هل من المعقول أن يتحوّل بعضُ الناس بالنسبة لجيرانه إلى مصدر أذًى لا يُطاق؟ يرمون القاذوراتِ والطعامَ الفاسد وحفاظاتِ الأطفال خلف جدران الجيران في ظلمة الليل، ويُفرِغون مياه الغسيل ومخلّفات الأسماك على أطراف طريقهم، فينتشر العفنُ والرائحةُ الكريهة، حتّى يُخيَّل الجيرانُ أنّه لا راحة إلّا بمفارقة الدار والهجرة إلى غابة نائية!
إنَّ جمالَ البيت لا يكتمِل إلا بجمال الجار. أيّ نفع للإنسان إذا كانَ له بيتٌ حسن، وزوجةٌ صالحة، ومركبٌ مريح، ونعمةٌ وافرة، ثم يُبتلى بجارٍ لا يعرف طيبَ الكلام ولا حسنَ الخلق، جارٍ ضاق صدرُه وغلظ قلبُه وساءت صحبتُه ونسيَ واجبَه حتى صار كالمستنقَع الآسن؟
حقًّا، ينبغِي أن يكونَ الجارُ كالنفس في القُرب والمودّة. وقد قال النبيّ ﷺ وهو يشير إلى عِظم حقِّ الجار: ما زال جبريلُ يوصيني بالجار حتّى ظننتُ أنّه سيورِّثه. فانظر! جارُك الذي لا تربطكَ به رحم ولا نسب، جعل الإسلام له حقًّا عظيمًا حتى كاد أن يُشرَك في الميراث، فأيُّ رابطةٍ أعظم من هذه الرابطة الإنسانية الإيمانية؟
الجارُ في مفهوم الإسلام هو كلُّ شخص يقتربُ مسكنَه منك، سواءٌ كانَ مسلماً أو غيرَ مسلم. ويحدِّد العلماء دائرةَ الجوار بأنّها تمتدّ إلى 40 داراً من كلّ جِهة. ينقسم الجارُ في الإسلام إلى ثلاثة أنواع بناءً على الحقوق: الأوّل هو الجار المسلم القريب الذي له ثلاثة حقوق؛ حقّ الجوار، حقّ القرابة، وحقّ الإسلام. والثاني هو الجار المسلم غيرُ القريب الذي له حقّان؛ حقّ الجوار وحقّ الإسلام. والثالث هو الجار غير المسلم الذي له حقّ، هو حقّ الجوار، والإسلام يأمر بالإحسان إليه وكفِّ الأذى عنه.
فالمسلم يراعِي جيرانَهم، ويسأل عن أحوالهم، ويقاسِمهم الطعامَ ولو كان قليلًا؛ فإن لم يكن في القِدر إلا قليل من المرَق، فيضيفُ إليه ماءً ويبعثُ منه نصيبًا إلى جاره، كما أوصى الصادق المصدوق ﷺ لأبي ذرّ رضي الله عنه: يا أبا ذرّ، إذا طبختَ مرقةً فأكثر ماءَها وتعاهدْ جيرانَك.
فإنْ رزقَك اللهُ وأهلَك طعامَ عامٍ كاملٍ ولباسًا ودواءً ومسكَنًا، ثم بقِي عندك فضلٌ من رزق، فلتعلمْ أنّ حقًّا لذلك الفضل أن يمتدَّ أثرُه إلى تلك الأربعين دارًا التي حولك؛ فإنّ فيهم من يُعاني الفاقة، ومَن يبيت جائعًا، ومن لا يجدُ ما يسدّ حاجتَه. وإذا طلب فقيرٌ مِن هؤلاء العونَ في طعامٍ أو لباسٍ أو دواءٍ ممّن يقدر عليه، فقد وجب على القادر أن يُعينه، فإن لم يفعل، بقي ذلك واجبًا عامًا على جماعة المسلمين - فرضَ كفاية - حتى تُسدَّ الحاجة. أمّا من امتلأ قلبُه حقدًا وعداوة، وسعى لإيذائك متعمِّدًا، فذاك بابٌ آخر له حُكمُه، لكنّ الأصل في الجار هو السِّلم والرحمة، والواجب في حقّه باقٍ ما دام في حدود الإنسانية.
جارُك - أيًّا كان نسبه أو لونه أو ملّته - إنسانٌ مثلُك، له أبوان، وله زوجةٌ أو أولاد، وله شيوخٌ وأطفال، تأخذُهم الجوعُ والعطشُ والتعبُ والمرضُ كما تأخذكَ وأهلَك. وأنتَ تعلم - بعينك وقلبك - أن حالهم ليس بخير، وقد مرّت عليهم أيّامٌ لم يذوقوا فيها طعامًا دسِمًا، بينما أنتَ تخزّن الأرز والسمن واللحم في بيتك! فهل يَطيب لك أن تأكلَ حتّى الشبع وتنام قريرَ العين، وجارُك يبيت على الطَّوى؟ لقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبيّ ﷺ، قال: ما آمن بِي من بات شبعان وجارُه جائع إلى جنبه وهو يعلم به. حديثٌ ترتجف له القلوب، فالنبيّ ﷺ لَم يتحدّث عن كمال الإيمان هنا، بل عن أصل التصديق؛ كأنّه يقول: من كان كذلك، لم يذُق طعمَ الإيمان حقًّا.
