إن من أخطر الأمراض التي تعتري النفس الإنسانية "داء الكبر". فهو ملك الحيات، ولسعته أشد سما من كل داء. يتدخل داخل النفوس فتيسمّمها خُفية. هو ذلك الشعور الخادع بأنّ الإنسان أعظم من غيره، وأنّ صوته يجب أن يكون الأعلى، وأنّ شخصيّته لا بد أن تتقدّم الجميع… إنّه غرور متعفّن، و"أَنَا" متورّمة تستحوذ على القلب.
نحن – في البداية – نضع لأنفسنا قيمة متوهّمة، ثم نتعامل مع الناس وفق هذا التقدير المصطنَع… يظهر ذلك في كلامنا، وفي أفعالنا، وفي هيئاتنا. والحقيقة أنّ الناس يكرهون هذه الطبائع في أعماقهم. التكبّر يجعل صاحبه يأنف من مخالطة من هم دونه، ويغضب إذا نُبِّه على خطأ، فيُظهر جسامة مصطنعة وهيبة مزيّفة. هذه كلّها علامات تدل على أن مرضا فتكات قد استولى على القلب. ولا يدخلُ الجنَّةَ من كانَ في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ مِن كِبْرِ كما قال النبي ﷺ
كبار الطغاة عبر التاريخ – إبليس، وفرعون، وهامان، وقارون، ونمرود، وأبو لهب، وأبو جهل – لم يسقطوا إلا بسبب هذا الداء. ما من متكبّر إلا ونهايته الخسران؛ فمنذ لحظة دخول الكِبر قلبَه تتوقّف مسيرته إلى الأمام، ويلهو إلى الهاوية.
وأول المتكبرين ورأسهم ورئيسهم هو إبليس.فقد أمره الله أن يسجد لآدم، فثار كبرياؤه في وجه الأمر قبل أن يتفكّر في الحكمة منه، وقبل أن يأخذ بأدب العبودية التي توجب الاستجابة. استولى عليه وَهْمُ أنّه خيرٌ من آدم؛ فهو من نار، وآدم من طين. وقد سجّلت الآية ذلك الحوار: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (الأعراف: 12)
فالكبرياء ليس انفعالا عابرا، بل موقف متجذر في النفس. فإذا ارتفع رأسه في وقت لا ينبغي له أن يرتفع، فليست عاقبته حينئذ شيئا من العقوبات الخفيفة، كمسك الأذن والدوران، أو جلدات معدودة، أو استدعاء الوالدين، أو الوقوف خارج الفصل حتى الظهر؛ بل ستكون نهايته الطرد الأبدي وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك:- ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾(الأعراف 13)
وفي قوله أيضا:﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ﴾(الحجر 34–35)
ثم لو كان الله قد خلق آدم من عنصر أرفع من النار، ثم أمر إبليس بالسجود له، فهل كان ليسجد؟ كلا؛ الاحتمال ضعيف جدا. لعله يقول: ما دام جوهري من النار حاضرا هنا، فمن الذي أمرك أن تخلق شيئا أفضل منه؟ أما قلنا إن الكبر ليس انفعالا عابرا يحدث في لحظة طيش، بل هو موقف فاسد يستقر في الأعماق ويتجذّر في النفس؟ ولهذا كانت عقوبته طويلة ممتدة، تكاد تكون أبدية.
وهكذا كان حال فرعون وهامان وقارون… فقد ذكر القرآن ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾(العنكبوت 39)
والكبر يلقي في القلب الوسخ والقاذورات. والوسخ الحقيقي هو احتقار الناس. وهذا ما فعلته طبقات المتسلّطين على مرّ العصور.وهم الذين وقفوا في وجه الأنبياء والمرسلين في الأزمنة الماضية وأشعلوا نار العداوة ضدهم. وقد حدّثنا القرآن عن حال نبيّ الله نوح عليه السلام وما لقيه من قومه.
