في المدرسة، جاء بعض الفتيان بزجاجة خمرٍ، خرجوا بها بعد الدرس إلى الغابة، واحتسَوها في لهوٍ وجهالة. فلمّا عاد أحدهم إلى البيت، ترنّح كالطائر المكسور، وعيناه غائمتان. رآه أبوه فقال: ما بالك يا بنيّ؟ ما الذي أصابك؟! فأجابه الولد في جرأة: ألم تكن تذهب أنتَ أيضًا إلى الحانة كلَّ مساء؟ فلماذا تُحرِّم عليّ ما تُبيحه لنفسك؟!
وفي بيتٍ آخر، كانت الأم تطبخ في المطبخ، وتركتْ هاتفَها لحظةً، فامتلأت الشاشة صورًا زرقاء مشينة، رآها ابنتها المراهقة، ففتحتْ إحداها... فما إن دخلت الأمُّ ورأتْ ما بيدها حتى صاحت: ويحك! ما هذه الدناءة؟! فقالت البنت ببرودة: ألستِ أنتِ تفعلين الشيءَ نفسه؟ فلمَ أُمنع أنا؟!
هذه هي المشكلة حقًّا! فمن يسعى لإصلاح الزرع فلا يجب أن يكون الرجل الزارع صالحًا، ومن يعالج المرضى لا يلزم أن يكون الطبيب المعالج معافًى من الداء! فلا فائدة في قول المريض أنه لا ينتهي عن التدخين أو شرب الخمر ما دام الطبيب يفعل ذلك، لأنّ الضرر عليه فقط، لا على الطبيب! وهذا صحيح بالنسبة إلى الزارع والطبيب ، ولكن لا يليق بالنسبة إلى الآباء والأمّهات في تربية أبنائهم وبناتهم ، فعليهم أن يكونوا قدوة صالحة يقتدى بهم في جميع حركاتهم وسكناتهم ، لأنّ الأولاد ليسوا شيئا خارجا عن حياة الأوصياء بدون شعور ولا عقل.
إن التحلّي بصفة القدوة الصالحة للأبناء مقامٌ رفيعٌ ومسؤولية عظيمة. فالتربية الصادقة تبدأ من النموذج الذي يراه الطفل في والديه، لا من المواعظ التي تُلقى على مسامعه. ففي أعوامه الأولى، يكتسب الطفل أخلاقه وسلوكياته من مراقبته الدقيقة لأبويه؛ يلاحظ حركاتهما، ألفاظهما، طباعهما، بل حتى انفعالات وجهيهما، فيحفرها في ذاكرته ويعيد تمثيلها حين يكبر. ومع مرور الزمن، تتطور قدرته على الملاحظة، ويزداد وعيه، فيتشرّب شخصيّة والديه في أعماقه، حتى يُصبح كما رآهما في طفولته: إن كانا صادقين، صار صادقًا، وإن كانا متناقضين، يعكس تناقضهما في حياته.
إنَّ الطفل مرآةُ والديه، يلتقطُ كلَّ حركةٍ وسكنةٍ منهما، ثم يعكسها في شخصيّته حين يكبر. وما يتشبّع به منذ الصغر من سلوك والديه لا يُمحى بسهولة. وقد قال النبي ﷺ في الحديث الشريف: كل مولودٍ يُولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسانه. فالأبوان هما أول مدرسةٍ في حياة الطفل، فإن كانت الأم صالحةً ربّت على الطهر، وإن كانت فاسدةً أفسدت فطرة الولد.
