تجربة أحد القراء: عند الاطلاع على سفر إشعياء (الإصحاح 42:41-44) في الكتاب المقدس العبري، أن النص يصف صفات نبيّ مرسل إلى الناس كافة، ولم يلاحظ في قراءته الأولى عن ذكر اسم النبي في ذلك النص، ولكن لمّا قرأ هذا النص العبري مؤخّرا، استطاع من غير قصدِ أن يقرأ اسم “أحمد” في سفر إشعياء.
ما هي المشكلة ؟ هي أنّ الكلمة المكتوبة في العبرية عن (أحمد) تستطيع أن يقرأ أيضا (إثموك) بتحريف طفيف في الكتابة. عند التدقيق في النصّ العبري، يظهر أنّ هناك فرقًا طفيفًا بين كلمتي:
- אתמך – تُقرأ إثموق
- אחמד – تُقرأ أحمد
وبالمقارنة، كلتا الكلمتين متقاربتان جدًّا من حيث الحروف، لذا لم يكن مستغربًا أن يُخطئ القارئ. ومن المعروف أن القرآن الكريم يشير إلى أنّ بعض كلمات الكتب السابقة قد تمّ تغيير مواضعها أو تحريفها وفق مصالح الكهنة.
حتى لو لم يرد اسم أحمد صراحة في تنبؤات إشعياء، فإن هناك عدّة دلائل على أنّ النصّ يتحدّث عن النبي محمد ﷺ.
وهذه هي ترجمة النص المذكور:
ها هو ذا عبدي الذي أدعمه، المصطفى، قد رضيتُ به، يُمنح له قوة روحية إلهية. سيقيم العدلَ بين الناس، ولا يصيح ولا يصرخ ولا يرفع صوتَه في الشوارع تواضعا، قصبةً مسقطة لا ينكسها (بل يرحم على الضعفاء) ، وشعلةً خفيفة لا يطفئها ( يبلّغ الحق بأمانة) حتى يثبت القانون على الأرض. تنتظر الجزرُ شريعته ( تعمّ شريعته في جميع البلاد) . (إشعياء 42:41-44)
هذا الوصف يطابق صفات النبي محمد ﷺ لأنه في حماية الله ، والمختارُ من الخلق وحبيبُه، معتدل اللسان، لا يرفع صوته في الأسواق، ويحرصُ على إقامة العدل.
وهناك مثال حيّ من سيرته عندما سرقت امرأة من بني خزيمة، فعندما قُبض عليها، استشفع في أمرها الصحابيّ أسامة بن زيد بأن يُخفّف عنها العقاب ، فأجاب النبي ﷺ: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعتُ يدها.
نعم، توقّعتْ جزيرةُ العرب لقدومه، وعمّ دعوته في جميع العالم حتى لم يبق اليوم بلد لا يعرف النبي صلى الله عليه وسلم في خريطة العالم. كما ورد في كتب الأحاديث عن كعب الأحبار نقلا عن التوراة ، قال الله تعالى : عبدي المتوكّل المختار ليس بفظّ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح .
لقد ورد هذا الحديث الشريف في طرق متعددة، نقلها الإمام البيهقي وغيره من أهل العلم، وكلها تؤكد أن البشارة ليست متوجّهة إلى المسيح عيسى عليه السلام. والدليل على ذلك أن الأناجيل نفسَها تشهد بأن يسوع في آخر لحظات حياته على الصليب قد نادى بأعلى صوته: « إيلي إيلي لَمّا شبقتني؟» أي: «إلهي إلهي، لماذا تَركتَني؟» (متى 27:46). فكيف يستقيم أن يكون هو المقصود بالبشارة التي تتحدث عن عبدٍ مختار منصور، يقيم العدل في الأرض، وتنتظر شريعته الأمم؟
إن النص الوارد في سفر إشعياء يصف نبيًّا عظيمًا مصلحًا عالميًّا، صفاته تنطبق على محمد ﷺ، لا على عيسى عليه السلام. وما على الباحث إلا أن يتأمل هل ورد في ذلك النصّ ذكرُ اسم نبيّ بعينه؟ الكلمة الأولى في النص العبري:
הן עבדי אתמך בו בחירי هين عَبدي أتمِخ بو، بَحِيري
وترجمته: «هوذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سُرّت به نفسي».
