خارج القاعة، كان طالب صغيرٌ يقف متردّدًا، يحاول أن يخطو إلى الداخل، ثم يتراجع مرةً بعد أخرى. لمّا رفعتُ رأسي إلى الباب، رأيتُ على وجهه شحوبًا غريبًا، وعيناه ممتلئتان بالدموع. ناديته برفق، ودعوتُه إلى الدخول وسألتُه عن أمره، فلمّا حدّثني بما جرى، شعرتُ بوخزٍ من الجرم في صدري، وقلت في نفسي: يا ليتني لم أحمّله ما لا يحتمل!
كنتُ في تلك الأيام في تدريس الحديث الشريف من كتاب المشكاة، وقد وصلنا إلى باب صلة الأرحام. واتّفق أن كانت تلك الدروس قبيل عطلة العيد مباشرة، فقلت للطلاب: أخصّص كلّا منكم مهمّةٌ صغيرة في مدّة الإجازة؛ أن يزور بيتًا من بيوت أقاربكم الذين انقطعت بينكم وبينهم الصلة منذ زمن، فيجدّد الودّ ويصل ما انقطع.
نفّذ معظم الطلبة هذا الواجب بحماسٍ جميل، وعادوا بعد العيد بتقارير طيبة وتجارب مؤثرة، إلا ذلك الطالب الذي جلس واجمًا كأنّ شيئًا يُثقله. سألته عن السبب، فإذا بقصّة مؤلمة؛ كانت تلك القريبة التي انقطع عنها هي عمّته - أخت أبيه - وقد انقطعت الصلات بين هذين البيتين منذ سنين طويلة بسبب خلافٍ عائلي قديم. لم يرها منذ طفولته، ولم يكن بين البيتين تزاورٌ أو تواصل.
وفي صباح أحد أيام العيد، شدّ الفتى عزيمته وحمل علبة الحلويات معه ، وقصد بيت عمّته. لكن ما إن رأتْه العمّة حتى أطلقت نحوه وابلًا من كلماتٍ لاذعة: ماذا جاء بك الآن؟ ماذا وقع لكَ أن تذكّرني وتزورني فجأة؟، هل آن سنّ الزواج لأخواتك وتحتاج لمساعدتنا؟ أم أنّ أبَاك أرسلكَ لتجديد الصلة بيننا؟ ما الذي تريده الآن ؟! ثم تابعتْ بحديثٍ مليءٍ بالتعريض واللوم، حتى انكسر قلبه الصغير، وتمنّى لو لم يأتِ. ولم تُقدِّم له شربة ماءٍ ولا كوب شاي، بل أُخرجتْ أمامَه كلّ أحقاد الماضي وغبار السنين. قال لي بأسًى: يا أستاذي، لو علمتْ أمّي بذهابي، لما رضيتْ، لكنّها لم تعرف، فكان نصيبي ما ترى!
كم منّا مرّ بتجربةٍ كهذه ؛ يدخل بيت قريبٍ بنيّة الإصلاح، فيُقابَل بعباراتٍ تُحرِق القلب. والسؤال المهم هنا كم مرّةً كان هناك العكس؟ يعني كم مرّةً جاءنا أحدُ أقاربنا يريد تجديد الصلة، فاستقبلناه بالفتور أو التوبيخ أو السخرية؟ هل صرنا سببا في أن يخرج من عندنا مكسورَ القلب نادمًا؟
يحكي لنا التاريخ الإسلامي مشهدًا آخر يشبه ذلك، لكنّه مفعمٌ بالنور والرحمة. في مجلسٍ من مجالس أبي هريرة رضي الله عنه، كان الصحابة جلوسًا يتدارسون العلم، فقال أبو هريرة فجأةً: من كان بينه وبين أهله قطيعة، فليقم من مجلسنا وليذهب ليصل رحمه. فقام أحد الحاضرين على الفور، وترك المجلس متّجهًا إلى بيت عمّته التي كان بينه وبينها جفاء. وحين وصل، قالت له عمته: عجبًا، ما الذي جاء بك فجأة؟ فأخبرَها بما قاله أبو هريرة، فقالت له: ارجع واسألْه عن السبب الذي دعاه ليقول هذا الكلام الآن . عاد الرجل إلى أبي هريرة وسأله، فقال أبو هريرة قال رسول الله ﷺ : إنّ أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم. رواه أحمد . وكان ذلك المجلس في مساء الخميس، ليلة الجمعة.
إنّها رسالة بليغة، كلّنا نجد في حياتنا خيطًا مقطوعًا مع أحد من أقاربنا: إمّل خلافًا صغيرًا أو جفاءً طويلًا. لكنّنا نقول في أنفسنا، سنصله لاحقا، ثم تمضي الأيام ولا نصل. غير أنّ الموقف مع أبي هريرة يعلّمنا درسًا عظيمًا؛ لا مجال للتسويف في الخير، فمن أراد الوصل فليبدأ الآن، لا غدًا.
