هل يحتاج أحدٌ إلى دليلٍ لإثبات أن نظام الأسرة عند الإنسان يختلف عن باقي المخلوقات؟ أحقًّا صرتم تجهلون هذا القدر من الأمور؟ الانسان يختلف عن سائر الحيويانات ، كلُّ شيءٍ عنده مختلف، طعامه وشرابه ولباسه ، جلوسه وقيامه ومشيته، كلُّها متميزة. فالشاة -مثلا- تأكل كلَّ ما تراه أمامها، سواء كان لها أو لجارها أو لغريبٍ عنها ، أو لصديق أو لعدوٍّ لها، حتى لو كان في يد طفل صغير، أو كان فاسدًا أو مهروسًا أو عفنًا، فلا فرق عندها بين هذه الأمور التي يعتبرها الإنسان ويهتم بها.
أمّا الإنسان فليس كذلك أبدًا. ويتميّز عن سائر المخلوقات في كلِّ شيء، فإنّ نظامه الأسري والزواجي يعلو على غيره بدرجاتٍ كبيرة، وهذا أمرٌ ضروري لا بدّ منه. لكي يتكوّن نظام الأسرة، يجب أولًا أن يكون هناك رجل وامرأة، وأول من جمع بينهما هذا الرابط الإنساني في التاريخ هو النبيّ آدم عليه السلام والسيدة حواء رضي الله عنها، ومنهما انحدرت سلالة البشر.
الاتحاد بين الرجل والمرأة من خلال الزواج ليس غايته الجنس فحسب، فلو كانت الغاية مجرد الإشباع الجنسي لَما كانت هناك حاجة إلى أيّ نظامٍ أو ضوابط معقّدة. ألا ترى الحيوانات؟ حين تشتعل فيها الشهوة تهجم على أوّل من تصادفه؛ قد تكون أمّها، أو ابنتها، أو عمّتها، أو صديقة قريبها، لا فرق لديها! ، والأمر الذي يهمها أن تُشبع رغبتها الجنسية.
ومع ذلك، يوجدُ في كل زمانٍ أناسٌ يتمنّون لو كانوا مثل تلك الحيوانات، لا قانون يقيّدهم ولا نظام يلزمهم. واليوم ازداد عدد هؤلاء قليلًا، وبدأت أصوات بعض المنظمات باسم رعاية الحيوان التي تدعو إلى الجنس المنفلت دون قيد أو ضابط تجد شيئًا من القبول في المجتمع، وهم يسعون جاهدين لتحويل هذا الانحراف إلى حركةٍ قائمة بذاتها.
إنّ الإنسان مخلوق يتميّز بالعقل، و لا يعيش فقط بدافع الغريزة مثل الحيوان، بل يملك قدرة على التفكير والتمييز بين الخير والشر، والبحث عن المعاني والقيم الرفيعة في الحياة، مثل الحقّ والعدل والرحمة والجمال. فهو لا يعيش فقط ليأكل ويشرب ويشبع رغباته الجسدية، بل يتجاوز الأمور المادية إلى القيم الروحية والمعنوية. بل حتى بعض الحيوانات أحيانًا تُظهر سلوكًا فيه نوع من السموّ أو الارتفاع عن المادة. تأمّل الدجاجة التي فقست بيضها وخرجت صغارها، تظل تناديهم بصوتٍ حنون: خق خق خق، تحميهم من الأعداء، وتُقدّم لهم ما تجد من طعام، لا تأكل إلا قليلًا، بل تشعر بلذّة داخلية حين ترى صغارها يلتقطون ما وجدت لهم من حبوب. تلك اللذّة لا يمكن التعبير عنها بالكلمات، إنّها ليست مادية ولا جسدية، بل هي شعور أرفع وأسمى.
و مثل الأمّ التي تضحّي بنفسها لحماية صغارها، أنظر إلى الـمَـهَاة (أنثى الغزال) التي تجرفها مياه النهر مع صغيرها. حين ترى تمساحًا يقترب ليفترس صغيرها، تدرك أنّ ابنتها على وشك الموت، فتُفضّل أن تَظهر هي نفسُها بدلاً من ولدها، فتتقدّم نحو التمساح، لتُضحّي بنفسها لينجو صغيرها. ذلك الشعور الذي يغمر قلبها وهي تموت من أجل حياة وليدها لا يمكن وصفه بالكلمات. إنّه شعور غير مادي، سامٍّ، روحيٌّ صرفٌ.
ومع أنّ في عالم الحيوان ومضاتٍ من هذا السموّ، فإنّها تبقى محدودة وغير مكتملة. فحتى تلك الدجاجة نفسها، بعد مدة من الزمن، تبدأ في طرد صغارها وتمنعهم من الاقتراب، كأنّها لم تعرفهم من قبل، وهو مشهد يثير الألم في القلب. ألا كان أجدر بها أن تودّعهم بحنان، وتقول: كبرتم الآن يا أحبّتي، اعتمدوا على أنفسكم، ولا تنسوا زيارتنا أحيانًا؟ لكن لا، بل تراها تنقرهم بقسوة! أليس هذا يثير فينا تساؤلًا: أيفعل الإنسان مثل هذا بأبنائه؟ بل إنّ بعض الحيوانات تأكل صغارها، كالقطّة التي تلد ثم تَلتهِم أحد صغارها، أو بعض الحيوانات التي تفعل ذلك حين يقلّ الطعام أو يضعف نسلها. الحيوان ليس إنسانًا، والإنسان لا يجوز له أن يصير حيوانًا آخر.
الزواج أسمى من الرغبة الجسدية، حيث يتحول الدافع الغريزي إلى أساس لبناء أسرة، وتتحقق فيه شراكة قائمة على التفاهم والاحترام والمسؤولية، لتكوين وحدة اجتماعية أساسية. يبحث الرجل عن المرأة المناسبة، فيصير زوجًا، ثم أبًا، ثم عمًّا، ثم جدًّا، وتستمرّ بذلك سلسلة الحياة. وقد وضعت الأديان نظمًا وتشريعات دقيقة لتنظيم هذا البناء. العلاقة الزوجية في المنهج الديني ليست كإشباع أي حاجةٍ جسدية أخرى، بل هي ميثاقٌ عظيم بين شخصين، معاهدةٌ قوية يتقاسمان فيها كل تفاصيل الحياة، جسدًا وروحًا. ولذا سمّاها القرآن الكريم ميثاقًا غليظًا أي عهدًا متينًا. فهو ليس لهوًا ولا عبثًا، ولا مغامرةً عابرة ،كالتي تقوم بها الحيوانات، بل هو عقد حياةٍ كاملة، يمتدّ حتى آخر العمر، يجمع بين القلب والجسد ، والعقل والروح ، في وحدةٍ مقدّسة.






