لا يليق بالمؤمن أن يُقدِم على الزواج دون وعيٍ بما أحلّ الله وحرّم، فكم من خطوةٍ خالطها التهوّر جرّت على صاحبها الندم والخسارة. فليسأل كلّ نفسَه قبل أن يفكّر بالزواج: هل أنتَ رجل؟ فالمرأة هي من أحلّ الله لكَ. وإن كنتِ امرأةً، فالرجل هو من جعله الله لكِ زوجًا. هذه هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾.
غير أنّنا نعيش زمنًا التبست فيه الفِطر، فصار من يزعم أنّ الرجل يكفيه الرجل، وأنّ المرأة تكتفي بالمرأة، يتباهى بمخالفته لسنن الخلق، وكأنّهم يعلنون تمرّدهم على حكمة الله في الخلق والأزواج. يقولون: «الرضا أساس كلّ شيء»، وينسون أنّ الرضا لا يبيح ما حرّم الله، ولا يُحلّ ما قَطع الشرع بتحريمه.
ثم يأتي آخرون فيتحدّثون عن «الحرّية الشخصية»، فيسوّغون العلاقات المحرّمة حتى بين ذوي القربى، بزعم أن «التراضي» كافٍ، في زمنٍ تغيب فيه الأخلاق، وتُرفع فيه الحواجز بين الحلال والحرام، حتى بات بعضهم يجادل في تحريم زنا المحارم أو يطالب بإلغاء القوانين التي تمنعه! سبحان الله! أين ذهبت عقول الناس عن نور الوحي، وعن نظام الحياة الذي ارتضاه الله لعباده؟
إنّ الشريعة الإسلامية رسمت للزواج حدوده الطاهرة، فبيّنت من يجوز الارتباط به ومن لا يجوز. وهذه الحدود ليست قيدًا على الحرية، بل سياجٌ يحمي كرامة الإنسان وفطرته السليمة. قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ (سورة النساء: 23). فالقرابةُ التي تقوم على الدم، أو على الرضاعة، أو على المصاهرة كلّها أسبابٌ تجعل بعض النساء محارمَ للرجل لا يحلّ له الزواج بهنّ.
أولًا: المحرّمات بالنسب
وهنّ سبع فئاتٍ بيّنها القرآن: الأمّهات وإن علَون، والبنات وإن نزلن، والأخوات، والعمّات، والخالات، وبنات الإخوة، وبنات الأخوات. فهؤلاء جميعًا محرّمات تحريمًا أبديًّا، لا يزول بعقدٍ ولا بطلاقٍ ولا بزمانٍ. إنّما حرّمهنّ الله حفظًا للنسل وصيانةً للأسرة من الفساد والاختلاط. ولو تأمل الإنسان قليلًا لعلم أن هذا التحريم يجمع بين الحِكمة الدينية والعلمية؛ فزواج ذوي القربى القريبين يؤدي في الغالب إلى ضعف النسل وفساد البنية الجسدية والعقلية، فضلًا عن اختلال التوازن العاطفي داخل الأسرة.
ثانيًا: المحرّمات بالرضاعة
قال رسول الله ﷺ: يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ. ( رواه البخاري ومسلم) فكلّ امرأةٍ أرضعت طفلًا رضاعًا تامًّا - خمس رضعاتٍ مشبعاتٍ في الحولين-، أصبحت أمًّا له في الرضاعة، وأولادها إخوةٌ له. وكذلك كلّ امرأةٍ رضعت من أمّه فهي أختُه من الرضاعة. وعلى هذا الأساس، يحرم الزواج بين هؤلاء كما يحرم بالنسب. وكثيرمن الناس يغفلون عن هذا الحكم في زمنٍ يتبادل فيه الناس الرضاعة من غير اكتراثٍ أو علمٍ، فينشأ جيلٌ لا يعرف من هي أمّه في الرضاعة أو أخته، ثم يقع في المحظور. فالواجب أن يُضبط ذلك ويُكتب ويُعلم حتّى لا تختلط الأنساب ولا تُرتكب المحارم.
ثالثًا: المحرّمات بالمصاهرة
وهي روابط الزواج التي تجعل بعض الأقارب محارمَ للزوج أو الزوجة. ومنهنّ: أمّ الزوجة: تحرم بمجرد العقد، سواء دخل بها أم لم يدخل. وبنات الزوجة (الربائب ) يحرُمن إن حصل الدخول بالأمّ. وزوجات الأبناء: تحرم على آبائهم أبدًا. وزوجات الآباء: تحرم على الأبناء كذلك، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ (النساء: 22). فهذه الحدود الإلهية تحفظ كرامة العلاقة الزوجية من الامْتهان، وتصون البيوت من الفوضى العاطفية والأخلاقية.
ليست هذه الأحكام مجرّد تشريعاتٍ شكلية، بل هي نظامٌ ربانيٌّ يحفظ توازن المجتمع والأسرة. لو أبيح الزواج بين ذوي القربى لقُضي على الحياء العائلي، وانقلبت المحبة الفطرية إلى شهوةٍ مريضةٍ تفسد النفس والنسل. كما أنّ الله سبحانه أراد للأسرة أن تكون سكنًا ومودّةً ورحمةً، لا مسرحًا للرغبات العابثة، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21).
تلك حدود الله التي أمرنا أن نقف عندها. قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (البقرة: 229). فمن تجاوز حدود الله فقد اعتدى على حرُماته، ومن وقف عندها فقد أطاع ربَّه وحافظ على طهارة فطرته. فلتكن بيوتنا مؤسَّسةً على الطهر والإيمان، ولتكن عقود الزواج عندنا عبادةً قبل أن تكون عادة، وميثاقًا شرعيًّا يقوم على الرضا والشرع لا على الهوى والشهوة.






