كان في قديم الزمان ملك يحب الصيد، ولا يخرج له إلا ومعه حمامة يلازمها دائما. وفي يوم من الأيام، بينما هو يصطاد في غابة كثيفة، اشتد عليه العطش، عطش كاد يشقّ صدره من شدّته، ولم يجد حوله قطرة ماء تروي ظمأه وبينما هو على تلك الحال، إذا به يرى عند أسفل شجرة ما يشبه السائل يتقطّر شيئا فشيئا. فأسرع الملك إليه، يمدّ كفّيه ليجمع ذلك السائل النادر ويهمّ بشربه. وما إن اقترب من فمه، حتى خطفت الحمامة جناحيها فصدمت يده وأسقطت ما جمعه! فغضب الملك وملأ كفّيه مرةً أخرى، وقبل أن يقرّبه من فمه، جاءت الحمامة من جديد وصدّته! غضب أكثر، وملأ كفّيه ثالثة، فإذا بالحمامة تضرب يده وتُريق ما فيها!
حينها استشاط غضبا، فاستلّ سيفه بضراوة، وضرب جناح الحمامة فقطعه فسقطت على الأرض تئنُّ من شدّة الألم، تصرخ صراخ المذبوح وتتلوي من عذابها. لكن شيئاً ما داخله أوحى إليه بأن الأمر ليس على ما يظن، فرفع بصره إلى أعلى الشجرة، فإذا بأفاع شديدة السمّية متشابكة هناك، ويتقاطر سمها القاتل إلى الأسفل! فأدرك الملك أنه لو شرب ذلك السائل لهلك في الحال. نظر إلى حمامته بعين الندم، لكن… قبل أن يمدّ إليها يده، كانت قد لفظت آخر أنفاسها، واسودّ وجهها وماتت بين يديه. نادم ومكسور، حملها وهو يقول: “لقد قتلت من حاول إنقاذ حياتي!”
وقد يظن بعضكم أننا نقص حكايات «ألف ليلة وليلة»، ولكن دعونا نذهب إلى قصة أخرى…
خرج صاحب بيت وأغلق الباب. ولما عاد وجد آثار أقدام كلبه هنا وهناك. دخل غرفة نومه فرأى على سريره آثار أقدام موحلة. قال في نفسه: “لا بد أنه قتل جرذا أو حيوانا ما، هذا الماكر بدأ عصيانه يزداد!” رفع الغطاء وإذا بدماء وقطع لحم مبعثرة! يا كلبي… يا ابن كلبي… ماذا جنيتَ عليَّ هذه المرّة؟!» فاستشاط غضبا، وذهب إلى المطبخ وأخذ عصا غليظة وما إن اقترب منه حتى انهال عليه ضربا بعنف على ظهره وجنبه. انحنى ظهرُ الكلب من شدّة الضربة، وتلوّى من الألم، ومع ذلك ظل يدور حول صاحبه متوددًا، يحرّك ذيله رغم الوجع. وكانت قدماه ترتجفان ويتعثّر في مشيته، وملامحه تبدو كأنها ساعةُ ولادةٍ مُرهِقة.
عاد الرجل إلى داخل الغرفة، رفع الوسادة وغطاء السرير، ثم جذب السرير قليلا… وفجأة تجمّد مكانه، صعقه المشهد كالصاعقة. فها هو جرذ ضخم، أسود اللون، مسمومُ المنظر، ممزّقٌ شرّ تمزيق وقد هلك على الأرض! لقد أنقذ الكلب صاحبه وبيته من موت محقق، فانهار الرجل نادما على ما فعله بكلبه الوفي. وقال في نفسه في مرارة: أيُّ قلبٍ قاس هذا الذي ضرب كلبا قاتل لحمايتي حتى الرمق الأخير؟ أي رجل أنا؟! وقد تقول في نفسك: كلها حكايات! فتعال اسمع هذه الواقعة الحقيقية…
اليوم يوم الخطوبة، الموعد المحدّد هو الواحدة بعد الظهر. وها هم أهل العريس قد حضروا جميعا، حتى أولئك المتأخرون المتعجرفون الذين يرون في التأخير نوعا من الوجاهة!لكن أهل العروس لم يحضروا بعد! الوقت يتأخر، والاتصالات لا تُجاب، وبعضها مغلق، وبعضها خارج التغطية. أي تصرّفٍ هذا؟ أين الأدب؟ أين الاحترام؟ ولماذا يُنتظر أناس لا يبالون بغيرهم؟ والوقت قد تجاوز الواحدة والنصف، والوجوه بدأت تحتدم غضبا وحنقا.
