في قراءتنا السابقة توصّلنا إلى أن الحاجة الإنسانية الأولى هي التحرّر من العبودية والقمع والاستغلال. فأمام أعيننا قد نرى طفلًا بدويًّا أو طفلًا من أهل القرية يتعرّض لاعتداءٍ من شخصٍ ما، أو تلاحقه مجموعة من الكلاب فتعُضّه. وفي مثل هذه اللحظات لا يحتاج الطفل إلى كلمة "يا حبيبي"، ولا إلى لمسة على خدّه، ولا إلى قطعة شوكولاتة وقبلة… بل يحتاج إلى إنقاذٍ عاجل. الإسلام، في جوهره، دعوةٌ لنُصرة المظلومين، ولتحقيق التحرّر من القيود والظلم والجور.
وبعد اكتمال هذا الأساس، يبقى أمران آخران لا ينفك الإنسان يتطلّع إليهما:
- حسن السلوك والألفة من إخوانه البشر.
- المساعدة عند الشدائد، كالجوع والفقر والحاجة.
ولو سألتَ أيُّ الناس أهمّ، لكان الجواب متعلّقًا بعقلياتهم وموازينهم الداخلية.
ذهبت إلى بيت قريبٍ لك يسكن بعيدًا. لكنه لا يهتمّ كثيرًا بمجيئك، ولا يجلس معك، ولا يحادثك، ولا يسأل عن أخبارك، ولا يلقي نكتة فيضحكك، ولا أي شيء، وإنما يعلو على وجهه مظهر التكبر والزهو. ومع ذلك، عندما تنظر إلى الطعام الذي قدم بين يديك يُدهشك ما تراه من أطباقٍ كثيرة متنوّعة… هل يُعجبك هذا المشهد؟
دعني أخبرك بمشهد آخر: تذهب إلى أسرة بعيدة، فيستقبلونك فور وصولك بشاي أسود ساخن وبسكويت جاف… لكن أيّ سلوك! وأيّ اهتمام! كلماتهم مملوءة بالودّ كأنها مغموسة في شراب السكر. يسألونك عن كل تفصيل، ويعطونك أرقامهم، ويأخذون رقمك… يا له من حسن تعامل، ويا له من خلق كريم ،إنه فوق الوصف بالعبارات!
كلا الأمرين من حقوق الإنسان التي ينبغي مراعاتها: السلوك الطيب، ثم الخدمة والمساعدة والضيافة. والناس في هذا على نوعين: منهم من يرى الموقف عيارًا لسلامة عقل صاحبه أو اختلاله، ومنهم من يرى أن الكلمة الطيبة ولو بلا طعامٍ ولا شراب هي الأهم.
وأيًّا كانت فئتك، فالكلمة الطيبة والسلوك الحسن هما الأصل، ثم تأتي بعدهما الضيافة والصدقة والخدمة.
ذكرنا في البداية أن هناك مواقف نلتقي فيها الناسَ يوميًا خمس مرات، و مرة أسبوعيًا، ومرتين سنويًا لأجل العبادة. وهنا يظهر سؤال مهم: كيف نتعامل مع الناس؟ وكيف تكون أخلاق المؤمن في هذه اللقاءات المتكررة؟
من آداب الإسلام إلقاء السلام. فعندما نلتقي أحدًا نقول: السلام عليكم.
إنها تحية ومحبة ودعاء في آنٍ واحد، تُقال لأيّ شخص وفي أيّ وقت.
قد تواجه إنسانًا محطمًا: أُخذت خزعة من جسده، أو ظهرت عليه علامات المرض، أو سُرق جيبه، أو تلقّى رسالة طلاق من صهره في دبي… في مثل هذه الحالات، كلمة «صباح الخير» قد تُسقط شعر رأسه من ثقل المصيبة.
لكنهم جميعًا يحتاجون إلى السلام. لذلك تقول له بقلبٍ ثابت: السلام عليكم.
أستطيع أن أقول السلام عليكم لمن يذهب لرؤية عروس، ولمن أعجب بها ثم عاد، ولمن جاء ليدعوها إلى بيته، ولمن يغادر إلى الخليج، ولمن اجتاز امتحانًا، ولصاحب محل افتتح متجرًا جديدًا... هي أوّل أبواب حسن الخُلق.
وعندما نلتقي شخصًا لا ينبغي أن نكون كأصحاب الوجوه العابسة الممسوحة. فهناك أشخاص إذا رأيتهم لا تشتهي الكلام معهم ولا حتى النظر إليهم.
