ولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين للعشرين من شهر أبريل سنة 570 م في أسرة قريشبمكة، وهو الابن الوحيد لعبد الله وآمنة. وكان ذلك في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول حسب التقويم العربي، وكان أيضا في عام حادثة الفيل و في السنة الأربعين لحكم أنوشروان ملك كسرى . نسب النبي صلى الله عليه وسلم هو، محمَّد بن عبد الله، بن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصَيِّ، بن كلاب، بن مُرَّةَ، بن كعب، بن لُؤَيِّ، بن غالب، بن فهر، بن مالك، بن النَّضر، بن كِنانة، بن خُزيمة، بن مُدْرِكة، بن إلياس، بن مضر، بن نِزارِ، بن مَعَدِّ، بن عدنان. وأما عدنان المذكور آخيرا فهو من نسل إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.
وأما أمّه صلى الله عليه وسلم فهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب. وكلاب هو الجد الخامس للنبي صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه ، فأبوه وأمّه من أصل واحد ، يجتمعان في كلاب . وكان لقصي مكانة عالية عند قريش. ولما توفي قصي ورث منصبه أبناؤه عبد المناف، وعبد الدار، وعبد قصي، وعبد كعب. وكان عبد مناف من أشرف قريش. وكان في يده السقاية والرفادة بتزويد الطعام والشراب والمساعدة للحجاج. ولما مات عبد مناف تجرّد هاشم بتلك المناصب. كان هاشم أعظم أهل زمانه، وهو الذي سنّ الرحلتين : رحلة الشتاء إلى اليمن ، ورحلة الصيف إلى الشام ، وكان يعرف بسيد البطحاء . كان يهشم الخبز ، أي يفتّته في اللحم ، فيجعله ثريداً ، ثم يتركه تأكله الناس ، فلقّب بهاشم ، واسمه عمرو . وبعد هاشم تولى عبد المطلب تلك المناصب. كان سيد قريش مثل جده قصي. وقد تشرف بحفر بئر زمزم بعد أن كان مندرسا معالمه في السيل الذي حدث في مكة.
وكان قد نذر أنه إذا رُزق بعشرة أبناء فإنه سيضحّي بأحدهم. ولما بلغ الأولاد سنّ الرشد أعلمهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء بالعهد. وعندما أجريت القرعة بين أولاده، وقعت القرعة على عبد الله، وكان هو المفضل لديه. فأخذ عبد المطلب بيد عبدالله وجاء عند الكعبة بسكين. ومنعته قريش من ذلك. وكذا الإخوة والأعمام. وكان لعبد المطلب ستّ بنات. وهم: أم حكيم، وعتيقة، وأميمة، وأروى، وبرة، وصفية. كلهن سعن لإرجاعه عن هذه المهمة. وصرن مصرات على طلبهن بالتخلي عن تضحية عبد الله الذي صار محبوبًا لدى الجميع.
فأزعجه هناك سؤال: ماذا سأفعل بنذري؟ . فأشار الحكماء له بالقرعة واضعا عبد الله في جهة، وعشرة من الإبل في جهة أخرى، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشراً ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا فلم يزالوا يزيدون عشراً عشرا، ويخرج القدح على عبد الله حتى بلغت الإبل مائة، ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل وذبحها بدلا عن ابنه عبد الله. وكان عبد المطلب أول من طبق عادة القربان بمائة من الإبل مقابل جسد واحد، واستمرت قريش والعرب على هذه العادة. وأخذها النبي صلى الله عليه وسلم أيضا فيما بعد.
ورد في القرآن الكريم أن ابرا هيم عليه السلام أراد أن يذبح ابنه إسماعيل عليه السلام أمرا من عند الله تعالى ففداه بشاة عظيم وكذلك أراد عبد المطلب بذبح ابنه عبد الله قربة لله تعالى وفداه بمائة إبل حيث أن كلاهما من أجداد النبي صلى الله عليه وسلم . ولذا يلقّب النبي صلى الله عليه وسلم بــ (ابن الذبيحين).
