سؤال : ماذا أصابه ، لم أره منذ زمن؟
جواب : صحيح ، لقد فصّلتُه من منصبه مديرًا!
سؤال : وأنتَ، ما بالكَ، أنا لا أراك في هذا الطريق؟
جواب : صحيح، أنا لا أجيئ الآن في هذا الطريق، لأنّي استقلتُ من عملي في هذه الشركة!
هل تشعر بشيء غريب في هذا الحوار؟ إذا كان الجواب : لا. دعه الآن، واسمع الحوار!
سؤال : كنتَ تزور خالَك بين حين وآخر، ماذا أصابك، لا أراك في هذه الأيام تزوره؟
جواب : صحيح ، لقد عزلتُه من منصب الخال!
سؤال : لماذا لم نرك في عرس ابن أخيك ؟
جواب : آه، لقد قدّمتُ استقالتي من منصب العم!
ألا تحسّ بشيءٍ غريب ومتنكّر في هذا الجواب؟
إنّ في حياتنا مناصبُ تُكتسب بقدرتنا ، كما أنّ فيها روابط تُغرس فينا منذ أوّل أنفاسنا. مثلا، أن تكون زوجًا أو زوجة، فذلك شأنٌ قد يزول بزوال سببه، وتُطوى صفحته بطلاقٍ أو فراق. لكن هناك روابط أخرى، تولّد معنا وتلتصق بنا التصاق الروح بالجسد، لا يُفصِم عُراها طلاقٌ، ولا يُنزِع وشاحَها قرارٌ. هي روابط الدّم والنسب، تلك التي لا نملك فيها فصلًا ولا استقالة، ولا نملك منها فكاكًا، لأنّها جزء من كياننا، بل من قدرنا الذي خُطّ منذ لحظة الميلاد.
تخيّل، أن لكَ أختا شقيقة، فهي أختُك إلى آخر الدهر وأنتَ أخٌ لها، لا مجال فيها لإجازةٍ مؤقتةٍ ولا انسحابٍ إداريّ. وعندما تُزوّج تلك الأخت لأحد، فلا تظنّ أنّ دورَك قد انتهى، إذ سرعان ما تُمنح لك رتبةٌ جديدة: الخال أو الجدّ، رتبةٌ لا تُنال بطلبٍ ولا تُكتسب باجتهاد. وحين يأتي ذلك الصغير يناديك خالـي…أو جدّي العزيز، فلا تقل له مازحًا: يا صغيري، لم أتقدّم لشغل هذا المنصب، ولم أجتزْ امتحانه! فليس في الأمر اختيار، بل هي مناصب تُمنح بمرسوم الفطرة، وتوقّعها يد القدر.
الإنسان كائنٌ اجتماعيٌّ لا يعيش في عزلةٍ، ولا يستطيع أن يكون جزيرةً منقطعةً عن الناس. وأولُ لبنةٍ في هذا النسيج الإنسانيّ هي الأسرة، ذلك المجتمع الصغير الذي تتشابك فيه الخيوط الدقيقة للعلاقات؛ أبٌ وأمٌّ، ابنٌ وابنة، أخٌ وأخت، عمٌّ وخال، جدٌّ وجدة… وكلٌّ منهم عقدةٌ في هذا النسيج الذي لا ينفصم. إنها شبكة العلاقات التي تُنعش الحياة بمعانيها، وتُبقي القلب حيًّا بدفئها، مهما عصفت به رياح الخلاف أو البعد. فاحفظ خيوطها، ولا تفرّط في نسيجها، فبها يتماسك الإنسان… وبها يزهو الوجود.
خذ مثلًا الأم… إنّ إخوة الأم وأخواتها لَهنّ موضعُ المحبّة والتقدير في القلب، بل ينبغي أن يكنَّ كذلك دائمًا.
