بِعْتَ البيت!!
بِعْتَه؟
وبِكَم؟
بثمن زهيد!
ما الحكاية؟ اسمع القصة…
إنها قصة ــ بل حقيقة ــ تتعلّق برجل يبيع الخضار. كان يملك كشكًا صغيرًا بدأ به حياته. ثم ازدهر عمله شيئا فشيئا، واتسعت تجارته، حتى أصبح واسع الرزق وفير الدخل. فقد نشأ في فقر شديد، فلما وفر المال شعر برغبة جامحة: "لا بدّ أن أمتلك بيتا فخما كبيرا!". وهكذا رسم مخططا ضخما، وبدأ بناء بيت فاخر بكل حماس.
لكن ما إن مضى البناء في منتصف الطريق حتى وجد نفسه عاجزا عن تحمّل التكاليف! ولكن كيف يتراجع؟ أليس في ذلك فضيحة؟ واصل العمل، فاستدان مضاعف ما أنفقه على الأساس، ليُتم التشطيبات الفاخرة، ما يظهر البيت بأروع صورة ممكنة. جعله يلمع لمعانا يُدهش الناظرين والمارة. تسعة حمّامات موزّعة بين الطابقين! وأعمال ديكور فاخرة في كل مكان… حتى المطبخ لم يسلم من التفاصيل الباهظة.
لكن في المقابل، كانت الديون والقروض تتراكم فوق رأسه! ولم يكتفِ بذلك… بل أراد "حفل دخول البيت" أن يكون أسطوريّا. أرز، مندي، ومنتي، وبرياني، ونودلز، وبوروتا، وعصائر، وحلوى ولحوم بأنواعها… مهرجان كامل من المأكولات. وقد تمّ كل ذلك كما أراد.…
ثم جاء الشهر التالي…
فإذا بقسط ضخم ينتظره!
أكبر بثلاثة أضعاف دخله تقريبا!
حاول خمسة أشهر أن يصمد، يستدين ويستعين… لكن لم يعد هناك مخرج ولا حلول تجدي. بدأ ذهنه يتعب، وجسده ينهار.
زادت الأمور سوءا حين بدأت الخلافات مع زوجته. فقد كانت تُحذِّره من البداية: "لا ضرورة لهذا البيت الضخم… يكفينا بيت صغير يناسب قدراتنا.". وهي في الأصل امرأة نشأت في بيت ميسور، لكنها كانت واعية ومدركة لأوضاعهم المالية.
وخلاصة الأمر: اضطر إلى بيع البيت. ولكن عندما عرضه للبيع، لم يجد من يشتري ذلك المنزل الفاخر الضخم. فالقرية صغيرة داخلية، وأهل المدن والكبار لا يلتفتون لمثل هذه الأماكن. الناس لم يكونوا مستعدين لدفع أكثر من نصف ما أنفقه عليه. يا لها من أيام عصيبة! كل من جاء ليرى المنزل انصرف، وكل محاولة باءت بالفشل. وفي النهاية، راح يتوسّل للسماسرة أن يجدوا مشتريا بأي طريقة. وكالعادة، هم لا يفوّتون مثل هذه الفرص!
وأخيرا اشتراه أحد الأثرياء ليسكن فيه زوجته الثانية، وبثمن بخس. بل أُضيف إلى الصفقة تبادلٌ مع قطعة أرض برية في منطقة جبلية نائية، مليئة بالقِردة والخنازير البرّية! واليوم: الرجل، وأهله، وعمله… كلهم يذوبون بين جدران بيتٍ مستأجَر.
فالإقدام على بناء بيت جديد يجب أن يكون بعد جمع عوامل الحاجة، وقدرة المال، وإمكانات الدخل في ميزان واحد. لا ينبغي التضحية بالعمر كله وبالمستقبل كله من أجل نشوة يوم واحد في حفل افتتاح المنزل، كما فعل أولئك الشباب الذين انتهى بهم الحال في وحل الديون. فليكن ما حدث لهم درسًا لكل هواة المظاهر ولجان الاستعراض!
والآن قبل أن نتابع، هناك سؤال واحد: هل وقع مثل هذا في بلدكم أو في محيط معارفكم؟ إن لم يكن، فاذهبوا وابحثوا عن قصة واقعيّة مشابهة، ثم تابعوا القراءة! أما الذين عرفوا مثل هذه الأحداث… فتفضلوا معنا، هيا بنا!
يُحدّثنا النبي ﷺ عن أربع من أسباب السعادة في حياة الإنسان، ثم يذكر مقابلها من أسباب الشقاء. فالسعادة:المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء. لاحظوا… كلها أمور أساسية يحتاجها كل إنسان.
وعكسها تماما هو الشقاء ؛- الجارُ السوء، والمرأةُ السوء، والمركبُ السوء، والمسكنُ الضيّق
ولا بد من فهم نقطة مهمة: البيت الواسع المقصود في الحديث لا يعني القصر الفاره الذي بناه بائع الخضار! عند شراء البيت ينبغي النظر إلى أمرين أساسين: حاجتنا الفعلية، وما نملكه من مال. والثاني هو الأهم.
فقد يحتاج من لديه أربعة أو خمسة أبناء إلى بيت واسع، لكن ذلك لا يعني أن يبدأ مشروع قصر ضخم بلا مال كاف، معتمدا على القروض والديون. فهذا تهوّر قد يورث الندم.
وفي المقابل، قد يكون المرء ذا مال واسع، لكنه لا يحتاج إلا إلى بيت صغير، ثم يشتري بيتًا ضخمًا متعدد الطوابق، يحيط نفسه بأسوار شاهقة… وهذا خطأ من نوع آخر.
نحن أبناء الطبقة المتوسطة؛ لا ينبغي أن نتظاهر بما لسنا عليه، ولا أن نضيّق على أنفسنا بالبخل فنشقى في بيوتنا.وقد وصف القرآن البيت بأنه سكن: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ (النحل: 80)
والسكن -ومنه المسكن- يعني السكينة والطمأنينة والسلام. وهذه لا تُنال في مسكنه إلا إذا كانت الزوجة رفيقة هادئة، وكان البيت نظيفا مرتبا، والهواء فيه نقيا، والرائحة طيبة. فليس من اللائق بالزوج أو الزوجة أو الأبناء - فضلا عن الضيو - أن يحولوا البيت إلى ساحة فوضى وفساد، بل الواجب أن يكون ميدانا للصلاة والذكر والعبادة. هناك فقط، يزهر البيت ويشرق.
تخيّل أنك ذهبت إلى حديقة بشغف، ثم وجدت أشجارها يابسة وأزهارها ذابلة… ألا ينقبض صدرك؟ هكذا يكون البيت إذا خلا من الطاعات. وفي الحديث: «مثل البيت الذي يُذكَر اللهُ فيه والبيت الذي لا يُذكَر اللهُ فيه كمثل الحي والميت» (مسلم).
وليس من الحكمة أن يكون بيتنا مفتوحا لكل أحد بلا إذن، ولا أن ندخل بيوت الناس بغير استئذان. فالبيت قلب الخصوصية، ولا بد من الإذن والسلام للدخول، مصداقا لقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا (النور ٢٧ )






