إذا سمع المرء عن الإسلام، واطّلع على تعاليمه، وتأمّل في مبادئه، فأحبَّه قلبُه ووجد في روحه ميلاً إليه، فإنّ أول خطوةٍ ينبغي أن يخطوها هي أن يُعلن إيمانه بالله تعالى وحده، وأن يشهد أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله حقًّا. فبمجرد أن يوقِن في قلبه بهذه الحقيقة، وينطق بلسانه قائلًا: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
فقد دخل في الإسلام، وصار من أهل الإيمان. لا يحتاج إلى وثيقةٍ أو شهادةٍ من أحد، ولا إلى تسجيلٍ رسمي أو احتفالٍ علني؛ فالإسلام علاقة بين العبد وربّه، أساسها الإخلاص واليقين، وليست طقوسًا أو مظاهر شكلية.
لكن العبرة - كما يؤكّد القرآن والسنة - ليست في مجرّد النطق، بل في الإيمان الصادق الذي يسبق القول. فلو أُجبر إنسانٌ على التلفّظ بالشهادة دون قناعةٍ أو تصديقٍ في القلب، لم يكن مسلمًا؛ لأن الإيمان لا يولَد من الإكراه، وإنّما من النور الذي يشرق في القلب عن وعيٍ واختيار. ولهذا قال الله تعالى: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: 256]
فالإسلام لا يعرف الإكراه في الاعتقاد، لأنّ الإيمان الحقيقي ينبع من الداخل، من عمق الفطرة والعقل، لا من ضغط السيف أو الخوف من الناس. وكما أن الإكراه لا يُدخل المرءَ في الإسلام، فكذلك لا يُخرجه منه. فلو أُكره المسلمُ على إنكار إيمانه بلسانه، أو أُجبر على قول كلمة الكفر تحت التهديد، وقلبه مطمئنٌ بالإيمان، فإنّه لا يزال مسلمًا عند الله، لأن موطن الإيمان هو القلب. أمّا من امتلأ قلبه يقينًا وثباتًا، فإنّ لسانه يعجز حتى عن النطق بما يخالف إيمانه، ولو كان في ذلك فداءُ حياته.
وقد يتساءل بعض الناس: هل يستطيع الإنسان أن يدرك وجود الله وصدق رسالته بعقله وتأمله وحده؟ نعم، إنّ القلب البصير إذا نظر في هذا الكون بعين الفكر والصدق، اهتدى إلى خالقه ولو لم يسمع بدعوة أحد. إنه كمن عاش طوال حياته في ظلمةٍ حالكة، لم يرَ النور قط، لكنّه حين يطول الليل ويشتدّ سواده، يبدأ في الأفق خيطٌ رفيع من الضياء، يزداد اتساعًا حتى تنبلج تباشير الفجر. عندها يدرك أن النور حقّ، وأن الشمس قادمةٌ لا محالة.
وهكذا، حين يشرق في قلب الإنسان نورُ الإيمان، يشعر أنه انتقل من العتمة إلى الفجر، ومن الحيرة إلى الطمأنينة. لم يلقّنه أحد هذا النور، ولكنّ الله هداه إليه، كما قال تعالى: فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ [الأنعام: 125] فالإسلام ليس انتقالًا إلى جماعةٍ جديدة فحسب، بل هو مولد جديد للقلب، يبدأ حين يوقن المرء أن لا إله إلا الله، وأنّ محمداً رسول الله، فينفتح له طريق النور الذي لا ظلمة بعده.
أما الذي أغمض عينيه عن النور، وأصرّ أنه لا يرى وراء الظلمة شيئًا، فقد حرّم نفسه شروق الفجر، ونام على عنادٍ يغلّف قلبه، فلا تشرق عليه أنوار الهداية أبدًا. لكنّ الحق أن الأمور ليست كلها في أيدينا، فخَلْف كلِّ حدثٍ في الحياة - خيرًا كان أم شرًّا - يدبّر الله الأسباب بحكمته. فقد تسير في طريقك حذرًا، ثم يباغتك حادث لا يخطر لك على بال، وقد ينجو المرء وحده من بين الهالكين بقدرة الله وحده. فكلّ شيءٍ مرهونٌ بمعونة الله وتوفيقه، فإن تولّاك برحمته سَهُل كلّ عسير، وإن تركك إلى نفسك تاهت خطواتك في ظلماتٍ لا تنقشع.
وقد صوّر القرآن هذه الحقيقة تصويرًا بديعًا فقال: فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ، وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ، كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [الأنعام: 125] فانشراح الصدر للإسلام حالةٌ من الصفاء النوراني لا تُنال صدفة، ولا تُهدى لمن نام في غفلةٍ أو جمود، بل هي ثمرة سعيٍ عقليٍ وروحيٍ متواصل، وتصفيةٍ للقلب حتى يصبح مرآةً تعكس أنوار الحق.
إنّ القرآن العظيم لا يخاطب العقول الجامدة ولا القلوب الميتة، بل يوقظ الفكر في الإنسان، ويستفزّ ضميره وعقله ليسأل ويتأمل. يطرق أسماعنا بنداءٍ متكرّر: أفلا تعقلون؟ أفلا تتفكرون؟ لأنّ الإيمان في الإسلام ليس وراثةً عمياء، بل بناءٌ يقوم على التفكير والتبصّر.