ثم يأتي أزواجهنّ، وأبناؤهنّ، وزوجات أبنائهنّ، وأحفادُهم وأصهارُهم، وآباؤهم وأمهاتهم، وأبناءُ أولئك وأحفادُهم… سلسلةٌ طويلة متشابكة، تمتدّ حتى ليكاد الرأس يدور في حسابها! وما إن نلتفت إلى عائلة الأب حتى نجد المشهد نفسه، فثمّ أيضًا شجرةٌ وارفة الفروع، تتفرّع منها الطرقُ كما تتشعّب الشوارعُ من طريقين رئيسيين عظيمين؛ طريق الأم وطريق الأب. ومن هذين الطريقين الرئيسيين تتفرّع ممرّاتٌ جانبيةٌ كثيرة، ثم أزقّةٌ ضيّقةٌ ودروبٌ ملتوية، حتى تتصل الأرحام في شبكةٍ معقّدةٍ دقيقةٍ كأنها نسيجُ عنكبوتٍ من رحمةٍ وقرابةٍ ومودّة.
مهما امتدّت الفروع وتشابكت الطرق، فالحقيقةُ تبقى ثابتة: القرابة قرابة، ووشائج الدم لا تُنسى. فمن الحكمة ومن الوفاء أن نحفظ هذه الروابط، وأن نصون دفء المودّة بيننا، لأنّ الإنسان لا يكتمل وحده، ولا يستقيم طريقه إلا بخيوط العلاقة التي تشدّه إلى أهله وأرحامه. فالذي يحفظ أرحامه إنما يحفظ جزءًا من نفسه، ومن قطعها، قطع من قلبه وُدًّا لا يُعوّض.
ما أجملَ التعبير القرآني حين يصف هذا النسيجَ العائلي العجيب بعبارةٍ وجيزةٍ جامعة: أولو الأرحام. فكلمة الأرحام جمعُ رحِم، والرَّحم هو موضعُ الخلق الأول، هو وعاء الحياة الذي حوى الإنسانَ قبل أن يعرف نفسه.
وكأنّ القرآن يُذكّرنا أن أصلَ الروابط كلِّها يعود إلى هذا الوعاء العجيب؛ إلى رحمِ الأمّ لا الأب. فالأبُ هو الثباتُ والركنُ، والأمّ هي الرفقُ والحنان، ومن مزج الصلابة باللين، والعقل بالعاطفة، تتولّد الأسرة ويُبنى الوجود.
إنّ في إسناد القرابة إلى الرحم لمسةً بيانيةً عميقة؛ فالقرآن لا يربطنا بنظامٍ إداريٍّ من أسماءٍ وأنساب، بل بنسيجٍ من المشاعر والمودّة والرحمة، نظامٌ سار فيه دفء الأمومة كالماء في العروق، يربط أبناء العائلة كما تُربِط خيوطُ الدم خلايا الجسد.
ولهذا، حين نذكر الأم ، يشرق في القلب نورُ الحنان على نحوٍ لا تصنعه الأسماء ولا الألقاب. ولذلك نلحظ دقّة التعبير القرآني في مشهدٍ من قصة موسى عليه السلام، حين نادى هارونُ أخاه قائلًا : "يَا ابْنَ أُمَّ!" ولم يقل: "يَا ابْنَ أَبِي"! إنه نداءٌ يستنزل الرحمة لا الغضب، يستثير في قلب موسى عاطفةَ الأمّ التي كانت بينهما، فيُلين قلبَ الأخ الغاضب بنداءٍ يحمل في طيّاته ذكرَ الأمّ التي احتضنتهما معًا.
ثمّ يوسّع القرآن الدائرة فيقول: ذَوِي القُربى، وهي مرتبةٌ أرحبُ من أُولِي الأرحام، تشمل ذوي الصلة من غير خطّ الرحم المباشر، كالأصهار والجيران ومن جاورهم في الودّ والمودّة، لينبّهنا الوحيُ إلى واجب الإحسان لكلّ من قربنا بنسبٍ أو نسبٍ في العاطفة.
لكنّ الأيام دول، والأحوال تتبدّل، فمن كان بالأمس ميسورًا قد يبيت اليوم في ضيق، ومن كان ضعيفًا قد يعلو شأنُه. وهنا يُختبر صدقُ الرحم والمودّة: هل نحفظ عهده رغم تبدّل الظروف؟ هل تذكّرنا الرحِمُ التي حملتنا بضعفنا الأول حين نبلغ القوّة والجاه؟
فإذا رأيت فقيرًا من ذويك، فليهبط في داخلك مطرُ الرحمة من غيم الأمّ التي حملتك، وإن مشيتَ متأنقًا في زهوٍ وغرور، فتذكّر أنّك خرجتَ يومًا من رحمٍ ضعيفٍ لا حول له، وأنك بدأتَ وجودك صرخةً بين يدي أمٍّ دامية الجسد مبلّلة العين. حينها فقط ينفجر بالونُ الكِبر في صدرك، ويفوح مكانه عبيرُ الرحم وندى الأمومة، فتلين القلوب، وتستقيم العلاقات، ويصير الوجودُ كلُّه عائلةً واحدةً تمتدّ خيوطها من رحمٍ إلى رحمة.
