كانت مكّة تشهد سوقها الشهير، وفي صباح يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأوّل، ارتفع صوت غريب وسط الزحام، رجل يهودي ينادي بأعلى صوته: أيها القوم، هل وُلد فيكم الليلة مولود؟
التفت الناس إليه متعجّبين، وقالوا: لا نعلم. فأعاد سؤاله بإصرار ثم قال: اعلموا أن نبيّ هذه الأمة، أحمد، قد وُلد الليلة، وعلامته أن بين كتفيه ختماً صغيراً تحيط به شعيرات.
أثار ذلك دهشة القوم، فتوجّهوا إلى بيوتهم يستقصون الخبر. فإذا بهم يجدون أن آمنة بنت وهب، زوجة عبد الله، قد ولدت طفلاً سمّوه محمداً ﷺ. فهرعوا بالخبر إلى اليهودي، فقالوا: قد وُلد لعبد الله مولود، وسمّوه محمداً.
عندها طلب اليهودي أن يراه، فلما نظر إلى ظهره الشريف ورأى العلامة، خرّ مغشياً عليه، ثم أفاق وهو يقول: لقد زالت النبوّة من بني إسرائيل، وها هي ذي قد نزلت في العرب. لقد فازوا بالرسالة، فهنيئاً لهم.
لقد كان علماء أهل الكتاب يعلمون بقدوم النبي الخاتم، ويُبشّرون به أقوامهم، حتى إنّ بعض العرب سمّوا أبناءهم محمداً طمعاً أن يكون هو النبي المنتظر. ومن ذلك ما رواه خليفة بن عبدة المنقري؛ قال: سألتُ محمد بن عدي بن ربيعة: كيف سمّاك أبوكَ في الجاهلية محمّدًا؟ قال: أما إني سألتُ أبي عمّا سألتَني عنه؛ فقال: خرجْتُ رابعَ أربعة من بني تميم أنا أحدهم، وسفيان بن مجاشع، ويزيد بن عمرو بن ربيعة، وأسامة بن مالك بن جندب نريد ابن جفنة الغسّاني بالشام، فلما وردنا بالشام ونزلنا على غَدِير وعليه سَمُرات وقُرْبه قائم الديراني، فقلنا: لو اغتسلنا من هذا الماء وادّهنا ولبْسنَا ثيابنا، ثم أتينا صاحبنا؛ ففعلنا فأشرف علينا الديراني ( الراهب اليهودي في الدير) ؛ فقال: إن هذه للغة قوم ما هي بلغة أهْل هذا البلد! فقلنا: نحن قوم من مُضر، قال: من أيَّ المضائر؟ قال: قلنا: مِنْ خِنْدف، فقال: أما إنه سيُبْعَث منكم وشيكًا نبيّ؛ فسارِعوا إليه وخذُوا حظَّكم منه ترشدوا؛ فإنّه خاتم النبيين، فقلنا: ما اسمُه؟ قال: محمّد، فلما انصرفنا من عند ابن جَفْنَة، وُلد لكل واحد منا غلام فسمّاه محمدًا لذلك رجاء أن يكون هو ذلك النبيّ!.
ولم يقف الأمر عند مجرد التبشير بالاسم، بل كان لدى أهل الكتاب أوصاف دقيقة لهيئته الشريفة، حتى إنّ بعضهم عرض صورته في كنائسهم. يقول جبير بن مطعم : لما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم ، وظهر أمره بمكة ، خرجت إلى الشام ، فلما كنت ببصرى أتتني جماعة من النصارى فقالوا لي : أمن الحرم أنت ؟ قلت : نعم . قالوا : فتعرف هذا الذي تنبأ فيكم ؟ قلت : نعم . فأدخلوني ديرا لهم فيه صور فقالوا : انظر هل ترى صورته ؟ فنظرت فلم أر صورته ، قلت : لا أرى صورته . فأدخلوني ديرا أكبر من ذاك فنظرت ، وإذا بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصورته وبصفة أبي بكر وصورته ، وهو آخذ بعقب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالوا لي : هل ترى صفته ؟ قلت : نعم . قالوا : أهو هذا ؟ قلت : اللهم نعم ، أشهد أنه هو . قالوا : أتعرف هذا الذي أخذ بعقبه ؟ قلت : نعم . قالوا : نشهد أن هذا صاحبكم ، وأن هذا الخليفة من بعده .
ومن الأخبار الباعثة على الاعتبار ما رواه عمرو بن عبسة، يقول: كنت وأنا في الجاهلية، أظن أن الناس على ضلالة وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل من أهل الكتاب بمكة يخبر أخبارا، فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه، فإذا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مستخفيا، جراء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟، قال: أنا نبي، فقلت: وما نبي؟، قال: أرسلني الله، فقلت: وبأي شيء أرسلك؟، قال: أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان، وأن يوحّد الله لا يشرك به شيء، قلت له: فمن معك على هذا؟، قال: حرّ وعبد، ـ قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به ـ، فقلت: إني متبعك، قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟، ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني .
قال: فذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخبّر الأخبار، وأسأل الناس حين قدم المدينة، حتى قدم علي نفر من أهل يثرب من أهل المدينة، فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سُراع، وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك .فقدِمْتُ المدينة فدخلت عليه فقلت: يا رسول الله، أتعرفني؟، قال: نعم، أنت الذي لقيتني بمكة؟، قال: فقلت: بلى.