ويذهب بعض المحققين من أهل الإسلام إلى أن القراءة الصحيحة قد تكون:
הן עבדי אחמד בו בחירי هين عَبدي أحمد بو، بَحِيري
أي: «هوذا عبدي أحمد، مختاري الذي سُرّت به نفسي».
والفرق بين «أتَمِخ» و«أحمد» في رسم الحروف العبرية القديمة يسيرٌ جدًا، لاسيما وأن النصوص العبرانية في ذلك العصر لم تكن مشكولة بالنقط والحركات، ممّا يجعل احتمال التحريف أو التغيير وارداً بقوة.
لكن حتى لو سُلّم بقراءة «أتَمِخ»، فإن باقي النصّ في سفر إشعياء يُثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن المقصود ليس اليسوع، وإنما النبي الخاتم ﷺ بسياق الكلام الباقي:
- «لا يصيح ولا يرفع صوته» إشارة إلى سكينة خُلُقه ووقاره.
- «لا ينكسر ولا ينحطم حتى يضع الحق في الأرض» إشارة إلى ثبات دعوته حتى إعلاء دين الله.
- «تنتظر الجزائر شريعته» إشارة إلى أن رسالته ستكون عالمية.
- «يجعل البرّ في الأرض نورًا» وصف جامع لشريعة الإسلام.
ولذلك قال علماء المسلمين: هذه النبوءة لا تنطبق على يسوع الذي جاء رسولًا إلى بني إسرائيل خاصة، وإنّما على محمد ﷺ الذي بُعث للناس كافّة. ولها تبريرات عديدة:
الأول: إن القرآن نفسه قد حسم الأمر ببيان أن عيسى بشّر صراحة باسم النبي الخاتم:
﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُم مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6].
فإذا كان الإنجيل الأصليّ قد تضمّن هذه البشارة، فلا يُستبعد أن تكون النسخ العبرية أو السريانية القديمة تحمل اسم «أحمد»، لكن يد التحريف التي امتدّت إلى الكتب السابقة غيّرت بعض الألفاظ وأضعفت ظهور الاسم، غير أن الصفات العامة بقيت ناطقة بالحق، شاهدة لمن أراد التدبر والإنصاف.
الثاني : ذكر القرآن الكريم في عدة مواضع أن الأحبار والرهبان حرّفوا الكتب السماوية لأغراضهم النفسية. مثلا، سورة النساء ( 46) سورة المائدة (13) سورة المائدة ( 41)
فظاهر أنّ التوراة الأصلية ذكرت الاسم "أحمد" بالفعل، وهو ما أكّد القرآن، وأنّ النصّ العبري الحالي قد أُجريت عليه تغييرات لإخفاء الاسم، فجاء "إثموق" بدل "أحمد."
ثالثًا: لقد قرأنا سابقًا كيف أنّ أولئك الذين فهموا النبيّ من خلال الكتب السماوية واعتنقوا الإسلام قد عرّفوه بهذه الصفات نفسها.
رابعًا: فقد ورد في بعض الروايات أن اسمه هو "أحمد" بالذات، وقد أورد ذلك ابن عساكر في تاريخ دمشق عن كعب الأحبار: وأجد في التوراة ما يلي: أحمد، عبدي المختار، ليس فظًّا ولا غليظًا، ولا صاخبًا في الأسواق، ولا يردّ السيئة بالسيئة، بل يعفو ويغفر.
