إذا سأل سائل: ماذا تَجدُ إذا تزوّجتَ؟
ربّما يكون جوابُك: إنّي أجد شريكًا لحياتي، ويقول آخر: إنّي أجد من يؤنس وحدتي. كلُّها إجابات جميلة، ولكن وراءها عمقٌ أكبر ممّا يبدو. لقد ضاق اللسانُ أحيانًا عن حمل المعاني الكبرى، لأنّ اللغة ليست كلماتٍ فحسب، بل هي وليدة الثقافة ومراياها.
في بعض اللغات، تُخفي الألفاظُ في جوفها معاني التفوّق والهيمنة، كما في كلمة (husband) التي يلمع فيها سلطان الرجل بمعنى سيد المنزل، وكلمة ( wife) التي تُصوَّر فيها الأنثى في صورة الضعف والانكسار بكونها ربّة البيت وخادمته.
لكنّ العربية - لغة الإسلام - كسرتْ هذا القيد، فجعلتْ كليهما "زوجين"، لا تفاضل بينهما إلا بالتقوى والمودّة. هو زوجُها، وهي أيضا زوجُه؛ كلاهما شطرٌ من الآخر، إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى، فلا كمال لأحدهما دون الثاني.
فيا من عزمتَ على الزواج، يا من حملتَ اللقب العظيم (الزوج)، اسأل نفسَك أوّلا قبل أن تتقدّم: ما الذي تدّخر في يدك للزواج؟ لا أسألك عن مالٍ ولا عن رصيدٍ في البنك، فذلك ليس شرطَ السعادة، ولكنّي أسألك: هل تملك قوةً في البدن وأمانةً في القلب؟
إنّك مقبل على شريكةٍ رقيقةٍ، تجمع بين قلبٍ يحبّكَ وجسدٍ يحِنّ إليكَ، فكُن لها سكنًا كما جعلها الله لك سكنًا، ولا تجعل ليلَها بكاءً ولا نهارَها ندمًا. لقد قال النبيّ ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم وهو يخاطب شبابَ الأمة: يا معشرَ الشباب، من استطاع منكم الباءَة فليتزوّج. وقد فسّر العلماء الباءة بمعنيين : أوّلهما: القدرة ُالجسدية على المعاشرة، وثانيهما: القدرة المالية على النفقة. وكلاهما ضرورة لحياةٍ زوجيةٍ مستقيمةٍ تحفظ الكرامة وتقي من الزّلل.
هل تعرف تلك المرأة من الصحابيات التي جاءت إلى النبي ﷺ شاكيةً زوجَها الذي تزوّجته بعدما طلّقته زوجها الأول رفاعةُ القرظي؟ وجدتْه عاجزًا عن القيام بحقِّ الزوجية، حيث قالت : يا رسول الله ، والله ما معه إلّا مثل هُدبة ثوب! فوقفتْ أمام رسول الله ﷺ تصِف حالَها بصدقٍ مؤلمٍ، فلم يُعرِض الرسول وجهه عنها، بل بيّن لها الحكمَ الشرعي وأعطاها حقّها. كان ذلك درسًا خالدًا للأمة؛ أن الزواج ليس لعبًا ولا تجربةً عابرة، بل عهْد ومسؤولية، تُبنى على قدرةٍ وصدقٍ ورعايةٍ ورحمة.
أمّا معاشرة المرأة مع إنسان لا تُحبّه، وتؤدّي واجبات الزوجية بلا رغبة ولا صدق، فذلك عذاب لا يطاق. وقد أدرك النبيّ ﷺ مثل هذه المعاناة حين جاءت امرأةٌ من الصحابيّات إلى مجلسه، تخبره أنّها لا تطيق الاستمرار مع زوجها. وهذه المرأة هي زوجة الصحابي ثابت بن قيس رضي الله عنه وقالت له : يا رسول الله، ما أُعِيبُ عليه في دينٍ ولا خُلُق، ولكنّي أكره الكفرَ في الإسلام. وأرادت بذلك أنّها لم ترضَ بمظهره، حيث وصفتْه بأنّه أشدَّهم سوادًا، وأقصرَهم قامة، وأقبحَهم وجهًا. فأقرّها رسول الله ﷺ، ثمّ سألها: أترُدّين عليه حديقتَه التي جعلها صداقا لكِ؟ فقالت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجها: أقبل الحديقة وطلّقها تطليقة.