يظنّ بعض الآباء أن تربية الأبناء تعني إطعامُهم طعامًا جيدًا، وتوفير التعليم واللباس. لكن التربية أعمق من ذلك! فما قيمة الحليب النقيّ إن كان ممزوجًا بمالٍ حرام؟! وما فائدة التفاح الطازج إن اشتُري بثمنٍ ملوّث؟! كم من أبٍ يتقاضى رشوةً، أو يغشّ في تجارته، أو يضيّع أمانته في وظيفته، ثم يتباهى بأنّه أطعم أبناءَه من أطيب المأكولات! فهل يدري أنّه إنّما يسقيهم السمّ في العسل؟! إنَّ الطهارة المادية لا تكفي، ما لم تصحبها طهارةٌ روحية وأخلاقية. صلاح الجسد لا يغني عن صلاح الروح.
التربية لا تبدأ عند دخول الطفل المدرسة، ولا حين يرتكب أوّل خطأ، بل تبدأ منذ اختيار الزوجين بعضهم البعض! حين يختار الرجل زوجةً صالحة، ويختار الوالدان بيتًا نقيًّا، يكون ذلك أوّل بذرةٍ لتربيةٍ صالحة. قال النبي ﷺ: تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك. وكذلك المرأة حين تختار الزوج، فلتنظر إلى دينه قبل ماله، وإلى تقواه قبل مظهره.
وروي أنّ رجلًا من السادة أراد تزويج ابنته، فاختار أحدَ عمّاله الصالحين رغم فقره. وحين سأله: لماذا اخترتَ هذا؟ قال: لأنّني لم أره يأكل من بستاني تمرةً بغير إذني. فأنجب الله له عبد الله بن المبارك، العالم الزاهد الجليل.
جاء رجلٌ إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكو ولدَه العاقّ، فاستدعى عمر الابن وأنّبَهُ على عقوقه، فقال الولد: يا أمير المؤمنين، أليس على الأب أيضًا حقوق لابنه؟ قال: بلى، أن يختار له أمًّا صالحة، وأن يُحسن اسمه، وأن يُعلّمه القرآن. فقال الولد: يا أمير المؤمنين إنّ أبي لم يفعل شيئا من ذلك؛ أمّا أمي فإنّها زنجية كانت لمجوسيّ قبل أبي، وقد سمّاني جعلاً (أي خنفساء)، وفوق هذا ، فإنّ أبي لم يعلّمني من القرآن حرفاً واحداً! جئت تشكو عقوق ابنك، وقد عققتَه أنت قبل أن يعقّك!
من أراد أبناءً صالحين، فليكن هو أوّل الصالحين. ومن أراد زرعًا طيبًا، فليزرع بذرةً نقية. فالولد ينبت من رحمٍ طاهرٍ، ويكبر في بيتٍ صالح، ويُسقى من كسبٍ حلال. إنّ الطفل إنما يتكوّن من طعام أمّه، وكلامُها، وأفكارها، وسلوكها، ومشاعرها في حملها، ثم من بيئة البيت بعد ولادته. وكل انفعالٍ أو فسادٍ في الأبوين ينعكس عليه أثره، ولو بعد سنين.
من أعظم ما يفعله الوالدان لأبنائهما الدعاء لهم بصدقٍ وإخلاص، فدعوةُ الوالدين لا تردّ، وقد جعل النبي ﷺ الولد الصالح من الثلاث التي لا ينقطع أجرها بعد الموت: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له. فهل غايتنا أن يصير أبناؤنا أصحاب مناصب ورواتب؟ أم أن يكونوا عبادًا صالحين يرفعون أيدِيهم بالدعاء لنا بعد الرحيل؟
ليست الحياة شهوات الشباب وحدها، بل فيها الطفولة، والشيخوخة، والموت، والبعث، والمآل. فمن زرع دنياه بمالٍ طيبٍ وتقوى، حصد آخرته نورًا وسرورًا، ومن ربّى أبناءه على الإيمان والصدق، كان له فيهم امتدادٌ صالح بعد موته. فلنصلح أنفسنا قبل أن نحاول إصلاح غيرنا، ولنكن نحن القدوة قبل أن نطلبها من أبنائنا. قال تعالى: ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ) صدق الله العظيم.