وعندما تحدّث كتب الأحاديث والشمائل النبوبة عن كثير من الذين اعتنقوا الإسلام مستندين إلى فهمهم للنبي صلى الله عليه وسلم من كتبهم المقدسة، كان من الطبيعي أن يتساءل المرء: هل توجد إشارات واضحة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم في الكتب المقدسة المتاحة اليوم؟ ويؤمن المسلمون بأن الكتاب المقدس قد تعرض للتحريف، وقد ذكر القرآن الكريم في مواضع متعددة تدخل الكهنة في التلاعب بالنصوص. لذا، لا يجوز افتراض أن كل صفة للنبي موجودة كما هي في النصوص الحالية للكتاب المقدس.
ومع ذلك، هناك نصوص في الكتاب المقدس اليوم يمكن أن نعتبرها مؤشِّرة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم. فليس الاسم والصفات فقط مما ورد، بل ذكر أيضًا مكانة هذا الاسم وعظمته. يقول المزمور في سفر داود:
اسمه باقٍ إلى الأبد، وسُمعته تدوم إلى دهر الشمس. كلّ الأمم ستبارك به، وهم يسمونه المبارك. (مزمور 72:17)
إننا نتذكر ما ذكرناه عن مكانة النبي وسمعته، ونجد أيضًا إشارات عن مكة، والقرآن، وأصحاب النبي في الكتاب المقدس. يقول سفر التكرار: «جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سِينَاءَ وَأَشْرَقَ لَهُمْ مِنْ سِعِيرَ وَأَضَاءَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ. مع يمينه نار متّقدة، ومع آلاف القدّيسين جاء. (تكرار 1،2،3 :33)
إن مجيء الربّ من سيناء هو تنزيل التوراة، فموسى عليه السلام نزل له التوراة من جبل سيناء. وما ظهر في سَعِير هو إشراقة الإنجيل. وما شاهده يسوع في جبال سَعِير هو الظهور الموحى به.
أما ظهور النبي في جبل فاران، فهو عن تلقيه القرآن، فـ"فاران" في الكتاب المقدس يعني مكة، كما جاء في تكوين 21:21 عن موطن إسماعيل.
ويظهر أيضًا أن النار أو النور في يده اليمنى ترمز إلى القرآن الكريم، وأن آلاف الصحابة هم من يرافقونه، وهذا استنتاج معقول.
ويشير نبوءة حبقوق إلى أنّ القدوس جاء من جبل فاران، وعظمته تعانق السماء، والأرض تسبحه، ونوره يشع كالنور (حبقوق 3:34).
وأما عن النبي، فقد ورد في سفر التكرار: فقال لي الربّ: كلّ ما قالوه صحيح، سأرفع لهم نبيًّا من إخوانهم مثلَك، وأملأ فمه بكلماتي، فيتكلّم بما أمرته به، وكلماتي التي يقولها باسمي سأحاسب بها أولئك الذين لا يسمعون.( تكرار 19-17: 18)
وقد حاول بعضهم تفسير هذه النبوءة على أنها عن يسوع، وهذا غير صحيح، لأن ميلاده، وحياته، ودعوته، وأسرته، ووفاته، تختلف تمامًا عن حياة موسى عليه السلام، بينما محمد صلى الله عليه وسلم يشبه موسى في هذه النواحي.
انظر: وُلد يسوع بلا أب، وهل وُلد محمد صلى الله عليه وسلم وموسى عليه السلام بلا أب؟ لا. هل عاش يسوع حياة أسرية أو هاجر؟ لا. أما موسى والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقد عاشا حياة أسرية وهاجرا. ومات يسوع على الأرض؟ لا، بل رُفع إلى السماء، أما موسى والنبي محمد صلى الله عليه وسلم فماتا على الأرض. هكذا، فإنّ النبي الذي جاء من بني إسماعيل هو محمد صلى الله عليه وسلم فقط، ولا خلاف في ذلك.
