حين ندّعي بكل حماسة وعاطفة أن الرجل والمرأة متساويان، فإنّنا أحيانًا نتجاهل أو نتظاهر بعدم رؤية حقائق أرضية بسيطة. نؤكد بصوتٍ عالٍ «الرجل والمرأة متساويان»، لكنّنا نتغافل حقيقة أنّ المرأة تحمل الجنين في بطنها، وتلد، وتُرضعُ وتربِّي الطفل — بينما الرجل، في تلك اللحظات القاسية من عملية التوليد والإنتاج البشري، لا يفعل شيئًا من ذلك، بل لا يمكن أن يقوم بهذه الوظائف طبيعيا. ومع ذلك يزعم الرجل بلا خجل «أنا وهي متساويان»!.
الفلسفة الدينية تكرّم المرأة وتفضّلها، لأنّها تتحمّل ثلاثة أعباء قاسية في دورة الإنجاب: الحمل، والولادة، والرضاعة؛ أحمالٌ جسدية ونفسية لا تُحتمل دون مساعدة. لذلك، منحت الأديان والحضارات مقامًا خاصًا للمرأة، ثلاث مراتبَ تعتزّ بها، اعترافًا بوزن ما تتحمّله مقارنةً بالرجل. هل فكّرتَ في الأمر بلا تحيّز: أيّ منهما أقرب إلى الواقع ؟
الأب ليس متأخرا بطبعه، لكنّه يقوم بدورٍ مختلفٍ؛ لا يمكن أن يحِلَّ محلّ دور الأمّ كما لا يمكن للأم أن تحلّ محل الأب. قد يبدو للأمّ أن ما يقوم به الأب من مهامّ شاقّة شجاعةٌ وبالعكس, كلاهما يلعبان بأدوار متميزة. كلّ دورٍ من الدورين له خصوصيته؛ لا يمكن جمعهما في قالبٍ واحد.
تخيّل موقفًا حادًا في الحياة: عصابة مسلّحة تهدّدك ، وتطلب منكَ اختيارأيِّ واحد من والديك ليبقى معك – الأب أو الأم- ، وتقتل العصابة الشخص الآخر!. لديك خمس دقائق فقط للخيار، وإلا سيقتل الجناة كلا الوالدين. لمَن تختار أن يبقى معك؟. نعلم أنّ اتخاذ مثل هذا الموقف هو من أشدّ اللحظات ألمًا. ومع ذلك، مِن الطبيعي أن تقول: «أبقِني معها» أو «أبقنِي معه». في الغالب، في مثل هذه الحالات، لن تقول «اقتلوا أبي » بل تقول «لا تقتلوا أمّي » بمجرّد شعور: الأم هي الأم، والأب هو الأب؛ لكل واحدٍ منهما مقامه.
هل تساءلتَ يومًا لماذا كانت الطبيعة تُكلّف العديد من أدوار التكاثر في جسد الأنثى؟ لِمَ لم تُقسّم تلك الأدوار بالتساوي بين الجنسين عبر آليةٍ طبيعيةٍ متكافئة؟ تخيّل، أنّنا عقدنا مؤتمرًا عالميًا وقسّمنا واجبات التكاثر بالتساوي عبر تصويت الدول: تقول أمريكا «لتتحمّل الأم الحمل»، وتقول فرنسا «لتكن الولادة من نصيب الأنثى»، وتوافق بريطانيا، وتتكاتف روسيا... ثم توزّع باقي المهام بالتساوي. هذا السيناريو الساخر يبيّن مدى غرابة توقّع توزيع متساوٍ تمامًا على الأرض وفقًا لبرلمانٍ بشريّ! الواقع غير ذلك؛ هناك تحميلٌ ثقيل في الطبيعة على جسد المرأة لم تُمنح له المعارضة أو المناقشة.