“يا رجل، اتصل بأمها وافضل عليها!”
أخرج ذلك الرجل – وهو من أولئك المتفاخرين المتأخرين – هاتفه من جيبه. ما إن اتصل حتى انطلقت من فمه كلمات لا يمكن النطق بها في مجلس محترم كهذا. فجاءه صوت ناعم مبحوح لامرأة كبيرة في السن… أرملة. كانت امرأة مكافحة، تعمل بالأجرة اليومية لتعيل خمسة أو ستة أبناء. وكانت الخطوبة لابنتها الكبرى التي بلغت الحادية والعشرين، ولا يزال بعدها ثلاث بنات أخريات. والمطالب التي اشترطها أهلُ الشاب تفوق قدرة أيِّ إنسان؛ غرفةَ عروسٍ مجهَّزة، وحُليا من الذهب، وأموالا باهظة…
وكان عبءُ هذه التكاليف كلّها محمول على عاتق فتيين لم يكد ينبت الشارب. وكان قد بلغهم من قبل أن الرجل الصارم من جهة أهل العريس سيقول كلمته في مجلس الخطوبة بلا مواربة ولا هوادة. فأمسك الولدان بيد أمهما يستأذنانها في الذهاب، علّها توافق… لكن الدموع انهمرت من عينيها كالمطر الخفيف. وفجأة ارتفع ضغطها ارتفاعا، وسقطت مغشيا عليها. ولم تستعد وعيها وتستقيم إلا بعد ثلاث ساعات كاملة. وبعد إسعافها، أرادوا الإسراع في الوصول، فانقلبت بهم عربة التاكسي. نهضوا واحدا تلو الآخر بصعوبة!!.
وحين بلغ الخبر مسامعَ ذلك المتشدّق المتعجرف من أهل العريس… انقطع لسانه من شدّة الصدمة! كم في حياتنا من حوادث مشابهة! سببها: الغضب…ويليه التهّمة، ويترأسهما جميعا الكبر. وعندما تجتمع هذه الثلاثة معا في قلوبنا فسرعان ما يموت إنسانيتُنا وتغيب شمسُها. فالغضب نيران محرقة، لا تفرّق بين صحيح وباطل، تحرق كل ما تصل إليه. فإذا صار الشيء رمادا فلن يعود كما كان. فالعاقل يتعامل مع الظروف حتى في لحظات الاستفزاز والغضب بحكمة بالغة. إنها بالفعل صفة فاضلة عظيمة. وقد أثنى القرآن الكريم على هؤلاء، ووعدهم بمكافآت عظيمة جزاء لصبرهم وضبطهم لأنفسهم.
الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (آل عمران، ١٣٤)
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (الشورى ٣٧)
إن النبي ﷺ كان جالسا ذات مساء مع بعض أصحابه، فألقى خطبة وجيزة حول الاجتماع البشري. وقد قسم الأشخاص بين الأفضل والأسوأ على مدار الغضب.ونص الحديث:- ألا وإن منهم البطيء الغضب سريع الفيء، ومنهم سريع الغضب سريع الفيء، فتلك بتلك، ألا وإن منهم سريع الغضب بطيء الفيء، ألا وخيرهم بطيء الغضب سريع الفيء، ألا وشرهم سريع الغضب بطيء الفيء
عندما يغضب الإنسان، قد يجد نفسه مضطرًا لكظم جماح غضبه إذا كان من يُغضب أعلى منه سلطة أو منزلة، فلا يستطيع حينها تفريغ غضبه بحرية. وفي المقابل، قد يغمره الغضب تجاه من هم دون مستواه، فلا نملك أية قدرة على الإمساك. فكيف نتعامل في مثل هذه المواقف؟ إنه سؤال مهم، وقد وردت في الأحاديث النبوية أمثلة رائعة توضّح أساليب ضبط النفس والتحكم بالغضب بحكمة وعقلانية.
عن ميمون بن مهران أن جاريته جاءت ذات يوم بصحفة فيها مرقة حارة ، وعنده أضياف فعثرت فصبت المرقة عليه ، فأراد ميمون أن يضربها ، فقالت الجارية : يا مولاي ، استعمل قوله تعالى : والكاظمين الغيظ قال لها : قد فعلت . فقالت : اعمل بما بعده والعافين عن الناس . فقال : قد عفوت عنك . فقالت الجارية : والله يحب المحسنين . قال ميمون : قد أحسنت إليك ، فأنت حرة لوجه الله تعالى
عندما يغضب الإنسان، يكون أصم وأعمى فلا يتميز بين الحق والباطل، ولذا أوصى النبي ﷺ قائلا: «لاَ يَحْكُم أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ».
