بعض الناس ابتُلوا بداءٍ خفيٍّ يُفسد صفاء قلوبهم، فيقسّمون من حولهم مِن الأقارب أو الجيران أو الأصدقاء إلى طبقتين: طبقةٍ يرضون عنها، وأخرى يزدَرونها. فإذا كانوا من ذوي القدرات أو المكانة في المجتمع، نظروا إلى من دونهم نظرَ المتكبّر إلى الضعيف، وأغلقوا دونهم الأبواب كأنّ التواصل معهم منقصةٌ أو عار!، إنّه فساد في القلب ناشئ عن ضعف الإيمان. سيأتي يومٌ لا تنفع فيه أموالٌ ولا جاهٌ ولا أنساب، ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، فاحذر أن تلقى الله بقلبٍ مريضٍ متكبّر. ولا تُحقِّر أحدًا من أقاربك أو جيرانك أو إخوانك، فليس من شأن المؤمن أن يرفع نفسه بخفض غيره.
وهناك صنفٌ آخر من الناس، يرى نفسه في مرتبة التقوى العليا، لكنّه ينظر إلى غيره من الأقارب أو الجيران نظرةَ استصغارٍ واحتقار، يحكم عليهم بأنّهم ضعاف الإيمان أو خارجون عن الجادة، فيُقصيهم من قلبه ومجلسه. وهذا انحراف عن منهج النبوة. فالله لم يكِل إلينا الحكمَ على قلوب الناس، ولم يجعلنا قضاةً على مصائرهم. وما كلّ من تأخّر في التوبة أو قصّر في العمل يُحكم عليه بالهلاك. ونبيّ الله نوحٌ عليه السلام، لبث في قومه ألف سنةٍ إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، ولم يؤمن معه إلا قليل. ومع ذلك ما يئس ولا ترك الدعوة. إنّ مصير الإنسان لا يُحكم عليه بما هو عليه الآن، بل بخاتمته. كم من عاصٍ ختم الله له بالتوبة، وكم من صالحٍ زلّ في آخر عمره. فلنحذر أن نحكم على أحدٍ بالنار، خصوصًا من ذوي قرابتنا. إذا رأيت قريبًا غارقًا في المعصية، فمُدَّ يدك إليه لترفعه، لا لتدفعه. المؤمن لا يطأ أخاه في الوحل، بل يمسك بيده ليُخرجه.
واجبنا أن نصل من انقطع، وأن نتواصل مع أهلنا بالرفق واللين، وأن نحاول إصلاحهم بالكلمة الطيبة والموقف الحسن. فعلينا أن نحفظ لأسرنا مكانتها، فنقوّيهم بالإيمان بدل أن نضعفهم بالقطيعة. شعارنا في التعامل مع الأسرة يجب أن يكون: لسنا نُقصي الضعفاء، بل نضمّهم لنقوّيهم.
وهذا لا يعني أن ننغمس في كلّ ما يفعلونه من منكرات أو مخالفات. فالمؤمن يعيش معهم بجسده، لكنّه يحفظ قلبه من التأثر بالباطل. قد تُدعى إلى مناسبةٍ يغلب عليها المنكر، كحفلةٍ يختلط فيها الرجال والنساء، أو يُشرب فيها الخمر. إن عجزت عن تغيير المنكر، فابغضه بقلبك واعتزل عن المشاركة فيه قدر استطاعتك. فذاك هو الجهاد النفسي في زمن الفتنة، لا أن تكسر الأواني أو تثير الشغب، بل أن تحفظ قلبك من الرضا بالمعصية.
لقد كان أبو طالب عمّ النبي ﷺ يعلم صدق رسالة محمدٍ ﷺ، لكنّه لم يُعلن إسلامه لأسبابٍ دنيويةٍ واجتماعية، ومع ذلك لم يقطعه النبيّ ﷺ، بل أحاطه بالرعاية والمودّة حتى آخر لحظةٍ من حياته. ولم يزل ﷺ يرجو له الرحمة، ويدعو الله أن يخفّف عنه العذاب، ويبذل أقصى ما في وسعه لإنقاذه. إنّها صورةٌ مؤثرةٌ من الوفاء والرحمة حتى مع من لم يُسلم. فما أحرانا أن نتأسى بنبيّنا ﷺ في تعاملنا مع أهلنا وأقاربنا، خصوصًا من لم يلتزموا بالإيمان الكامل.
انظُر إلى ما فعلتْه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها حين قدمتْ أمُّها المشركةُ تزورها في المدينة، فاستأذنتْ النبيّ ﷺ: يا رسول الله، إنّ أمّي قدمتْ وهي راغبة، أفأَصِلها؟ فقال ﷺ : نعم، صِلي أمّكِ ( رواه البخاري). فالإسلام لم يمنع البرّ والرحمة حتى مع الوالدين غير المؤمنين، بل أمر بحسن معاملتهما ولين الخطاب معهما، إلا فيما يتعلّق بالشرك والمعصية.
عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه ( وكان من أحبار اليهود) قال: لمّا قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس قِـبَـله، وقيل: قد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم - ثلاثا-، فجئتُ في الناس لأنظر، فلمّا تبيّنت وجهَه عرفتُ أنّ وجهَه ليس بوجه كذّاب، فكان أول شيء سمعته تكلّم به أن قال: يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) رواه الترمذي ) يا لها من كلماتٍ تُشِعُّ بالنور، تفيض بالمحبة والإنسانية! بهذا الخطاب اللطيف دخل الناس في دين الله أفواجًا، لا بالخوف ولا بالقهر، بل بصدق الكلمة وصفاء القلب.
لقد كان منهج النبي ﷺ أن يبذر الرحمة في كلّ قلب، وأن يوسّع دوائر الخير فلا ينغلق في ذاته، بل يمتدّ إلى الأسرة والجيران والمجتمع. وما يزال الناس إلى اليوم يدخلون في الإسلام لأنّهم يلمسون فيه هذا النّور الإنساني، وهذا الدفء الإلهي، الذي يُعيد إلى القلوب سكينتَها، وإلى النفوس فطرتها.