﴿فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلِۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَٰذِبِينَ
ولمّا وصلت هذه العلّة إلى زمن النبيّ ﷺ، أصابت كذلك كبار القوم وأهل الوجاهة في البلدة. فقد لدغت صدورهم فكرةٌ خبيثة مفادها: كيف يكون بيننا هؤلاء أصحاب الشأن والمكانة، ثم يُرسل الله يتيمًا…؟ وهكذا انتهت قصتهم إلى الهلاك. ولو لجؤوا إلى النبي ﷺ وباحوا له بما في صدورهم، وطلبوا الهداية، لنجحوا، لكنّ الكِبر منعهم كما يقول القرآن :- ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾.(المنافقون 5)
وفي الحديث المشهور:- أَنَّ رَجُلاً أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشِمَالِهِ فَقَالَ ” كُلْ بِيَمِينِكَ ” . قَالَ لاَ أَسْتَطِيعُ قَالَ ” لاَ اسْتَطَعْتَ ” . مَا مَنَعَهُ إِلاَّ الْكِبْرُ . قَالَ فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ .
إنّ المقرّ الرئيس الكبر هو القلب، فليس المدار بما نفعله، بل بالحالة النفسية التي نفعل بها. فهل يُعدّ كبرا أن يغتسل الإنسان ويلبس ثوبا نظيفا، ثم يخرج بين الناس؟ ما رأيكم؟
وقبل ذلك، لقد مضى وقت ونحن نتحدّث عن الكبر، لكن ما حقيقته؟ وكيف نعرّفه؟
إنّه بطر الحق وغمط الناس فإذا خلا القلب من هذه الحالة، ثم خرج المرءُ نظيفا مهندما حسن الهيئة، فلا بأس. انظروا إلى جواب النبي حينما سأله أحد أصحابه نفس هذا السؤال. ونص الحديث:-
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ ” لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ” . قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً . قَالَ ” إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ
وفي الوقت نفسه، نرى حديثين عن لبس الثوب مع الكبر والتفاخر.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ “ لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ ” .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضى الله عنه ـ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ، تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ، إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ، فَهْوَ يَتَجَلَّلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
ثم ما الذي يدعو إلى الكبر؟! الإنسان ضعيف… لو حُبس عنه النفس لثوانٍ هلك… يحمل في جسمه فضلات لا يطيق رؤيتها… ومنتهاه أن يكون جيفة تأكلها الديدان. قال الإمام الشافعي: "أصل الإنسان نطفة مذِرَة، وآخرته جيفة قذرة، وهو بينهما يحمل العذرة!"
الطالب الذي يُظهر نبوغا وتفوّقا في دراسته، والقائد الذي يُبدِي كفاءة وصلابة في عمله، والعالم الذي يزداد فهما في معارفه، والخطيب الذي يمتلك سحر البيان وجِدة العرض، والتاجر الذي يربح ويتقدّم في كل خطوة… جميعُ هؤلاء قد يتعرّضون في أي مرحلة للدغَة هذا الثعبان السامّ ولو بقدر "مثقال ذرة" كما في الحديث. فعليهم أن يحذروا منه.
المتكبّر منبوذ في المجتمع، وقليل التوفيق، وعاجز عن فعل الخير، وخالي الوفاض حين يحتاج الناس إليه. فليحذر عن هذا السم.
فتحتاج إلى تغيير... تغيير حقيقي !!
أن نُرسِّخ في أعماق قلوبنا حقيقة أنّنا بشر ضعفاء؛ مجرّد عبيد فقراء إلى رحمة ربّنا، وأن نعيش قريبين من الناس، نسمع لهم، ونتقبّل ملاحظاتهم بصدر رحب، ونفرح بمن يصحح خطأنا وكأنّه يهدي إلينا كنزا.
هيئتنا، نظراتنا، كلماتنا… كلها يجب أن تشهد على التواضع، لا على التعالي. القلب الوادع، والوجه البشوش، والخلق اللين هذه هي الخطوات الأولى نحو إنسان جديد. فالتكبّر ثِقَلٌ خانق؛ والثقيل لا يرفع. أمّا نحن فخُلِقنا لنرتفع، لا لنسقط… لنطير، لا لنزحف.
فلنقطع إذا ذلك القرن الذي ينبت على الجبين كلما ارتفع في القلب صوت “أنا”. ولنطير إلى السماء بأجنحة التواضع.