لقد ذكرنا في البداية أن بعض نصوص الإنجيل تحمل بشارة صريحة بقدوم نبي بعد عيسى عليه السلام. ومن أبرزها كلمة "البارقليط" التي جاءت في إنجيل يوحنا في عدة مواضع (الإصحاح 14 و15 و16). وقد تُرجمت في النسخ الحالية إلى: المعزّي، روح القدس، روح الحق، المساعد، الباراقليط... بحسب اختلاف المترجمين.
لكن النص اليوناني الأصلي يحمل كلمة پيريكلتوس (Periklytos) التي معناها: المحمود جدًا، الذي يستحق الحمد مرارًا وتكرارًا. وهذا المعنى يقابل تمامًا في العربية كلمة أحمد.
وقد صرّح علماء المسلمين أن هذا النص قد حُرّف في الترجمات، فاستُبدلت كلمة "أحمد" بما يناسب العقيدة الكنسيّة، فجعلوه "اروح القدس" أو "المعزّي"، في حين أن الأصل يدلّ على اسم النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، الذي بشّر به عيسى بن مريم عليه السلام . لقد جاء في إنجيل يوحنا على لسان المسيح عليه السلام كلمات بالغة الدلالة:
إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما إذا جاء روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلّم من نفسه، بل كلّ ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية (يوحنا 16: 12-15)
وأما روح القدس، فهو يعلّمكم كل شيء، ويذكّركم بكلّ ما قلته لكم.(يوحنا 14: 26)
وأنا أطلب من الأب فيعطيكم معزيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد. (يوحنا 14: 15-16)
وهذه الأوصاف التي ذكرها المسيح تنطبق تماما في محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا ملخصه:
- أنه يأتي بعد عيسى: وقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم بعد رفع المسيح.
- أنه يرشد إلى جميع الحق: وهو ما كان من شأن النبي الذي جاء بالوحي الخاتم، القرآن.
- أنه لا يتكلم من عنده: كما قال تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم: 3-4].
- أنه ينبئ بالغيب ويخبر بالآتي: وقد وقع منه صلى الله عليه وسلم من الأخبار المستقبلية ما صدقه الواقع.
- أنه يبقى ذكره إلى الأبد، ويكون مع المؤمنين أبد الدهر: وقد تحققت هذه النبوءة في دوام رسالته وخاتميتها.
وهكذا يظهر أن "البارقليط" ليس روحًا مجرّدًا، بل هو بشر مصطفى، نبي مُرسل، صفاته وأعماله لا تنطبق إلا على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وقد جاء في القرآن ما يطابق ذلك: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾[الأنعام: 20]. ولقد ترجم رجال الكنيسة الكلمة اليونانية الأصلية (Παράκλητος – باراكليتوس) بمعنى "المعزي" أو "المعين" أو "المؤيد"، غير أن الدراسات اللغوية تشير إلى أن اللفظ الصحيح قد يكون Περικλυτός – بيركليتوس، ومعناه: المحمود جدًا، أو الجدير بأعظم الثناء. وهذا المعنى يطابق تمامًا اسم "أحمد" في اللغة العربية، وهو الاسم الذي بشّر به عيسى قومه كما جاء في القرآن الكريم: فكلمة "أحمد" – بمعنى الأكمل حمدًا والأعظم ثناءً – تقابل تمامًا معنى "بيريكليتوس". وهذا ما جعل علماء الإسلام يتيقنون أن المقصود بهذه البشارة هو النبي محمد ﷺ، لا "الروح القدس" الذي يؤمن النصارى أنه حلّ يوم العنصرة على الحواريين، لأن الروح القدس كان حاضرًا من قبل، ولم يكن "مُرسلاً" بعد المسيح كما تصرح به هذه النصوص. إذن، فالنصوص التي في يوحنا ليست إلا بشارة صريحة بالنبي الخاتم، الذي لم يتكلم من نفسه بل كان وحيًا يوحى، وأخبر الناس بالغيوب، وجاء بشريعة باقية إلى الأبد.




