بيوت الأنبياء بركةُ الضيافة، إذ هي من دلائل صفاء القلب وصدق التوحيد.
لو تأملنا بدقة، النصّ القرآني في ضيافة إبراهيم عليه السلام { إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ، فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ} ( الذاريات) لأمكنا أن نستخلص منه آدابا ينبغي للمضيف أن يتحلّى بها عند استقبال ضيفه؛ الترحيب والتحية بابتسامة وكلمة طيبة، وتهيئة مكان للجلوس والاستراحة، والإكرام بأفضل ما يملك، وتقديم الطعام بشكل مريح حيث يكون المضيف خادما، وتشجيعهم على الأكل المريح فقال: ألا تأكلون. نفهم من ذلك أنّ الضيافة لا تكون بإلقاء الطعام على المائدة وإهمال الضيف كما يفعل بعض الناس فيما يُسمّى اليوم بنظام البوفيه المفتوح، حيث يُترك الضيف ليخدم نفسَه دون كلمة ترحيبٍ أو إشعارٍ بالمودة، وكأنَّ العلاقةَ بين الطرفين علاقةُ مطعمٍ وزبون! هذا ليس من كرم الضيافة في شيء، ولا من خُلق الأنبياء والصالحين.
وكان نبيّ الله لوط عليه السلام من أهل الضيافة والكرم، كما كان عمّه إبراهيم عليه السلام، حين جاءته الملائكة في صورة فِتيان حِسانٍ، فتوجّس منهم خيفةً، لا كراهيةً لهم، بل خشيةً من قومه الفاسدين الذين اشتهروا بفاحشةٍ لم يسبقهم بها أحدٌ من العالمين. كان يعلم أنّ قومه لو علموا بقدوم هؤلاء الضيوف، لأقبلوا إليهم بفسقهم وشهوتهم، ولألْحقوا به العار. ومع ذلك، لم يتراجع نبيّ الله عن واجبه في أمر الضيافة. فخاف لوط عليهم من تحرّش قومه بهم وتعرّضهم لهم بالإيذاء، ولولا حقّ الضيافة وآدابها لطلب منهم لوطٌ عليه السلام أن يغادروا القرية في الحال، ولكنّه استحيا من مواجهتهم بالواقع المرير. كما قال تعالى : وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ، وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ، قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رجل رَّشِيدٌ (هود: 77 – 78) وفي هذا الموقف العظيم درسٌ بليغ: أن الضيافة ليست فقط طعامًا وشرابًا، بل موقفُ شجاعةٍ ونبلٍ وإيمانٍ. فكم من الناس اليوم يعتذرون بأعذارٍ واهيةٍ حين يُطرق بابهم، ويتفنّنون في التهرّب من الواجب، وكأنّ الضيف نقمةٌ لا نعمة!
حدّد النبي صلى الله عليه وسلم الضيافة بثلاثة أيام، كما ورد في الحديث الشريف: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفَه جائزته. قال: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه.
فلا يجوز أن يُرهق الضيفُ مُضيفَه بالبقاء الطويل، ولا أن يجعل البيتَ مجلسًا دائمًا، يثقل على أهله. حتى في بيت النبي ﷺ، كان بعض الصحابة يمكثون بعد الطعام يتحدّثون، فيشقّ ذلك على رسول الله ﷺ حياءً، حتى أنزل الله تعالى آداب الزيارة في قوله: فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ۚ ( سورة الأحزاب : 35) وهكذا جمع الإسلام بين الكرم والاعتدال؛ فلا إسرافَ في الضيافة، ولا جفاءَ في الاستقبال، بل ميزانٌ من الذوق، تُزينه الرحمة، ويضبطه الأدب.
في بلادنا، لا تزال ملامحُ الضيافة القديمة تتلألأ في بعض الوجوه الطيبة. فكم من مسافرٍ صالحٍ ،أو طالبِ علمٍ غريب يدخل المسجدَ لأداء الصلاة، ثم يبقى بعد التسليم، يرقب الوجوه بنظراتٍ خجلى، لعلّ أحدهم يقول له: تفضّل، تناولْ معنا الطعام. وتجد في المقابل رجالًا ونساءً جعل الله في صدورهم شوقًا للكرم، عيونُهم تبحث عن ضيفٍ يغسل عنهم وحشةَ الأيام؛ فإذا علموا أن في القرية غريبًا، تسابقوا إليه، لا يتركونه لغيرهم، كأنهم يخشون أن تفوتهم بركة الضيف!