مات عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم عندما كانت أمه آمنة حاملا وكان عند أعمامه في المدينة. فاعتنى آمنة الأرملة بجنينها وقضت تحت رعاية عبد المطلب. وولدت بعد ستة أشهر من وفاة زوجها. ولمّا علم عبد المطلب أن آمنة قد أنجبت ولداً فرح فرحاً شديداً. فأخذ الطفل ودخل الكعبة. وحمد الله ودعا الله كثيرا، وسمّى الطفل محمدًا. تعجب قريش بسماع هذا الاسم الذي هو غير مألوف لديهم فسألوه:لماذا سميت ابنك محمدا؟. فأوضح أنّني سميته محمّدًا، ليكون محمودا لدى الجميع مدى الأزمان. كأنه تلقى إلهاما من الله تعالى أن هذا الطفل يحمده أهل السموات والأرض .
شاهد عبد المطلب وأسرته من الطفل الرضيع عجائب كثيرة عند ولادته وبعده. ولم تشعر أمه عند الولادة طلق النفاس أو آلامها التي تتعرض لها المرأة العادية أثناء الولادة، ومن العجائب أنه صلى الله عليه وسلم ولد مختونا يفوح الطيب من جنابه.
وأول من أرضعته من المراضع – بعد أمه - ثويبة مولاة أبي لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم. ولما بُشِّر أبو لهب بأن عبدالله قد أنجب له ولدا، أعتق جاريته ثويبة فرحا بمولده صلى الله عليه وسلم. وكانت عادة الساكنين في الحاضرة من العرب أن يلتمسوا المراضع لأولادهم من البادية ابتعادا لهم عن أمراض الحواضر، لتقوي أجسامهم، ويتقنوا اللسان العربي النقي في مهدهم. وكذا يقال أن السبب في ذلك هو أيضًا تجنب الأطفال عن سماع أي أنباء عن احتمال انتشار الأوبئة في الحواضر.
وممن أرضعته بعد ثويبة، حليمة بنت أبي ذؤيب. وكانت امرأة شريفة من بني سعد وزوجها حارث بن عبد العزى. وكانت حليمة تحدث : أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد، تلتمس الرضعاء . قالت: فخرجتُ على أتاني، فلقد أدمت بالركب حتى شقّ ذلك عليهم ضعفا وعجفا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء ، فما منّا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه، إذا قيل لها إنّه يتيم، وذلك كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول : يتيم! وما عسى أن تصنع أمه وجدّه! فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قدمتْ معي إلا أخذتْ رضيعا غيري. فقلتُ لصاحبي : والله إني لأكره أن أرجع الى بيتي من غير رضيع ، والله لأذهبنّ إلى ذلك اليتيم فآخذنّه، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة! فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتىّ روي، وشرب معه أخوه حتّى روي، ثم ناما، وقام زوجي إلى شارفنا – الناقة المسنة لا تدرّ اللبن - ، فإذا هي حافل فحلب منها ما شرب حتى انتهينا ريّا وشبعا. ثم خرجنا وركبتُ أنا أتاني، وحملته عليها معي ، فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شيئ من حمرهم ، حتى إن صواحبي ليقلن لي: ياابنة أبي ذؤيب ، ويحك! تمهّلي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله! إنّها لهي هي، فيقلن: والله إنّ لها شأنا.
فلما قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح عليّ حين قدمنا به معنا شباعا لبّنا، فنحلب ونشرب ، فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير ، هكذا نشأ هذا الصبي المبارك في بني سعد نشيطا محبوبا.
وقام أشقّاءه من حيث الحاضنة يهتمون في تربية الصبي محمد صلى الله عليه وسلم ورعايته بما يليق به. وكانت شيماء ابنة حليمة تغنّي له التهويدات في كثير من الأحيان. وقد سجل التاريخ ذلك المشهد الرائع المملوء بالعاطفة والشعور يوم حنين حينما التقى النبي صلى الله عليه وسلم بأخته شيماء بعد حملته العسكرية. وبعد عامين، بناء على طلب آمنة، جاءت حليمة إلى مكة مع طفلها الرضيع للإقامة بضعة أيام مع والدته، ثم عادت مع الصبي إلى بني سعد.