الطبيعة منحت المرأة الرحم «حوض الحمل» داخل جسدها، ومنحتها علاقةً فطريةً خاصة بالطفل داخل الرحم، ثم حاجة الطفل إلى الرضاع والدفء والحضن، والرغبة في التمكّن من الثدي، وضرورة القرب من الأم للطعام والراحة والطمأنينة. عندما يبكي الطفل، لا يكفي أن يحملَه الوالد أو غيره؛ هناك غالبًا طمأنينةٌ لا تمنحها إلا الأم. إنّ مهمة إشباع الجوع، الاحتضان، التهدئة، الرضاعة، حتى النوم إلى جانبها ــ كلّ ذلك يجعل للأم مقامًا خاصًا في نفس الطفل، ولا يعترف بمبدإ أنّ الرجل والمرأة يستحقّان حقوقا متساوية.
حاول أن تسأل نفسك بصراحة: إذا أخذ الأب الطفل ليرضعه أو لينام معه، هل سيقبل الطفل بسهولة؟ غالبًا لا، هو لا يرفض الأب، لكنّه يرفض التحول المفاجئ في مصدر الرعاية الأساسية. الطفل يطالب بالأم دون أن يفهم لماذا؛ تلك آلية فطرية. لا يغيّر هذا من قيمة الأب أو يقلّل من دوره، لكنه يوضّح عدم قابلية مساواةٍ مباشرةٍ بين الأدوار حين تدخل طبيعة الإنجاب والتربية الأولى في الحسبان.
وما وصفناه هنا هو مثال واقعيّ جدًا على كيفية توزيع المسؤوليات بين الرجل والمرأة وفقًا للطبيعة والظرفية، وليس مجرد نظريات أو شعارات عن المساواة المطلقة. دعنا نحاول تبسيط الفكرة وتحويلها إلى شرح تحليلي واضح.
هنا أمر آخر يجب أن يفهمه مدّعى المساواة، المرأة لا تستطيع أن تتحمّل أعمالا شاقة من الحمل إلى الولادة ومن الولادة حتى في أيام الرضاع أيضا، كالتسلق على الشجرة لاقتطاف الأثمار، وكسر الصخور والأحجار، وتحميل وتفريع الأمتعة الثقيلة من المراكب، وزجر الوحوش والكلاب الشريرة، وصيد الأسماك من البحر ، وذبح الحيوانات الجسيمة وقطعها. فمثل هذه الأعمال الشاقة والتي تتطلب إلى قوة العضلات والإرادة العالية لا تكلّف على المرأة ، وإجبارها عليها بادعاء أنها نصفُ المجتمع ومساويةٌ للرجال نوع من الحماقة.
المساواة في الحقوق والكرامة لا تعني المساواة في القدرة أو الدور العملي في كل ظرف: في بعض الحالات، الرجل هو الأفضل من المرأة، مثلا : يطرق واحد الباب في منتصف الليل ويسمع بعض الضوضاء من الخارج فمن يفتح الباب – الرجل أو المرأة ؟ أو جرت حوادث المرور وأصيب كثير من الركاب بجروح دامية، فمن يسرع إلى الإغاثة وإيصال المجروحين إلى المستشفى – الرجل أو المرأة؟ في مثل هذه الحالة، حتى لو كان كلاهما قادرًا، فإن الظروف تجعل الرجل هو الأكثر فعالية لأجراء الخطوات اللازمة، وفي الوقت هنا كثير من الوظائف تجعل المرأة هي الأفضل للتبادر إليها، منها الرضاعة، والحضانة ، وتربية الأطفال، والتمريض، وإدارة المنازل وغيرها.
وخلاصة القول، المرأة والرجل متساويان في الكرامة والحقوق، لكنهما مختلفان في الأدوار والمهامّ الطبيعية التى خلق الله عليها. ليس هذا الاختلاف في الإنسان فقط بل نراها في سائر الحيوانات، فهذا يدلّ أن الفوارق جبلّية، لا تبديل لخلق الله، فالادّعاءات للتسوية بين المرأة والرجل في جميع الحقوق والواجبات كاذبة مخالفة لفطرة الانسان. والاعتراف بالاختلافات الفطرية والدوريات البيولوجية والاجتماعية لا يقلّل من مكانة المرأة أو الرجل، بل يساعد على تنظيم المسؤوليات بشكل واقعي، ويضمن بقاء الأسرة والطفل بأمان وراحة.



