هات حبّتين من الطماطم، متساويتين في الوزن والحجم والجودة، واسأل أحدهم: أهما متساويتان؟ سيقول لك فورًا: نعم، بلا شكّ! ثمّ أعطه حبّتين من البطاطس بالصفات ذاتها، واسأله السؤال نفسه؛ سيقول كذلك: هما متساويتان. لكن إن وضعتَ في يديه طماطم وبطاطس متساويتين وزنًا وحجمًا، ثم سألتَه: أهما متماثلتان؟ فماذا عساه أن يجيب؟ ولا أحد في الدنيا يدّعي أنّ الطماطم والبطاطس شيء واحد سواء بسواء، ولكن هنا كثيرون يدّعون أنّ المرأة والرجل سواء!
دع هذا المثال، لعلّك تدّعي أنّها أشياءُ غير حية، فمن يدّعى هنا أن الذكر والأنثى كلاهما سواء في جميع شؤون حياتهما! هل الدّيك مساو للدجاجة في طبيعته وخلقه وعاداته، وهل الثور يساوي البقر حتى أن النحل والنحلة يساويان في واجباتهما وطبيعتهما وحياتهما! وإن كانت الإجابة لا، فلماذا هذا العناد في شأن الإنسان فقط الذي هو أيضا من جنس الحيوانات!. حين نمضي في دروب الحقيقة الصافية، نصطدم بأن الذكر والأنثى ليسا متماثلين، ولا متساويين في كلّ شيء في جميع الحيوانات بما فيها البشر، وإن كانا متكاملين في معنى الوجود. هذا يتضح لمن يتأمل بأدنى بصيرة. إنّ كلمة المساواة تعني في أصلها التماثل الدقيق، ولو نقلناها إلى لغة الحساب لكانت خمسين في مقابل خمسين (50:50) والحسابُ لا يعرف جزافا!
إذا سألنا أنفسنا: هل نريد حقًّا أن نقول إنّ الرجل والمرأة يجب أن يكونا دائمًا في ميزان واحد لا يختلّ؟ أليس في ذلك ظلم خفيّ على المرأة، حين تكون هي الأقدر أو الأسمى من الرجل في كثير من الحالات؟ هل يرضى مدّعي التساوي بنسبة (50:50) أن تكون نسبة المرأة 75 ونسبة الرجل 25 في بعض الحالات؟ مثلا: ما هي النسبة بين الرجل والمرأة في تربية الأطفال؟ وما هي النسبة بينهما في الولادة؟ وكيف نحسب النسبة بينهما في الإنفاق وإدارة المنزل والرياضات البدنية؟ هل هما متساويان أم مختلفان؟
إنّ الدعوة إلى التماثل المطلقِ نوع من الحماقة المزخرفة، خطرُها في أنّها تُطفئ جمالَ الاختلاف الذي به قام الكون، وتُغلِق باب التكامل الذي جعله الله رحمةً بين النوعين. فالحقّ ليس في المساواة الحسابيّة، بل في العدالة الإنسانيّة التي تحفظ لكلٍّ قدره ووظيفته وكرامته في نظام الله العادل.
أليس من الظلم أيضًا أن يُحرِم الرجلُ من نصيبِ المرأة في بعض المواقف، فتنالُ المرأةُ المائة ويسقط الرجل إلى الصفر؟ وحين نقول إنّ المرأة مساوية للرجل تمامًا، ألسنا نُقرّ ضمنًا بأنّه لا يجوز لها أن تتقدّمه يومًا، أو أن تسمو عليه قيد أنملة؟ إنّ شعارَ المساواة المطلقة (50:50) يحمل في داخله خدعةً خفية: رغبةً مستتِرة في أن تبقى المرأة دومًا دون الرجل، لا فوقَه ولا أمامَه، بل بجانبِه في قيودٍ من أرقامٍ جامدة!
تأمّل بصدقٍ وإخلاص، حين يتلفّظ الرجل بكلمة مرأة، هل يدرك من هي تلك التي ينطق باسمها؟ أليست أوّلَ مرأة في حياته أمُّه التي حملتْه وأرضعتْه وربّتْه؟ فكيف يُتّهم مَن يقول إنّ المرأةَ والرجلَ غير متماثلين بأنّه عدوٌّ للنساء؟ هل يُعقل أن يكون الرجلُ مبغِضًا للمرأة وهو ابنُها بكونها أفضلَ من الرجل وأعلاها مرتبة؟
هل تراه يسرِق حقَّ أمّه ليزداد مجدًا فوقَ مجدها؟ وهل يُصبح الإبنُ كريمًا إذا مَنع أمَّه من حقّها؟
كلّ رجلِ هو ابنُ امرأة، وأبٌ لامرأة، وأخٌ لامرأة، وزوجٌ لامرأة، وحفيدٌ لنساءٍ شتّى. فأيّ منطقٍ يجعل من هذا الكيان المتشابك خصومةً بين الفريقين؟ كيف يعلُو الرجل ليكون سيّدًا بعد أن حطَّ من قدر أمّه أو ابنته أو زوجته؟ أيُّ مجدٍ يُبنى بعد هدم الأساس الذي يكمله؟
ولو قلبنا المعادلة، لوجدنا أنّ المرأة أيضًا لا يمكن أن تكون عدوًّا للرجل. فهي ابنةُ رجل، وأمٌّ لرجل، وأختٌ لرجل، وزوجةٌ لرجل، وبنتٌ لرجلٍ علّمها الحبَّ والحياء. فكيف تعادي من كان لها سندًا وسكَنًا وسببَ وجودها بعد الله؟
إن الرجل والمرأة ليسا جنديّان متضادّان في ميدان القتال، بل خيطان من ذهبٍ ونورٍ يلتقيان ليصنعا نسيج الحياة. فلا مجال لـ أنا وأنت، ولا لحرب الغلبة والانتصار؛ بل كلاهما متكاملان حين قال: وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا. وقال أيضا: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى ، لم يكن ذلك انتقاصًا، بل بيانًا لحكمة التنوع. فلكلٍّ موضعه في بناء الحياة:هذا يعمر، وتلك تثمر، هذا يحمي، وتلك تحتضن، هذا يعقل في موطن الحزم، وتلك ترفق في موطن اللين. فكيف نُسوّي بين جناحي الطائر بالمسطرة، وهما لا يحلّقان إلا باختلاف زاوية الضرب واتجاه الريح؟ إنّ التنافس بينهما عبث، والتكامل بينهما عبادة . وحين يتحوّل التكامل إلى صراع، يخسر الاثنان ويصيب الوجود.
فهذه الدعوة التي تُثير الصراع بين الرجل والمرأة باسم المساواة إنّما هي نتاج الإباحية والحرية المطلقة التي تهدف إلى تقويض وإهانة كرامة المرأة، ستؤدي إلى تدمير النظام العائلي، وبالطبع يحدث خلل في النظام الاجتماعي، الذي سيكون عاقبته الدمار الشامل.