عادةً ما يُقاس الإنسان بالقوة في ميادين القتال أو الصراع البدني. يقول الناس عن المحاربين الشجعان: "فلان شديد القوة، لو اجتمع عشرون شخصا معه فلن ينهزموا".
لكنّ الأمر الذي ينبغي التأمل فيه هو أنّ الشخص الذي يستطيع هزيمة عشرين رجلًا لا يستطيع في كثير من الأحيان السيطرة على جسده نفسه. هذه المفارقة الطريفة تبيّن أنّ من يفتقد ضبط الغضب يُصبح ضعيفًا أمام نفسه، كما أنّ قوته الخارجية لا تعكس قوته الحقيقية في التحكم بالنفس. وفي هذا المعنى ورد حديث نبوي شريف يوضّح أهمية السيطرة على الغضب. عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» في الحقيقة، الغضب ليس شيئًا نصنعه بأنفسنا، بل هو شعور يندلع من داخلنا بلا قصد منا. وتختلف شدته وكثافته باختلاف طبيعة الإنسان.
انظر إلى النبي يونس عليه السلام، فالقرآن يذكر غضب الأنبياء العظام. فقد كان بعض المرسلين، حين شاهدوا ظلم البشر وكراهية القوم، يغمرهم غضب عادل لا يستطيعون كبحه.
كما أن موسى عليه السلام كان معروفا بغضبه الشديد، ونرى ذلك في سيارة حياته. أما بالنسبة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلا حاجة لتفصيل ذلك هنا، والنبي ﷺ أوصى باتقاء غضبه في قوله "اتقوا غضب عمر". ففي رحلة الإسراء والمعراج، حين زار الجنة، انتباهه القصر العظيم الذي أُعد لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، لكنه ﷺ لم ينظر إليه، احتراما لشدة غضبه
فالغضب إن لم يُضبط، يفسد الحياة الزوجية والاجتماعية. الناس لا يحبون الغضوب، وإن أظهروا له الخوف أو المجاملة شكليا. ولذلك قال النبي ﷺ للرجل الذي طلب الوصية: “لا تغضب.” كررها مراراً.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضى الله عنه ـ أَنَّ رَجُلاً، قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْصِنِي. قَالَ ” لاَ تَغْضَبْ ”. فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ ” لاَ تَغْضَبْ ”.
الغضب لا يُقتلع دفعة واحدة، بل يحتاج إلى تدريب منهجي ومتدرج. فقدّم النبي ﷺ توجيها شاملا يجمع بين ضبط الجسد والعقل معا.
أول خطوة هي الاستشارة النفسية أو التوجيه الروحي؛ فجميع الأحاديث التي تحدّثت عن ضبط الغضب تمثل في حقيقتها نوعا من محتوى التوجيه العملي الذي يخلق وعيا حقيقيا بالذات.
ثانيا، نوع من التلقين الذاتي (autossuggestion). فالغضب شعور شيطاني في أصله، وعليه يوصي النبي ﷺ بأن نتلو قولًا يحمي الإنسان من غضب الشيطان: «أعوذ بالله من الشيطان»، أي طلب الحماية من الله قبل أن يمتد الغضب.
وثالثا الوضوء لإطفاء نار الغضب كما قال صالى الله عليه وسلم :- إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ". ورابعا الجلوس على الأرض، لأن التراب يهدّئ ثورة النفس.
على أي حال، الغضب غير المنضبط خطر عظيم، فهو يجرف الإنسان نحو مستنقع الهلاك. وليس المراد بذلك أن لا يغضب الإنسان مطلقًا، حتى عند الضرورة والحق، فهذا خطأ، فقد قال الإمام الشافعي: «من استغضب فلم يغضب فهو حمار». فالإنسان يجب أن يغضب عند الحاجة، لكن بضبط ووعي، دون إفراط أو تجاوز.
الإنسان المتكبّر والغاضب دائمت ويُهمل الناس ويبتعد عنه الخير، ويأتي يوم القيامة بلا حسنات... فنحن بحاجة إلى تحول جذري: التواضع… اللين… قبول النصيحة… خفض الجناح… واقتلاع شوكة الكبر والغرور من القلب. تحول شامل من الرأس حتى أخمص القدمين. إنسان جديد!"

