يُلقى الحديد الخام في أتون النار، فيتوهّج لهبه حتى يُصفّى المعدن ويخرج نقيًّا لامعًا. وليس في النار راحة، ولا في الأتون نعيم، فالمعدن لا يعرف لذّة الذوبان ولا متعة الاحتراق، ولكنه لا يصفو إلا بهما. هكذا الفيل الجبليّ، يُؤخذ من غابته ويُقيّد في السلاسل، فيتمرّد ويضطرب ويصيح، إذ لا راحة له بعد حرّية الغابة في قيد التدريب. غير أنّه لا يصير فيلًا مروّضًا نافعًا، إلا بعد ذلك الألم والضيق .إذن، فاسمح لي أن أقول: في داخل كلّ إنسانٍ معدنٌ لم يُنقَّ بعد، وفيه وحش الفيل قبل ترويضه، وركام الشوائب قبل صهره. ذاك الإنسان - أنتَ، أنا، نحن جميعًا - لا يُطهَّر باسترخاء ولا يُنقّى برفاهية.
الروح لا تُصفّى بالسّمْن والعسل واللبن، بل تحتاج إلى النار التي تُلين الحديد، والشدائد التي تُهذّب القلوب.
كلُّ تدريبٍ، في أيّ ميدانٍ كان، لا بدّ له من شدّةٍ وصبرٍ ومكابدة. أمّا الإنسان، فإنّ أشدّ ما يروّضه منذ الأزل هو الجوع، ذاك المعلّم الصامت الذي يصهر النّفس ويكشف معادنها.
الإنسان مخلوق عجيب، ذو طِباعين بين الارتقاء والانحدار، بين العلوي والسفليّ، يعيش بين الأرض والسماء، يجمع بين الطين والنور، بين الغرائز والروح. أما الحيوان فلا يعرف إلا طريقًا واحدًا؛ لا يرتقي بثقافته إلى العلوّ ولا ينحدر بأعماله إلى السفل ؛ لم نسمع يومًا عن دُبٍّ زاهد، أو خنزيرٍ ناسك، أو قردٍ كريمٍ سخيّ، فالحيوان لا يعلو ولا يسفل عن طبيعته، بل يمضي في مسارٍ واحدٍ كما خُلق. لا تُصادِف بين الوحوش وباءَ المخدّرات، ولا فساد التجارة، ولا جنون الشهرة ! تلك أمراض الإنسان وحده، لأنّه وحده مَن مُنح حريةَ الاختيار بين الارتقاء والانحدار.
ينبغي لنا أن نعرف شيئًا عن الملائكة أيضًا؛ فهُم مخلوقات عُلويّة، سجيّتهم النقاء، وفطرتهم الطاعة. ليس في شأنهم هبوط ولا سقوط، فهم مُبرْمَجون على الخير وحده، لا يعرفون التردّد بين الطاعة والمعصية، بل هم منسجمون تمامًا مع نور الطاعة والعبادة. ومن هنا جاءت مسألة عميقة طال فيها الكلام: من هو الأشرف ؛ الإنسان أم الملَك؟ وقد ختم الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله القول بأن الإنسان إذا بلغ كماله في الخير صار أرفع من الملائكة، لأنه لم يبلغ تلك الدرجة إلا بعد جهاد طويل مع دوافع الشرّ الكامنة في نفسه.
لقد خُلق الإنسان من الطين، ولذلك تبقى في كيانه خصائص الأرض: الثِّقل، الميل إلى السفح، والتعلّق بالمادّة.
لكن في الوقت نفسه خُلق ليكون خليفة الله في الأرض، فزُرع في قلبه قبس من النور الإلهي، وميل إلى العلوّ والسموّ. هكذا، يعيش الإنسان بين هذين القطبين المتضادّين، في صراع دائم بين روحٍ ملكيّة تدعوه إلى النور، ونزعةٍ شيطانيّة تدفعه نحو الظلمة. في داخله معركة لا تهدأ: من جهةٍ، ملائكةٌ تلهمه الخير،
ومن جهةٍ أخرى، إبليس وجنده يوسوسون له بالشرّ. وفي هذا الصراع تحدَّد إنسانيته، ويُعرف مقامه عند الله.