وتلك عاداتٌ جميلة، ما دامت تُبنى على الإخلاص، لا على الرياء ولا المفاخرة. فالكرم شجرةٌ لا تُثمر إلا إذا سُقيت بماء الصدق. وقد اشتهر المسلمون في كل أرضٍ بسعة صدورهم وحفاوة استقبالهم، حتى شهد لهم غير المسلمين قائلين: ما رأينا أكرم من المسلمين على ضيوفهم، ولا ألين منهم في معشرهم. فمن طرق بابنا سائلًا - فقيرًا أو غريبًا أو عابر سبيل - وجب أن نستقبله برحمةٍ وإنسانية، لا بغلظةٍ ولا اتهام .ومع ذلك، علينا أن نأخذ كلّ الحذر في وجه السائلين، لأنّ الزمان تغيّر، وتكاثرت الحِيل، ويدخل بعض الأدعياء بيوت أهل الكرم باسم الحاجة وهم أهلُ احتيالٍ وتكسّب وسرقة ونهب. ورغم ذلك لا يُسوّغ أن نُغلق قلوبنا في وجه كلّ محتاج، ولا أن نُطفئ جذوة الرحمة خوفًا من الخداع. من جاءك في حاجةٍ، فافتح له الباب بالكلمة الطيبة، فإن قدرتَ على العون فافعل، وإن لم تقدر فاعتذر برفقٍ، لا بزجرٍ ولا إهانة.
وهنا أمر آخر ينبغي التنبيه عليه، هو كثرة المتسوّلين في هذا الزمان، يكتسبون بهذا العمل أموالا هائلة، يستغلّون حسن النية للمتصدقين، وهذا يشجعهم على البطالة والتسوّل، فالواجب هنا توعية المتسوّل على الكسب الحلال وفضله ومذلّة السؤال والتكفّف. هذا من هدي الرسول ﷺ. عن أنس أنّ رجلا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله ، فقال : أما في بيتك شيء ؟ ، فقال : بلى حلس نلبس بعضه ، ونبسط بعضه وقعب نشرب فيه من الماء ، قال : ائتني بهما فأتاه بهما ، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ، وقال : من يشتري هذين ؟ . قال رجل : أنا آخذهما بدرهم ، قال : من يزيد على درهم ؟ مرتين أو ثلاثا ، قال رجل : أنا آخذهما بدرهمين ، فأعطاهما إياه ، فأخذ الدرهمين ، فأعطاهما الأنصاري ، وقال : اشتر بأحدهما طعاما ، فانبذه إلى أهلك ، واشتر بالآخر قدوما ، فائتني به ، فأتاه به ، فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عودا بيده ، ثم قال : اذهب ، فاحتطِب ، وبِع ، ولا أرينّك خمسة عشر يوما فذهب الرجل يحتطب ويبيع ، فجاءه ، وقد أصاب عشرة دراهم ، فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير لك من أن تجيء المسألةُ نكتةً في وجهك يوم القيامة .
ومن هذا الموقف تتولد فينا فكرةٌ عظيمة: أنّ العمل الخيري الحقيقي ليس أن نُطعم الفقير يومًا، بل أن نفتح له باب رزقٍ يُغنيه عن السؤال أبدًا. فلتكن في مساجدنا ومجتمعاتنا برامجٌ للتمكين والعمل الذاتي، لا مجرّد موائد عابرة.
ومع ذلك، إذا دخل بيتَنا محتاجٌ أو سائلٌ، فلا نطرده بغلظةٍ، ولا نوبّخه بكلمةٍ جارحة. إن لم نجد إلا القليل، فالقليلُ مع الابتسامة كثير .إن كان عطشانًا، فاسقه ماءً باردًا. وإن كان شيخًا كبيرًا، فناولْه حساءً دافئًا. وإن كان محتاجًا لثوبٍ، فأعطه مما تملك، لا ممّا تزدريه. وإن لم يكن عندك شيء، فودّعه بكلمةٍ طيبةٍ، فهي عند الله صدقة.
فما قيمة بيتٍ فخمٍ، مزيّنٍ بالرخام والإضاءة، إن خرج منه المسكين مكسور القلب؟ وما أجمل بيتٍ بسيطٍ، سقفه من القشّ، وجدرانُه من الطين، لكنّه يظلّل القلوب بالرحمة والسكينة! هكذا تصبح بيوتنا بساتينَ تُحلّق فيها الضيوف كالفراشات، وتفوح منها رائحةُ الإحسان.






