لقد رأينا كيف أنّ الإنسان يحمل في داخله أنواعًا شتّى من الاضطرابات والانحرافات النفسية، تختلف في شدّتها ومظاهرها من شخصٍ لآخر. ومع تطوّر علم النفس وازدهار مراكز العلاج النفسي، أصبح في مقدور البشر اليوم أن يتعرّفوا على كثيرٍ من تلك الاختلالات ويعالجوها بأساليب علمية دقيقة ، من اضطرابات التعلّم عند الأطفال إلى الأمراض النفسية المعقّدة لدى الكبار. ولم يعد ذلك حكرًا على فئة دون فئة؛ فالنّاس على اختلاف دياناتهم وألوانهم وأوطانهم يلجؤون إلى تلك الوسائل بحثًا عن العافية النفسية والسلام الداخلي.
غير أننا، ونحن نرى هذا الوعي المتزايد في التعامل مع أمراض النفس والعقل، نقف أمام تناقضٍ عجيبٍ يشي بخللٍ في الفهم الإنساني: كثيرون ممّن يسارعون إلى معالجة كلّ اضطرابٍ في السلوك والعاطفة، يقفون فجأةً متردّدين حين يتعلّق الأمر بالجانب الجنسي. فهنا تراهم يرفعون شعار "الحرية الشخصية" و"الطبيعة الإنسانية" ويدعون إلى ترك الناس وشهواتهم يفعلون ما يشاؤون! كأنّ كلّ اضطرابٍ في النفس مرضٌ يجب علاجه، إلا اضطراب الشهوة، فهو في نظرهم " تنوّع بشري" أو "حقٌّ فردي"! أيُّ منطقٍ هذا؟ أليس الجنس جزءًا من الإنسان كغيره من الغرائز التي تحتاج إلى تقويم وضبط؟
أليس الخلل فيه نوعًا من المرض ينبغي معالجته لا تمجيده؟
ولنبدأ من الأساس: الإنسان مخلوق له حاجات ومتطلّبات لا تقوم حياته بدونها ، من طعامٍ وشرابٍ ونومٍ ولباسٍ وتنفسٍ وغير ذلك. وبعض هذه الضرورات يخلو من اللذة أو يكاد، كالهواء الذي نستنشقه أو النوم الذي نحتاجه، وبعضها يمتزج فيه الاحتياج بالمتعة، كالأكل والراحة. ثم هناك متعٌ ليست ضرورية للحياة، لكنها تلطّفها وتمنحها زينةً وجمالًا، كالتنزّه بين الأزهار، أو الاستمتاع بجمال الطبيعة، أو الاجتماع بالأصدقاء.
أما الغريزة الجنسية فهي أعجب هذه الحاجات جميعًا، فيها لذّةٌ عارمة، وفي الوقت نفسه سرٌّ من أسرار الوجود الإنساني، إذ بها تستمرّ الحياة، ويتحقّق معنى الزوجية والاستخلاف. لكنها، بخلاف سائر اللذات، مرتبطةٌ بإنسانٍ آخر، لا بشيءٍ جامدٍ كطعامٍ أو شراب، ولذلك كانت منضبطةً بأشدّ أنواع القيود الشرعية والأخلاقية.
فالذي يأكل من رغيفٍ أو يشرب من نبعٍ لا يعتدي على أحد، أما الذي يطلق بصره أو شهوته نحو امرأةٍ ليست له، فإنّه يقتحم حرمة إنسانٍ آخر، ويمسّ روابط أسرةٍ ومجتمعٍ كامل. لذلك لا تُترك الشهوة هملاً كما تُترك رغبة الجوع أو العطش، بل تُضبط بضوابط الشرع والعقل، ويُسَيَّج طريقها بسياج الحياء والإيمان.
إننا نستطيع أن نشتري الطعام بالمال، أو نحصل على اللذة الحسية بما نملك من وسائل، لكنّنا لا نستطيع أن نملك إنسانًا آخر لمجرّد أننا اشتهيناه. هنا يقف الشرع والعقل معًا ليقولا: توقّف، فهذه ليست رغبةً تُشبع كما تشاء، بل أمانةٌ وحدٌّ لا يُتجاوز.
ومن هنا كان الفرق بين الغرائز الحيوانية والغرائز الإنسانية؛ فالحيوان يُطلق شهوته متى شاء وكيف شاء، أمّا الإنسان فقد خُلق ليرتقي بشهوته إلى عبادةٍ ومسؤوليةٍ، لا إلى فوضى وبهيمية. وقد يرى بعض الناس أنّ المال أو الجاه أو السلطة تمنحهم القدرة على تجاوز هذه الحدود، فيسعون إلى إشباع أهوائهم كيفما شاءوا، متناسين أنّ في هذا الباب خصوصًا يُفضَح المستور، ويُختبَر الصادق في إنسانيته. كم من ذي مالٍ وسلطانٍ هلك بسبب نزوةٍ عابرة، وكم من عقلٍ راجحٍ سقط عند أول امتحانٍ للشهوة!. تاريخ البشرية مليءٌ بالقصص التي انتهت بمأساة، لأن صاحبها لم يضبط غريزته ولم يتق الله في نفسه وفي غيره.
الإسلام لا يُنكر الشهوة، بل يعترف بها ويهذّبها ويُعطيها طريقها المشروع في الزواج، حيث تتحوّل من طاقةٍ مضطربةٍ إلى عبادةٍ وسكنٍ ورحمة. فليست العفة في الإسلام كبتًا ولا حرمانًا، بل هي ضبطٌ حكيمٌ لحركة النفس حتى لا تتحول إلى فوضى تُدمّر صاحبها ومجتمعه. ولهذا قال النبي ﷺ: يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنّه أغضّ للبصر وأحصن للفرج. وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وسلم : وفي بُضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شهوتَه ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر.
هكذا يقدّم الإسلام علاجًا متوازنًا: لا يَئِد الغريزة ولا يُطلقها، بل يوجّهها لتكون طريقًا إلى الطهر والسكينة. فمن ظنّ أن التحرّر الجنسي علاجٌ، فقد استبدل المرض بمرضٍ آخر، ومن ظنّ أن الكبت القاسي طريقٌ إلى الطهر، فقد أخطأ السبيل. الطريق الحق هو الاعتدال الشرعي؛ ضبطٌ بقدر، ولذةٌ في إطارٍ من الطهر والرضا الإلهي.