أما الطين الذي صُنع منه، فهو الحليف الطبيعيّ للشيطان؛ ذلك لأنّ الطين - كما نعلم - يرمز إلى الثقل والكدَر والدنس. وفي لغتنا نقول عن الجاهل: في رأسه طين، وعن صاحب اللسان البذيء: ابن الوحل أو غارق في الطين. كلّها تعبيرات تشير إلى ما يلتصق بالإنسان من ثقافة غير محمودة.
لكن تذكَّر، إنّ الطين نفسه يخفي في أعماقه نورًا. فالمادّة التي خُلقت منها الملائكة هي النور، أمّا الإنسان فقد خُلِق من طينٍ، ومع ذلك فإنّ ذلك النّور الإلهيّ أُودِع في الطين ذاته. وهنا تكمن المفارقة: النار والطين ضدّان لا يجتمعان. النار تتُوق إلى الصعود، والطين يميل إلى الهبوط، وهذان الاتجاهان المتعاكسان يعيشان في أعماق الإنسان معًا. وفي داخله حربٌ لا تهدأ : النور يريد أن يسمو، والطين يجلبه إلى الأرض. والمسألة الحاسمة هي: من الذي ينتصر في النهاية؟ فإن انشغل الإنسان بعبادة جسده الطيني، وركن إلى شهواته، اشتدّت صلابته وتراكمت عليه الأدران، وخمد النور الذي فيه.أما إذا نظر إلى جسده على أنه مجرد وعاءٍ لا أكثر، وحرس نارَ الإيمان في داخله من أن تخبو، عندها يهرب إبليس من قلبه، وتستيقظ فيه ملائكته الداخلية، فينقلب كيانُه كلّه طُهرًا ونورًا.
ولأجل تأديب هذا الجسد الطيني جاءت رياضة الجوع والامساكُ عن الطعام، فالـصوم ليس امتناعًا عن الطعام فحسب، بل هوالأسلوب الإلهي لتعليم الطين حدودَه، ولإشعال نور الروح فيه. إنّ الجوع هو أرقى أشكال الإبداع الروحي، والصوم هو التعبير العملي للتجويع في معناه الأصيل.
وفي الإسلام، فرض الله على المؤمن أن يصوم شهرًا كاملاً - شهر رمضان- كلّ عام، وهل تأملتَ اسم هذا الشهر؟ إن كلمة رمضان في أصله اللغوي يعني الحرارة، والاحتراق، والرمضاء، ومع ذلك، فهو أيضًا موسم المطر الأول، ونسمة التبريد بعد الظمأ. يا للعجب! اجتمع في رمضان لهيب النار وندى الماء؛ احتراق الجسد، وإنعاش الروح .أفلا ترى أن ما بدأ بالنار ينتهي بالماء؟
لقد بدأنا حديثُنا بالمعدن الذي يُصهَر في النار حتى يصفو، وهكذا يُراد للإنسان أيضًا أن تُحرق شوائبه بالحرمان، لتبقى فيه جوهرة النقاء. إن الصوم هو أتون الرحمة، الذي يصهر الطين بالنور، ليخرج منه إنسانٌ جديد، صافي القلب، طاهر الروح، قريب من الله.
الوقوع في المعاصي سِمة من سمات الإنسان، فقد قلنا من قبل: الإنسان لا هو مَلَكٌ نقيّ، ولا هو حيوانٌ غافل.
كلاهما لا يخطئ، أمّا الإنسان فخطؤه جزء من تكوينه، وضعفُه من طبيعته. قد لا تظهر هذه الخطايا دائمًا في الأفعال، لكنها تكمن في أعماق الفكر، وفي خبايا القلب، والله الذي خلق الإنسان يعلم ذلك جيدًا. إنه رحيمٌ، ودودٌ، لطيفٌ بعباده، ولا يريد لهم أن يهلكوا في ظلمات الذنوب، بل يُمهلهم، ويمنحهم الفرص، ويهيئ لهم سُبُل العودة إليه.
ومن رحمته أن جعل لهم موسمًا مباركًا يغسلهم من غبار العام كله، إنه رمضان- ثلاثون يومًا متصلة -
يُحرق فيها اللهُ بنارالجوع شوائبَ الذنوب، ويُصفّي بها النفوس من دنس الغفلة. ما أعجب هذا الإيقاع الإلهي!