تأمّلات في الرَّحِم والرَّحمة:
ثمة حقيقةٌ مدهشة تستحقّ أن نقف عندها طويلًا: إنّ كلمتي الرَّحمن والرَّحيم - وهما من أسمائه سبحانه التي تفيض بالعطف والحنان - تنبعان من الجذر نفسه الذي تنحدر منه كلمة رَحِم. وكأنّ الله جلّ جلاله أراد أن يجعل من الرَّحم - موضع التكوين الأول في جسد الأم - رمزًا كونيًّا للرحمة الإلهية التي تحتضن الخلق أجمعين. فمن رحمٍ صغيرٍ تتكوّن الأجساد، ومن رحمةٍ عظيمةٍ تتكوّن الحياة.
هكذا تُشدّ روابط العائلة حول نواةٍ حيةٍ نابضةٍ هي الرّحِم ، تجمعنا كما يجمع المركزُ ذرّاته في مدارٍ لا ينفصم. نحن جميعًا ذرّاتٌ تدور في فلك هذا المركز العجيب، مشدودون إليه بخيوطٍ من دمٍ وحنانٍ ومسؤوليةٍ لا تنقطع. ولكلّ علاقةٍ من هذه العلاقات نصيبها من الحقّ والواجب، فلكلّ قريبٍ مكانه، ولكلّ صِلةٍ قدرها. لو قيل لك:عُدّ أفراد أسرتك جميعًا - مئةً وثلاثة عشر مثلًا - فمَن أحقّهم ببرّك؟ سؤالٌ بسيط، غير أن الإجابة - وإن بدت سهلة - هي مقياسُ نجاحنا في امتحان الإنسانية والوفاء.
وقد سُئل النبيّ ﷺ مثل هذا السؤال من قبلُ، فقال السائل: يا رسول الله ، مَن أحقّ الناس بحُسن صحبتي؟
فأجابه ﷺ: أمّك. قال: ثم مَن؟ قال: أمّك. قال: ثم مَن؟ قال: أمّك. قال: ثم مَن؟ قال: أبوك. نعم، ثلاثُ مرّاتٍ للأم، وواحدةٌ للأب .ولِمَ ؟ أليست الأمُّ هي بابُ الدخول إلى هذه الحياة؟ أليس رحمُها هو أولَ مسكنٍ عرفناه؟ أليست أنفاسها الأولى هي النسيم الذي أحاط بنا ونحن في ظلمة البطن؟ لم نرَ آلامَ حملها، ولا وجعَ ولادتها، ولا تعبَ سهرها، لكننا نحيا بفضلها، وننعم بحنانها، ونستظلّ بدعائها. فحقٌّ لها المراتب الثلاث.
أما الأبُ، فله المقام الرابع - مقام السعي والتعب والرعاية - لكنّ الزمان اليوم يشهد انقلابًا مؤلمًا، إذ نرى أبناءً يهيّئون لآبائهم وأمهاتهم مكانًا في دور العجزة، كأنّهم يُودِعونهم هناك ليُودِعوا معهم ضميرَهم وإنسانيتَهم! يا ليتنا حين نفكر فيهم نتذكّر الرحم الذي حملنا، نتذكّر ضعفنا الأول، وعجزنا المطلق، ونسأل أنفسنا في صمتٍ: أين كنتُ أنا يومَ كانتْ أمّي تسهر من أجلي؟ لو فعلنا ذلك، لانفجرَت فقاعاتُ الكِبر في صدورنا، وانسكبَ في قلوبنا ندى الرحمة، ندى الرحم الذي خلقنا الله منه، وأمرنا أن نحفظه، لأنّ من وصله وصله الله،ومن قطعه قطعه الله.