فالإسلامُ لا يرضى بأن ينعزل المرءُ في أنانيّته، ولا أن يقول في غرور: أنا بخير، وأهلي بخير، فما لي ولغيري؟ هذا ليس من روح الدين في شيء. مثلا، أنتَ تُقلي السمكَ، أو تَطبخ اللحم، أو تُعِدُّ الحلوى، أو تشوي الدجاج، فحينها تتذكّر عن امرأة حامل في الجوار تشتهي رائحة الطعام ولا تقدر عليه، أوعن طفلٍ يتيمِ يتشمّم البخار ولا يجد لقمةً تملأ فاه، فحينها فقط تكون قد فهمتَ معنى الجيرة في ميزان الله.
الإسلامُ يطرحُ رؤيةً ساميةً في بناءِ مجتمعٍ إنسانيٍّ متماسك، أساسُه الجوارُ الحسن والتكافلُ والإحسانُ المتبادل. فمن مظاهرِ احترامِ رابطةِ الجيرة أن يشاركَ المرءُ جيرانه أفراحَه، وأن يدعوَهم إلى مناسباته، ويُقاسمهم ما عنده من طعامٍ أو فضلٍ من رزق. وإن كان أحدُ الجيران فقيرًا، وجبَ على القادر أن يُعينَه قدر طاقته، وإن لم يكن فقيرًا، فليكن العطاءُ دليلَ مودّةٍ وصحبةٍ طيبة.
لكنَّ الإسلامَ - وهو دينُ التوازنِ والحكمة - يأمرُنا أن نُعطيَ في حدودِ المشروعِ والممكن، فلا نُحمّل أنفسَنا ما لا نطيق، ولا نتجاوَز حدودَ ما أذن الله به. فلو كانت لِجارٍ غيرِ مسلم مناسبةٌ سعيدة - كزواج ابنته مثلًا - فلا بأسَ أن تُقدِّم له ما تيسّر من طعامٍ حلالٍ طيبٍ، كأن تُرسل له من الدجاج أو اللحم أو الحلوى ما تُعبّر به عن المودةِ والمشاركة. وكذلك لو كان لجارٍ آخر - غيرِ مسلم أيضًا - احتفالٌ بانتقاله إلى بيتٍ جديد، فلك أن تُهديه ما تشاء من لحومٍ أو طعامٍ حلالٍ، ما دام في ذلك إحسانٌ لا ريبةَ فيه.
غيرَ أنّ الإسلام يضعُ حدًّا واضحًا فيما يتعلّق بلحومِ الذبائح التي هي من شعائر العبادة. فالذبائحُ التي تُقدَّمُ لله تعالى - كالأضحية في عيد الأضحى، أو العقيقةِ عن المولود، أو النذر الذي يُذبحُ تقرّبًا إلى الله - هذه ذبائحُ تعبُّدية، لا يجوز أن يشارِك المسلمُ فيها أحدًا من غيرِ المسلمين بالأكل منها. وليس ذلك بدافعِ كِبرٍ أو تعالٍ أو كراهية، بل لأن هذه اللحومَ داخلةٌ في عبادةٍ مخصوصةٍ لا يُشرَك فيها أحدٌ إلا على الإيمان بها. فالمسلم لا يُهدي من لحم الأضحية إلى غير المسلم، لكن يمكنه - في اليوم نفسِه - أن يشتريَ من السوق لحمًا آخر، ويهديه لجاره في صورةٍ من صور الإكرام والمحبّة.
أما إنْ أهدى الجارُ غيرُ المسلم إلى المسلم طعامًا أو لحمًا، فلا بأس بقبوله وأكلِه ما دام مذبوحًا على الطريقة الحلال، وليس ممّا قُدِّم تقرّبًا إلى الأصنام أو الطقوس الباطلة، فالمؤمن لا يأكلُ مما قُدِّم لغيرِ الله، كما لا يرضى أن يُقدَّم له مثلُ ذلك.
فانظر كيف يُوازن الإسلام بين صفاءِ التوحيد وسموِّ الإنسانيّة، فلا يُقصِي أحدًا من دائرة الرحمة، ولا يُدخل في العبادة إلّا مَن وحَّد رَبَّ العالمين. الإيمان والعبادة شيء، والسُّؤَال عن السُّلامة الاجتماعية والمودّة بين الأمم شيء آخر. وهنا مَن يظنُّ أنّ التسامح والصداقة لا تنبتُ إلّا إذا مزجنا اعتقاداتِنا بطقوسِ الأديان الأخرى، فذلك خروج عن دائرة الإسلام، فاحذر كلّ الحذر عن الوقوع في مثل هذه الشعارات الفاسدة . الصداقة الحقيقية تُبنى على التماسُّك الإنساني؛ أن تبقى الطوائفُ المختلفة قائمةً كما هي، وتَتَشابكُ قلوبُ أتباعِها وتَتَضامَنُ على مستوى الإنسانية.