وقد أرشدنا دينناعلى الابتسام عند اللقاء: فالابتسامة صدقة. يقول الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ».
بعد الابتسامة نبدأ الكلام. ولا ينبغي أن يكون الكلام خشنًا كالحصى، بل ناعمًا كالألماس الضاحك.
«والكلمةُ الطيبةُ صدقة».
كما أن الابتسامة جمالٌ وفضيلة، فالكلمة الطيبة جمالٌ وفضيلة. وقد ورد في الحديث الشريف: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا، وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا»، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَن هي يا رسولَ الله؟ قال «لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» (سنن الترمذي).
على الإنسان أن يدرك أن العضلات ليست شحمًا لتذوب، فلماذا يتجمّد خُلُقه؟ ليُرقّ لسانه، وليهذّب سلوكه. فالإنسان الفظّ ينفر منه الناس كما ينفرّ من الثور النطح، أما الإنسان اللطيف فتطير إليه القلوب كما تطير الفراشات إلى الزهر.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لطيفًا إلى غاية لا تُوصف، وازدان خُلُقه بنور رحمة الله.
تأمّلوا قصة ثُمامة… كان سيد اليمامة، رجلًا قويًّا صلبًا، تجاهل رسائل النبي ﷺ وأقسم على قتله إن استطاع، أخذه الصحابة وربطوه في مسجد المدينة.
ثلاثة أيامٍ والنبي ﷺ يرسل إليه الطعام والشراب، وثمامة يراقب حياة النبي وصحابته وسلوكهم، وفي اليوم الثالث، أمر النبي ﷺ بفكّ قيده!
أيّ قائد في العالم يفعل هذا مع عدوّ يتمنّى قتله؟ ومع ذلك، خرج ثمامة، فاغتسل، ثم عاد فنطق الشهادتين.هذا هو سحر الخُلق.
والاختلافات بين الناس كثيرة. تظهر هنا أو هناك. فلا تجعل عقلك صخرًا لا يلين.
سامح، وتغافل، ودَع اللوم يمرّ مرور العابر، كلما عظُم الإنسان عظمت قدرته على التسامح. وقد بلغ النبي ﷺ في العفو مبلغًا لم يعرفه التاريخ.
وحشي… الرجل الذي قَتل حمزة رضي الله عنه، وماذا فعلت هند بجسد حمزة؟ شقّت صدره، وأخرجت كبده، ومضغته! ولو أراد النبي ﷺ الانتقام لكان الأمر يسيرًا، لكنه عفا.
أسلمت هند، وأسلم وحشي كذلك، وكانا قد جاءا بعد فتح مكة، في الوقت الذي ارتجفت فيه مكة كلها أمام عظمة النبي المنتصر، وفي تلك اللحظة الحاسمة ما كان رد فعل النبي صلى الله عليه وسلم نحو الوحشي والهند إلا أن سامحهما..
وأبو سفيان كذلك، الرجل الاستراتيجي العالم بالسياسة، كان بإمكان النبي ﷺ أن يهينه، لكنه رفع قدره وقال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن». فحوّل عدوًّا كبيرًا إلى قائدٍ معاون.
لو تأملنا حياة النبي ﷺ لرأينا سجلًّا طويلًا من العفو والرحمة والصبر والإحسان.
وينبغي لنا نحن أيضًا ألا نصنع لأنفسنا أعداء، خصوصًا بين أهلنا وأقاربنا وجيراننا.
وإن ابتُلينا بعدوّ، فلنجعله كجزءٍ منا: نعالجه، ونرفق به، ونمسح عنه غبار الجفاء.
كم من مقاتلين ورماة حولهم النبي ﷺ إلى أصحابٍ متواضعين وأنقياء!
لنكفّ عن النظر إلى الأعداء، ولنسأل أنفسنا: كيف نعامل الأقربين؟
آباءنا، أزواجنا، أبناءنا، أصدقاءنا، جيراننا؟
كلنا بشر نخطئ هنا وهناك، فلا بد من التسامح والتغاضي، لكن بعض الناس يحملون الضغائن، ويتربصون، ويثقلون الحياة بالعداوات، وهذا كله لا يليق بالمؤمن.انظر إلى القمر ليلة اكتماله… أليس كأنه يسكب ضياءً أبيض كاللبن؟ ذلك نور النبي ﷺ. ينبغي أن يكون هذا النور حاضرًا في أفكارنا، وكلماتنا، وابتساماتنا، وسلوكنا، وتعاملاتنا، وكل حياتنا…