أقترح عليك - أيها القارئ الكريم - أن تُمسك ورقةً وقلمًا الآن، وتكتبَ أسماء أقاربك واحدًا واحدًا، وتسأل نفسك: هل بيني وبين أحدهم قطيعة أو خصوم؟ فإن كان الجواب نعم، فابدأ الخطوة فورًا، زُرهم إن استطعتَ، أو اتّصل بهم، أو أرسل رسالةً طيبة. ولا تسمح لوساوس الشيطان أن تقول لك: هو الذي أخطأ، هو الذي يجب أن يعتذر أولا. بل، قل لنفسك: أنا الواصل، أنا الرابح، فالأجر لمن بدأ.
وليس هذا مرضًا جديدًا أصاب زماننا وحده؛ فالناس في كلّ عصرٍ استغرقوا بالخصام والتقاطع، ولهذا وجّه النبي ﷺ الأمّة إلى الدواء. أنَّ رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسولَ اللهِ إنَّ لي قرابةً أصِلُهم ويقطَعوني وأحسِنُ إليهم ويُسيئون إليَّ وأحلُمُ عنهم ويجهَلون عليَّ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لئنْ كان كما تقولُ لكأنَّما تُسِفُّهم المَلُّ ولا يزالُ معك مِن اللهِ ظهيرٌ ما دُمْتَ على ذلك. رواه مسلم. أي أنك - ما دمت تواصلهم وتحسن إليهم رغم إساءتهم - فكأنك تُطعِمهم رمادًا حارًّا يُحرِق وجوههم، وسيبقى معك مددٌ من الله ينصرك ويؤيدك.
فليست الصلة أن تردّ الإحسان بالإحسان، بل الصلة الحقيقية أن تصل من قطعك، وتعفوَ عمّن ظلمك، وتبدأ من أعرض عنك. قال رسول الله ﷺ: ليسَ الواصِلُ بالمُكافِئِ، ولَكِنِ الواصِلُ الذي إذا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وصَلَها. (رواه البخاري).
فإذا كان النبي ﷺ حذّر من مقاطعة الأرحام، فكيف بمن يقطعها بيده، أو بكلمةٍ جارحة، أو بموقفٍ متكبّر؟ وقد أخبر النبي ﷺ أن هناك ذنبين تُعجَّل عقوبتهما في الدنيا قبل الآخرة. قال صلى الله عليه وسلم: ما مِن ذَنبٍ أَجْدرُ أنْ يُعجِّلَ اللهُ تعالى لصاحبِهِ العُقوبةَ في الدنيا مع ما يَدَّخرُ له في الآخرةِ مثلُ: البَغيِ وقطيعةِ الرحمِ. رواه الترمذي . إنها رسالة مخيفة، من قطع رحمه فلينتظر أثر ذلك في حياته قبل آخرته.
صحيح أن حياة الناس اليوم متباعدة، والأسر متفرّقة بسبب الغربة والسفر وأعباء الحياة، لكن هذا لا يُسقط الواجب، بل يجعلنا أَولى بالسعي لإحياء الروابط بوسائل العصر؛ إمّ ا باتصالٍ، أو رسالةٍ، أو زيارةٍ في الإجازة، أو هديةٍ بسيطةٍ تذكّر بالودّ القديم.
ويا للعجب! نرى أحيانًا الكبار يتواصلون فيما بينهم، بينما الأبناء لا يعرف بعضهم بعضًا! وهذا خطرٌ عظيم، لأن العائلة التي تفقّد تواصلها تفقد جذورها. فلنُعلّم أبناءنا أسماء أقاربهم، ولنأخذهم معنا إلى زياراتٍ عائلية، فربّ لقاءٍ بسيطٍ يُنبت في قلب الطفل شجرةَ محبةٍ تمتدّ لعمرٍ كامل.
وفي بيوت أقاربنا من يعيش في الضيق والمرض والفقر، فلنكن لهم ربيع السلوى وغيث العطاء، نحمل إليهم الهدايا والكلمات الطيبة، ونسندهم بما نقدر عليه. ولا نظنّ أن ما نقدّمه يضيع، فالنبي ﷺ قال: مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ . رواه مسلم.
لكن علينا أن نحذر من تحويل صلة الرحم إلى وسيلةٍ للظلم أو المحاباة؛ فليس من البرّ أن نحابي أقاربنا في الوظائف أو الحقوق، أو نستخدم السلطة لإعطائهم ما لا يستحقون، فهذا فسادٌ لا صلة، وإثمٌ لا إحسان. وفي المقابل، ليس من العدل أن نُنفق بسخاءٍ على الغرباء والمشروعات العامة، بينما يعاني أقرب الناس إلينا الجوع والحرمان. فالنبي ﷺ قال: الصدقةُ على المسكينِ صدقةٌ وعلى ذي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ صدقةٌ وصِلَةٌ. رواه الترمذي. نبدأ بالصلة قبل أن نُطالَب بها، ونمنح العفو قبل أن يُرجى منا، فذلك هو الخُلق الذي يرفع الله به العبد في الدنيا والآخرة.