وزِد على ذلك هذا المعنى: في كثير من الأحيان نعطي الطعامَ للمحتاج بدافعِ الشفقة فقط، ونقول في أنفسنا: هؤلاء فقراء لا يملكون شيئًا! لكن حين نعطي، علينا أن نعطيَهم بنفسيّة الإكرام والإهداء، لا بقلب الاحتقار والدناءة. استخدَم النبيُّ ﷺ كلمةً تنبّهُنا إلى ذلك. حيث قال:مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ. أيُّ مقدارٍ من البلاغةِ في هذه العبارة! فالجار قد يكونُ غنيًّا أو فقيرًا، مُعلِّمًا أو تلميذا ، حَطَّابًا، إسكافا، أو سائلًا يتردَّدُ في الأزقَّة ، كلُّهم جيران يستحقُّون التكريمَ. إن أردنا أن نُسمّيه «جارًا» فقلوبنا ينبغي أن تتّسعَ لهذا المعنى.
وهناك من لا يعرفُ أصلًا من هو جارُه، ومنهم من يعيشُ في عداوةٍ دائمةٍ مع جيرانه لا يريدُ أن يراهم. فيبني أسوارًا عاليةً ويزرعُ أسوارًا من الأشجار والحُشائشِ لتُفصلَه عن الناس. وأحيانًا تسخرُ الطبيعةُ من تلك الفئة؛ الأشجارُ التي غُرِست لتُباعدَ بين القلوب تزهرُ وتضحكُ على نيّاتِ البُعدِ، فتُذكّرُنا أن الحواجزَ الماديّةَ لا تَبنِي جيرةً حقيقيةً ولا تمنع بذورَ الإنسانية من النماء.
هل تسقط مياهُ السقف من الميزاب من بيتنا على ساحة الجار؟ هل امتدّت أغصانُ شجرة في فناء بيتنا حتى تجاوزت الجدار وظلّت تُظلّل أرضَ الجار؟ هل انحنى جدارُنا حتى صار يوشك أن ينهار في أرضه؟ هل تنبعث رائحة كريهة من حظيرتنا فتؤذي من في بيته؟ هل تخرج شاةُ بيتنا فتمضغ نبتةً خضراء في بستانه؟ هل يرمي صغارنا الحجارة نحو شجرته المثمرة؟ كلّ هذه الأمور ينبغي أن نقف عندها، وأن نحاسب أنفسنا قبل أن يُحاسبنا الله. ليس المطلوب فقط ألاّ يصيب جارك ضررٌ من جانبك، بل أن يكون مطمئنًّا منك تمام الاطمئنان - يشعر بالأمان الكامل منك ومن بيتك ومن أهلك. كما قال الحبيب المصطفى ﷺ في حديثٍ تقشعرّ له القلوب: عن أبي شريحٍ رضي الله عنه، أنّ النبي ﷺ قال: والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمنُ جارُه بوائقَه. أقسم النبي ﷺ ثلاث مراتٍ ، ليغرس في قلوبنا أن الإيمان ليس صلاةً وصوماً فحسب، بل هو أيضًا أمانٌ وخلقٌ ورحمةٌ مع الجار.
قد تملك دائمًا مبرراتك في إيذاء جارك، وتجد ألف حجّة لتثبت أنك على صواب، لكن هل حقًا أنتَ إنسانٌ طيب؟ هل إيمانك نافعٌ لغيرك؟ الجواب لا يكتبه لسانُك ولا يُحدِّده ظنُّك بنفسك، بل يكتبه الجار، ذاك الذي يراك عن قرب، ويسمعُك حين تغضب، ويعيش إلى جانبك كلّ يوم. فإن قال جارك: نِعمَ الجار هو، فهنيئًا لك، لقد نجحتَ، وإن قال: ساءني جواره وأذاني، فاعلم أنّك خاسر، مهما أكثرتَ من صلاةٍ وصيام. وهذا ما علَّمَنا الحبيب ﷺ بحديثٍ جليلٍ واضحٍ: عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رجلٌ لرسول الله ﷺ: كيف لي أن أعلم إذا أحسنتُ وإذا أسأتُ؟ فقال النبي ﷺ: إذا سمعتَ جيرانك يقولون: قد أحسنتَ، فقد أحسنتَ. وإذا سمعتَهم يقولون: قد أسأتَ، فقد أسأتَ.
سنختم هذه المقالة بخبر يهوديّ كان جارا لعبد الله بن المبارك من أئمة السلف الذين شهد لهم بالعلم والخُلق والعبادة، فأراد اليهوديّ أن يبيع داره ، فقيل له: بِكَمْ تبيع ؟ قال : بألفين . فقيل له : لا تساوي إلّا ألفا . قال : صدقتُم ولكنْ ألفٌ للدار، وألفٌ لجوار عبد الله بن المبارك! فإنّ هذا اليهودي الذي يخالف دين عبد الله بن المبارك يثمِن جواره! هكذا علَّمنا الصالحون أنّ نعمة الجار الصالح لا تُقدَّر بذهبٍ ولا فضة، وأن البيت لا يُعمر بالحجارة، بل بالأخلاق التي تحيط به.






