منذ بدء الحكم الإسلامي في أسبانيا في القرن الثامن الميلادي، تشكّل مجتمعٌ تعدّديّ بالغُ الجمال، اتّسم بالقدرة على استيعاب مختلف المكوّنات الدينيّة والثقافيّة في إطارٍ من التعايش والتعاون. ولا تزال هذه التجربة الحضارية تُستحضَر اليوم حتّى في الخطاب الغربي المعاصر، حيث يشير إليها الساسة والمؤرّخون بوصفها نموذجًا متقدّمًا في إدارة التنوّع. وفي هذا السياق، قال الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في خطابه بجامعة القاهرة عام 2009م: للإسلام تقليدٌ عريق ومشرّف في التسامح، ويمكنُنا أن نرى ذلك بوضوح في تاريخ الأندلس وقرطبة.
ومع تولّي عبد الرحمن الثالث الحكمَ في القرن العاشر الميلادي، بلغت الأندلس الإسلامية ذروةَ ازدهارها. فقد انحسرت الاضطرابات الخارجيّة، وانتشرت المؤسّسات التي أوْلت المعرفة والعلم مكانةً مركزية، وشهدت الأوضاع الاقتصادية، والزراعية، والصناعية، وحركة التجارة والتصدير تطوّرًا لافتًا. ولم تقتصر ثمار هذا التقدّم على فئة بعينها، بل شملت مختلف شرائح المجتمع، في ظلّ سياسة شاملة اتّبعها الحاكم.
وقد وثّق المؤرّخ ابن جلجل (ت. نحو 994م)، الذي عاش في القرن العاشر الميلادي، مظاهر التعايش بين أتباع الديانات المختلفة في الأندلس توثيقًا دقيقًا. وبوصفهم أهلَ كتاب، حُظيت المسيحية واليهودية بمكانة معتبرة في المجتمع الأندلسي. فقد كُفل لهم، في إطار نظام الذمّة، الأمنَ والحماية، مع الحفاظ على هويّتهم الدينية وحرّيتهم في ممارسة شعائرهم. وفي مقابل ذلك، كانوا يؤدّون ضريبة رمزية عُرفت باسم الجزية، مقابل ما تُوفّره الدولة من حماية وخدمات.
ولعلّ من أبرز الشواهد على هذا المناخ الحضاري التعدّدي سيرةُ الفيلسوف والطبيب اليهوديّ الشهير موسى بن ميمون (مايمونيدس)، الذي وُلد في قرطبة في القرن الثاني عشر الميلادي، إبّان الحكم الإسلامي. فقد كان ضليعًا في الفلسفة اليونانية القديمة، ومُتقنًا للغة العربية، ثم خدم لاحقًا طبيبًا خاصًا للسلطان صلاح الدين الأيوبي.
وقد تأثّر ابن ميمون تأثّرًا بالغًا بالفلسفة الإسلامية، واطّلع بعمق على أعمال ابن سينا، والفارابي، والإمام الغزالي، إذ مكّنته معايشته للمجتمع الإسلامي من إدراك جوهره الفكري والروحي. وتُوفّي في مدينة الفسطاط بمصر.
إنّ حياة مايمونيدس، في مجملها، تمثّل شاهدًا حيًّا على النهج الإسلامي القائم على الاحتواء والتعايش الذي ميّز الأندلس، وترك أثرًا عميقًا في مسارات الفكر الإنساني.
ومن الشخصيات اليهودية البارزة الأخرى التي عاشت في الأندلس الإسلامية صموئيل بن نغريلة (إسماعيل بن نغريلة) ، الذي امتدّت حياته ما بين عامي 993م و1056م. وقد كان عالمًا يهوديًا، وشاعرًا مرموقًا، وقائدًا عسكريًا، وتولّى منصب الوزارة في غرناطة، والتي تَعكس مدى الانفتاح الذي بلغته الحياة السياسية والاجتماعية في الأندلس، حيث أُسندت المناصب العليا على أساس الكفاءة لا الانتماء الديني.
وفي مجال التبادل العلمي، برزت شخصية مسيحية مؤثرة هي ريموند الطليطلي ، رئيس أساقفة طليطلة، الذي اضطلع بدور محوريّ في قيادة حركة الترجمة بالتعاون مع علماء المسلمين. وتحت إشرافه تُرجمت إلى اللاتينية عشرات المؤلفات العلمية والفلسفية العربية، من بينها أعمال ابن سينا، وابن رشد، والزهراوي. وقد أسهم هذا الانتقال المعرفي إسهامًا بالغًا في تمهيد الطريق للنهضة العلمية الأوروبية في العصور اللاحقة.
وقد عُرفت هذه الحركة الواسعة من الترجمة من العربية إلى اللاتينية في التاريخ الحديث باسم مدرسة طليطلة للترجمة. وكان للدعم الذي وفّرته السلطة الإسلامية، ولا سيّما في ظلّ الإرث الأموي بالأندلس، أثرٌ حاسم في إنجاح هذا المشروع الحضاري. ولم يُبدِ المسلمون أيّ تردّد في نقل منجزاتهم العلمية إلى اللغة اللاتينية، التي كانت إحدى أهمّ لغات المسيحيين آنذاك، بل قدّموا التسهيلات والرعاية اللازمة، في نموذج فريد لإدارة التعدّدية والانفتاح الثقافي.
ومن أبرز العلماء المسيحيين الذين شاركوا في هذه الحركة: جيرارد الكريموني، ومايكل سكوت، وبيتر المبجّل (Peter the Venerable) وقد قام الأخير بزيارة الأندلس، وقاد مشروع ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية، في إطار اهتمامه بدراسة الإسلام من مصادره الأصلية.
كما انتشرت في الأندلس الإسلامية المكتبات العامّة، ومراكز الدراسة المفتوحة، لا سيما منذ القرن العاشر الميلادي. وكانت مكتبة الحَكَم المستنصر في قرطبة من أشهر هذه المؤسسات العلمية. فقد استفاد منها المسلمون وغيرهم على حدّ سواء، وأسهمت في ترسيخ قِيم التسامح، والحكمِ القائم على عدم التمييز. وقد أنشأ هذه المكتبة الخليفة الأموي الحَكَم الثاني، الذي حكم بين عامي 961 م و976م، وضمّت مئات الآلاف من المجلّدات، فضلًا عن مخطوطات نادرة. وكان الفيلسوف اليهودي حسداي بن شبروط من روّادها الدائمين.
وعلى المنوال نفسِه، احتضن قصر الحمراء في غرناطة فضاءاتٍ لتبادل المعرفة والحوار الفكري. وكانت الأندلس، في مجملها، تجسيدًا حيًّا للرؤية الإسلامية التي جعلت إتاحة المعرفة للجميع قيمةً مركزية، وركنًا أساسًا في بناء المجتمع والحضارة.