نعم! لقد كان العالم كلّه يترقّب ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم ،وكان مولده ﷺ حدثاً انتظرته الأرض والسماوات. فقد سبقت الإشارة إليه في الكتب السابقة، تُتلى أوصافه وتُذاع أخباره: اسمه، وبلده، وبيته، وأسرته، وهيئته الشريفة، وخصاله الكريمة، بل وحتى مكان هجرته... كل ذلك مسطورا في صحف أهل الكتاب، يقرؤونه ويتداولونه، وينتظرون ظهوره ليبشّروا به.
ولهذا جاء القرآن الكريم مؤكداً هذه الحقيقة، مُبيناً أن ذكر النبي ﷺ جاء في التوراة والإنجيل، فقال سبحانه:
- {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلۡإِنجِيلِ.....} [الأعراف: 157].
- {ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146].
- {وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} [البقرة: 89].
لقد كان أهل الكتاب يعرفون رسول الله ﷺ معرفة يقينية، حتى صوّر بعضهم هيئته وصفاته كما يعرف المرء أبناءه، بل وبلغ بهم العلم أن رسموا صوراً له ولأبي بكر الصديق رضي الله عنه. ومع ذلك، يُثار سؤال مشروع: لماذا لم يدخل اليهود في الإسلام جماعاتٍ كما كانوا ينتظرون؟
إن السبب في ذلك لم يكن جهلاً ولا غموضاً، وإنما كان الحاجز عصبيتهم القومية واستعلاؤهم العرقي؛ فقد ضاقوا ذرعاً بانتقال شرف النبوة من بني إسرائيل إلى العرب، وخافوا أن تسقط عنهم مكانة الكهانة والرياسة، وأن تنقطع مصالحهم التي كانوا يجنونها باسم الدين، ثم زادهم الحسد والكبر عُتوّاً على عُتوّ.
ولهذا كان كثير من عقلائهم يحذّرون من محمد ﷺ منذ أن كان طفلاً، خوفاً من أن يلتفّ الناس حوله. ومما يؤكّد ذلك ما رُوي أن أبا مالك بن سنان كان جالساً مع قومه من بني الأشهل، فدخل عليهم يوشع اليهودي وقال بصوت جازم: قد أظلّكم زمان نبيّ اسمه أحمد، يخرج من مكة، وسيكون هذا البلد (المدينة) مهاجره.
فسأله خليفة بن ثعلبة باستهزاء: «صف لنا شيئاً من نعته.فقال يوشع: ليس بالطويل ولا بالقصير، يلبس الشملة، ويركب الحمار، وهذه البلاد دار هجرته.
فلما نقل أبو مالك ذلك لقومه، تعجبوا وقالوا: أوَ يوشع وحده يقول هذا؟ إن يهود المدينة كلها تذكر مثل هذا الكلام! حتى إن محمد بن سلمة يروي: كان في بني عبد الأشهل يهودي يُدعى يوشع، وكنت صبياً أسمعه يقول: قد أظلّكم خروج نبي من نحو هذا البيت – ويشير إلى الكعبة – فمن أدركه فليؤمن به.
ومضت الأعوام حتى بُعث رسول الله ﷺ، فدخل بنو عبد الأشهل في الإسلام جميعاً، غير أن ذلك اليهودي الذي طالما بشّر بمقدمة، أبى الدخول في الإسلام، حبّاً للجاه، وحسداً لما آتاه الله من فضله.
وهكذا تتجلّى الحقيقة القرآنية الخالدة: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [البقرة: 146].
كان أهل الكتاب يترقّبون مبعث النبي الخاتم ﷺ، ويُحدّثون به الناس، بل وكانوا يستنصرون به على المشركين، فيدعون الله أن يُعجّل ببعثه لينتقموا من عبدة الأوثان ببركته. ولكن حين جاءهم ما عرفوا حق المعرفة، وأطلّ عليهم نور الرسالة الذي طالما بشّروا به، كفروا به حسداً وبغياً.
وقد سجّل القرآن هذا الموقف العجيب فقال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ } [البقرة: 89]
لقد عُرف اليهود عبر التاريخ بشدة عصبيتهم وتعصّبهم العِرقي، حتى غدت عنصريتهم مضرب المثل، وكانت سبباً في بعض الأمم لهم ونفور الناس منهم. فقد زعموا أنهم شعب الله المختار، وأن الأرض وما عليها حقّ لهم وحدهم، وأن ثروات الآخرين ومقدّراتهم إنما خُلقت لخدمتهم، فاستعلوا على الناس كبراً وبغياً.
ومع ذلك، لم يكن جميعهم سواء. فقد كان فيهم من أنصف نفسه، فتأمّل في البشارات التي بين يديه، ثم تحقّق من صدق النبي ﷺ بسؤاله ومقابلته، فلما وجد العلامات ظاهرة، أسلم وجهه لله وآمن برسوله. وكان من أبرز هؤلاء عبد الله بن سلام رضي الله عنه، وهو من كبار أحبار اليهود وعلمائهم في المدينة، وقد خلّد التاريخ قصته الفريدة التي ما زالت تحمل في طياتها دلالات عظيمة تصلح لعصرنا الحاضر.
هل تُحبّ أن أسرد لك قصّة إسلام عبد الله بن سلام لتكون امتداداً طبيعيّاً لهذا السياق؟