تأمّل حالك في موقفٍ بسيط: أنتَ جالس في محطةٍ كبيرة، تمرّ أمامك حافلاتٌ كثيرة، تأتي من أماكن بعيدة، وتنطلق إلى وجهاتٍ لا تعرفها. كلّ راكبٍ فيها - سواء كانوا راكبين أو نازلين أو جالسين - يعرف لماذا أتى وإلى أين هو ذاهب. فهل سألتَ نفسك: لماذا أنا هنا؟ إلى أين تمضي رحلتي؟ وأيَّ طريقٍ أسلك؟ إنّها صورةٌ من الحياة نفسها؛ فنحن جميعًا في محطة الوجود، نسافر من بدايةٍ إلى نهاية، وبينهما فسحة من الوقت لنفكر ونتبصّر، فنختار أيّ طريقٍ نسلك: طريقَ النور والهداية، أم طريقَ الغفلة والتيه.
أحيانًا نحن نخرج باحثين عن النور، وأحيانًا نرى النور الذي نبحث يسعى نحونا بخطاه الخفية. فأنوار الهداية لا تسلك دربًا واحدًا إلى القلوب؛ إنّها تتسلل إلى الأرواح بطرقٍ شتّى، بعضها برقَ الخاطرة، وبعضها وميض التجربة، وبعضها إشراقٌ كونيّ يفتح البصيرة دفعةً واحدة.
لقد حدّثنا القرآن عن مشهدٍ خالدٍ من مشاهد ذلك النور، حين واجه موسى عليه السلام سحرةَ فرعون، قومًا بلغت بهم الحيلةُ مداها، وملَكوا أسرار السحر والعين. دعوْه إلى ميدان التحدّي، وجمعوا الناس من كلّ فجٍّ عميق. ألقوا حبالهم وعصيّهم فإذا هي - في أعين الناس - حيّاتٌ تسعى. فامتلأت القلوب بالرهبة، وقال الناس: لقد غُلب موسى!.
لكن موسى، نبيّ الله، ألقى عصاه مطمئنًّا إلى ربّه، فإذا بها حيّةٌ حقيقية تلتهم كلّ ما صنعوا، وتبطل كلّ زيفهم، وتكشف أنّ وراء الخيال حقًّا لا يُدحَض. عندها لم يكن للسحرة إلّا أن يروا الحقيقة رأيَ العين، فتفتّحت قلوبهم دفعةً واحدة، وانشقّت ظلماتهم، فخرّوا ساجدين وقالوا: آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى. لقد انبلج فجر الإيمان في صدورهم في لحظةٍ واحدة، فثبتوا عليها رغم العذاب والوعيد، وما هزّهم بطش فرعون ولا تهديده، لأنّ من أشرقت شمس الإيمان في قلبه لا يطفئها ليلُ القهر.
وهكذا يتكرر المشهد في التاريخ. فقد أجرى الله كراماته على أيدي أوليائه، لتكون الهداية لهم سببًا، ولغيرهم بصيرة.
يروى عن الشيخ خواجه معين الدين الجشتي في مدينة أجمير، وكان في حاجةٍ لتطهير جسده، فطلب الماء لذلك. وكانت بحيرة "أناساغار" واسعةً ممتلئة بالماء كما يشاء ، لكن حاكمُ البلاد وأهلُها غير المسلمين منعوه عن أخذ الماء وتطهير جسده منها. فبِسبب ذلك، حَلّ الجفاف بالبحيرة، وجفّت الآبار والأنهار والعيون حولها، حتى اشتدّت المحنة وكاد اليأس يسيطر عليه.
ثم جاء أهل القرية لدى الشيخ معين الدين الجشتي طالبين له العفو والمعذرة عمّا ارتكبوا من سوء المعاملة في حقه، لقد كان قلب الشيخ مفعمًا بالإيمان واليقين، فأتى الشيخ إليهم آخذا كوبا من ماء، وهم حشدوا حول البحيرة الجافة، فسمّى الله تعالى ثم صبّ الماء الذي في الكوب إلى البحيرة. وهنا حدثت الكرامة ! ارتجّت البحيرة ونبغت المياه حتى امتلأت، وعادت البحيرة تنبض بالحياة من جديد، ورأى ذلك آلافٌ من الناس هذا المشهد بعيونهم، فغمرت قلوبَهم الحيرةُ والإعجاب، وانبثق في النفوس الإيمانُ واليقين، حتى نطقوا جميعًا بالشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. لم يكن لهم مجال للتفكير في شيء آخر، فقد استيقنت قلوبهم بعظمة قدرة الله، ورأوا بأعينهم نور الكرامة، فتجلّت لهم الحقيقة الإلهية بأوضح صورها، وامتلأت أرواحهم نورًا وإيمانًا.
إنّ نور الله لا يستأذن إذا أراد الدخول إلى قلب أحد، لكنّه يبحث عن نافذةٍ صغيرةٍ من صدقٍ أو تفكّرٍ أو شوقٍ إلى الحقّ. فإذا فتحت تلك النافذة أمامه فلا يدع وقتا من أن يدخل ذاك النور منها إلى قلبه.