شرع الله طلاقَ الخلع – طلاقا بِعِوَض - رحمةً بالمرأة إذا ضاقت بها سبل العشرة، ليؤكد الإسلام أن الزواج ليس سجنًا، وأن الصبر على الأذى ليس هو الدين كلّه، بل العدل والرحمة هما روح الشريعة. فليس من الإيمان أن تُرغَم المرأة على حياةٍ تَكرَهها، بحجّة الدين، فالله لا يرضى لعباده الظلم ولو في ثوب الصبر.
فإنْ علِم رجل من تجربة حياته قبل الزواج أنّه يواجه ضعفا في الجسد أو قصورا جنسيا، فماذا يفعل؟ هل يجوز له أن يخدع امرأةً بطلب الزواج منها؟ لا، فإنّ ذلك غشٌّ وخيانة. فليطلب العلاج، ويراجع الأطباء، ويبحث عن الأسباب. ربّما كان الأمر جسديًا يمكن علاجه، أو نفسيًا يمكن تجاوزه. أيّا كان ، الطريق إلى العلاج مفتوح، فلا يجعلْ نفسَه فريسة للخوف أو للعار، فهنالك من أهل العلم والتجربة من يهديه إلى السبيل الصحيح.
ثم اسأل نفسك سؤالًا آخر:هل تملِك من المال ما تقوم به بواجباتك؟ ليس المقصود الغِنى الواسع ولا القصورُ المشيّدة، لكن عليك أن تمتلك القدرة على الإنفاق، فإنّ الزواج ميثاقُ مسؤوليةٍ لا تملُّكُ عاطفةٍ. فالمال محتاج من نوعين ؛ من نفقة الزواج ومن نفقة ما بعد الزواج.
أمّا في شأن المال المتعلق بالزواج نفسه، فهنالك قسمان: الأول: ما يكون للمهر - وهو حق المرأة، يُقدَّم بحسب القدرة، وليكن كريمًا في معناه. والثاني: ما يكون لمراسم الزواج - وهو الوليمة التي سنّها النبي ﷺ، على قدر الحال دون إسراف ولا مباهاة.
وما نراه اليوم من مظاهر الترف والتبذير في الولائم والزفاف - حيث تُلقى الأطعمة وتُهدر الأموال ويُرهق الفقراء بالديون - هو مخالفةٌ صريحة لهدي الإسلام. كم من فقيرٍ أرهقه تقليد الأغنياء! كم من شابٍّ تراجع عن الزواج لأنه رأى في أعين الناس كلفةً لا يطيقها! لقد قال تعالى: وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ،
وقال ﷺ: إنّ أعظمَ النكاح بركةً أيسرُه مؤونةً.
أما بعد الزواج، فكلّ نفقةٍ واجب شرعي على الرجل على أهله وعلى زوجته وأولاده حتى وإن كانت زوجته غنية ، فمالُها حقٌّ خالصٌ لها، ومالُه حقٌّ مشترك للأسرة. فلا يجوز له أن يمدّ يدَه إلى مالها إلا برضاها، ولا أن يجعل كسبها ذريعة لتقصيرٍ في مسؤوليته.
وليس المقصود من هذا الكلام أن يملك الشاب كلّ المال قبل الزواج، بل أن تكون لديه الإرادة الصادقة والقدرة على العمل والسعي، فالله تعالى وعد من يتزوج طلبًا للعفاف أن يرزقه من فضله: وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( النور 32) وقال ﷺ: ثلاثة حقّ على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف. ( رواه البيهقي).
إنّ الإيمان الصادق يفتح أمامه أبواب الزواج قبل أن تُفتح خزائن الدنيا، فمَن بدأ بنية طاهرة أعانه الله وبارك له في سعيه. من صدق الله في نيّته، رزقه الله من حيث لا يحتسب، وجعل في طريقه اليسرَ والبركة. الزواج في الإسلام سبيلٌ للطهر والعفاف، وهو بابٌ من أبواب الرزق والكرامة، لا بابُ ضيقٍ أو عناءٍ.






