كنّا نسير في جماعة العمرة في مكة، ومن بين الجماعة لفّت انتباهي أحد الإخوة. بدا عليه شيء من القلق والتعب في جميع الأوقات، نظراته شاردة، وجهُه متوتّر، يتنفّس بعمق ثم يصمت طويلًا، وكأنّ في صدره نارًا مكتومة. الأمير المرافق لنا كان من أصدقائه، فلمّا لاحظت اضطرابَه سألتُه: ما باله؟ فأجابني: سأخبرك لاحقًا.
وفي الليل، بعدما فرغنا من العَشاء وجلَسنا في البهو، اقترب منّي الأمير، وقال: القصّة مؤلمة يا أخي... لقد كان له ولد واحد فقط، ابن في سنّ العاشرة ، مرّة، خرج ليستحمّ في البركة مع أصدقائه، فانزلقت قدمُه وسقط في الماء ومات غريقًا!
فتذكّرت في الوقت قصّة صديقٍ آخر، هو رجلٌ غنيّ وذو همة عالية، هو صاحب مدارسَ لتعليم القيادة في ثلاث مدن قريبة، رجلٌ ناجح، ورئيس جمعية أولياء الأمور في المدرسة الثانوية،... ومع ذلك، لم يستطع أن ينجو من اختبارٍ مرير. ولم تكن المصيبة في المال ولا في العمل، بل في الولدِ... ولدِه الوحيد! متفوّق في دراسته، يعيش في ترف ولهو، يحمِل أحدثَ هاتف ويضع في عنقه عِقدًا من الذهب. سرق العقدَ من بيت امرأةٍ هي زوجة عمّه، أخذ منها خفية، حتى تفوّح منه العار، وافتضح أمرُه بين الناس... فهل يحتاج الآن إلى شيئ آخر لإساءة سمعة هذا الأب الشهير.! فصار الرجل بهذا الابن الشرير مهموما خاملا.
وهناك صديقٌ ثالث لنا، ترك الدراسة واشتغل في قيادة الشاحنات، حتى صار من كبار التّجار. جمع المال الوفير، اشترى الأرض وبنى بيتًا فخمًا، وضع له سورًا حديديًا ضخمًا وبوابة لامعة. ثم تزوّج، ومضى على زواجه سبعٌ وعشرون سنة.، طرق كلَّ باب وسأل كلَّ طبيب، ولم يُكتب له الولد بعد.! حين يرى أبناءَ أصدقائه حولهم في الاجتماعات أو المدارس، أو حين يسمع أصواتَ الأطفال في الاحتفالات، تمتلئ عيناه بالدموع، ويكتم غصّةً لا تُطاق في صدره. وهو في نقمة بسبب العقم.
وصديقي الآخر سلمان خورشيد هو أيضا حزين في شأن أبناءه!، وذلك أنّ أوّل من رُزق به كان ابنا، والثاني أيضا كان إبنا ، وكانوا يقولون: الثالث لا بدّ أن يكون بنتًا ، ولكن شاء الله أن يكون الثالث أيضًا ابنا ! وبعد عامين جاء الرابع... فإذا به ذكر كذلك! ، حتى إذا مضى ستّ سنين، جاءهم الخامس بعد انتظارٍ طويل ، فإذا هو أيضًا... ذكر! فلم يَرزق الله لهما بنتا تقوم بسعادة هذين الزوجين وأبنائهما!.
وعلى عكس ذلك، رزق الله أمين ريحان خمس بناتٍ! خمس زهراتٍ يملأن البيت ضحكًا وهمسًا، ومع ذلك، كم سمع الرجل من كلماتٍ جارحة، ولُمزٍ خفيّة، وسُخريةٍ من بعض الجهلة الذين لا يعلمون أنّ الأنوثة والذكورة بِيَدِ مَن خلقَ فسوّى.
دعوني أخبرُكم عن جابر حسين؛ رجلٌ بسيط، طيّب القلب، لا يعرف الحيلةَ ولا المكر. رأى أهلُ القرية أنّه محتاج إلى عملٍ يناسب حالَه، فكلّفوه بخدمة المسجد والمدرسة الملحقة به: يكنِس، ويغسل المراحيض، ويحمل طعام الأساتذة من البيوت... وكان راضيًا بما قسّم الله له.