فبعد أن خرج الإنسان من شهر الصوم، يخرج وكأنه معدنٌ نقيّ أُخرِج من النار، يلمع في نور الطهارة.
تأمّل أيضا ، لقد قلنا إنّ من معاني كلمة رمضان الحرارةُ والاحتراق، لكن لها أيضًا معنى آخر: المطر الأوّل في العام. وهنا المعجزة اللغوية والروحية معًا: فهو شهر النار والماء، شهر الاحتراق الداخلي والتطهير الخارجي. حين تهطل أولى أمطار السنة، تكون الأرض قد جفّت وتشقّقت من الظمأ، فتأتي القطرة الأولى فتحييها، وتُخرج منها خضرةً جديدة، وتغسلها من غبارها القديم . بل إنّ سيل المطر يجرف القاذورات ويُنقّي الطرق والسهول، كما يُنقّي الصوم أرواح المؤمنين من شوائب الذنوب. إنّها مغسلة الرحمة الإلهية ، يغتسل فيها القلب بالصبر، وتُطهَّر فيها النفس بالحرمان، حتى يخرج الإنسان بعد رمضان كالأرض بعد المطر الأول: خضراء طاهرة، نابضة بالحياة.
قلنا من قبل: الجوع هو الموضوع الجوهري في حياة الإنسان. هو الذي يُنهض النائم، ويُقيم الجالس، ويدفع الواقف إلى السير، والسائر إلى العدوّ. إنّه المحرّك الخفيّ في داخل كلّ إنسان. كلّ زراعةٍ، وكلّ صناعةٍ، وكلّ وظيفةٍ أو تجارةٍ - في جوهرها - سعيٌ لإشباع هذا الجوع وإرضائه.
بل أحيانًا، يُرتكب القتل، وتُسفك الدماء، وتُباع الأرواح، كلّ ذلك من أجل لقمةٍ تُهدأ بطونًا تصرخ.
حتى في الشعر، لا تُزهَر أجمل القصائد إلا حين تعضّ الشاعر أنياب الجوع، فيتفتّق إحساسه وتشتعل كلماته.
أما الصوم، فله حديثٌ آخر للجسد. إنه نداءٌ يقول له: يا من جُبلتَ من طين، كفاك هذا الدلال! كم أطعمتُك وسقيتُك، كم دلّلتُك، ولبّيتُ نداءك في كل حين، أفلا تتوقف لحظة؟ إن شغفك بالراحة هو ما يجعلك طينًا ساكنًا، والطين إن استسلم، استحوذ عليه الشيطان، وأطفأ فيك نار الروح، حتى تصير ماءً راكدًا لا يُنتفع به. فأقبِل أيها الإنسان، وقاوِم هذا الطين فيك، واحتضِن الجوع لا كعدوّ، بل كـ معلّمٍ يطهّرك ويقوّيك.
صحيحٌ أن الجوع يُصيب الجسد أوّلاً، لكنّه بعد حينٍ يتسلّل إلى القلب، فيُوقظ فيه الإحساس بالآخرين .حين يجلس الشبعان المتخم، لا يفهم معنى الحاجة، لكن حين يجوع هو نفسه، ثم يرى طفلًا يتيمًا مادًّا يده،
يقرأ في وجهه صورة جوعه الخاصّ، فتتحرّك يده بالعطاء، وينبعث في صدره الوجدان.
عندها يفهم الإنسان حكمة الصوم: أن الجوع الذي يفرضه الله عليه ليس عذابًا، بل تربية، ليس لإيلامه، بل لتهذيب رحمته وشكره، ولكي يرى في جوعه الخاصّ صوت الجائعين في الأرض كلّها. قال الله تعالى : كُتِبَ عليكم الصيام كما كُتِب على الذين من قبلكم لعلّكم تتقون. [ البقرة: 183]أي لتصبحوا أناسًا أتقياء، أنقياء، أرقّ قلوبًا. فلا تظنّ أنّ الله أراد أن يُعذّبك بالجوع، بل أراد أن يزرع فيك الطهر والرحمة.
يا أجملَ الهدايا السماوية، يا رمضان المبارك، تعال إلينا كلّ عام، اصهرنا بنارك، واغسلنا بمطرك، واجعلنا بشرًا صافّين كالمعدن بعد الصهر، تلمع في قلوبنا أنوار الجوع المقدّس.