ثم تزوّج من مريم، ورُزقا طفلًا بعد انتظارٍ طويل. لكن ما أشدّ البلاء! الطفل هزيل الجسد، ضعيف العظم، لا يقوى على الجلوس، لا يتحرّك، لا ينطق. بلغ التاسعة عشرة من عمره وهو في الفراش كما كان يوم وُلد. يُطعمانه بيديهما، يغسلانه، يبدّلان له الثياب، ويقضيان الليل والنهار إلى جواره، لا يسمعان منه سوى أنينٍ خافتٍ يقطع القلب. ومع هذا البلاء، لم يعد في وجوههما بريق، ولا في ملامحهما راحة، فيتمنّى الأب لو يفديه بنفسه.
وكلّ هؤلاء في نقمة ومحنة، ليست في شأن أنفسهم، بل في شأن أولادهم. لكن، من ذا الذي يملك أن يغيّر ما كتب الله؟ أفي مقدور أحدٍ أن يسأل الخالق: لماذا؟ هل يستطيع أحدٌ أن يوقف عطية الله إن شاءها؟ أو أن ينتزع ما منعه؟ كلّا والله! كلُّ شيء بيده وحده سبحانه. يُعطي من يشاء ويمنع من يشاء، وكلٌّ لحكمةٍ لا يعلمها إلا هو. فما رَزقنا به خير، وما حَجب عنّا خير أيضًا، وإن لم ندرك وجه الحكمة فيه. سبحان الله، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. وإنّما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب.
وإن فكّر هؤلاء؛ لو أنّ الرجل الذي يعشق لابن واحد في حياته ، رزقه الله ولدا مبتلًى بأمراض وعاهات جسدية ونفسيّة ، هل يرضى به؟ أو رُزق لمن لا أبناء له ولدا فاسقا سارقا متمرّدا، فكيف يكون حاله؟ أو سُلب عنه أبناءُه وبناته كلُُّها في وقت كان أحوج إليهم! فنفهم أن ما قدّر الله – من عقم أو غيره - هو خير وأحسن، ليس في الإمكان أبعد ممّا كان.
إذن، نقرأ قول الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (سورة الأنفال: 28) نعم، الأولاد فتنة؛ امتحانٌ صامتٌ يتنوّع في وجوهه. تأمّلوا القصص التي سمعناها، وما نراه في حياتنا كلّ يوم. كم من أبٍ يشير الناسُ إليه قائلين: هذا والد ذاك الشابّ صاحب الآيفون! كم من أمٍّ ربّت أبناءَها بعرق قلبها، ثم جاء اليوم الذي تُهان فيه على أيديهم! كم من والدٍ بكى خلف الأبواب حين أَغلق ابنُه الباب في وجهه، بعد أن أنفق عليه عمرَه.!
ومع ذلك، فالأبناء ليسوا دومًا بلاءً. كم مِن همٍّ تبدّد بابتسامة طفلٍ واحد! كم من تعبٍ ينسى حين ركض الصغير من بعيدٍ يصيح: أبي! أبي !، ثم قفز في حضنه وقبّله على خدّه! وكم من أمٍّ نسيتْ آلامها حين جلست ابنتها عند رأسها تقول: أمّاه، أأُحضر لكِ ماءً؟ أأعدّ لكِ طعامك؟ تلك المشاعر وحدها تكفي لتجعل القلب يسجد شكرًا لله. ولذلك قال الله تعالى أيضًا: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (سورة الكهف: 46)
فليست القضية إذن في أن يكون لنا أبناء، بل أن يكونوا نعمةً لا نقمة، أن يكونوا سببًا في سعادتنا في الدنيا، ورفعتنا في الآخرة. لكنّ الله وحده يعلم البواطن. هو الذي يعطي ويمنع، يهب الذكور لمن يشاء، والإناث لمن يشاء، ويجعل من يشاء عقيمًا، كلّ ذلك بعلمٍ لا يُدرَك وسلطانٍ لا يُسأل. قال تعالى : لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (سورة الشورى: 49-50).
ما أجمل أن نعيش بهذا اليقين؛ أن ما أعطانا الله خير، وما منع عنّا خير. فحين يهبنا أبناءً، فهو يهب معهم رزقهم، ونصيبهم من الرحمة والبركة. بل قد يرفع الله الآباء درجاتٍ في الجنّة بسبب أبنائهم، كما جاء في الحديث الشريف: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن اللهَ ليرفعُ الدرجةَ للعبدِ الصالحِ في الجنةِ، فيقول: يا ربِّ، أنّى لي هذه؟ فيقول: باستغفارِ ولدِك لك. (رواه أحمد). هذا لا يكون إلا بالتربية الصالحة، وهي جهادٌ آخر، وميدانٌ عظيم، سنخوضه - بإذن الله - في ما يأتي من حديث.






