ولما بلغ محمد صلى الله عليه وسلم أربع أو خمس عشرة سنة، هاجت حرب الفجار بين قريش وبين قيس ، وشهد ذلك محمد صلى الله عليه وسلم مع أعمامه، وكان ينبل على أعمامه ، وتجرّب به الحرب والفروسية. وهذا يدل أنه كان شديد الحزم والبسالة والشجاعة قبل الخوض في شبابه.
اتجه محمد صلى الله عليه وسلم قبل شبابه إلى العمل، فرعى الأغنام ، وفيه كسب شريف وتربية نفسية، و ترويض النفس على العطف على الضعفاء وتدبير الأنام . وفوق ذلك كله، هو اتباع لسنة الأنبياء ، قال صلى الله عليه وسلم: ما من نبي إلا وقد رعى الغنم، قيل : وأنت يار رسول الله؟! قال : وأنا. وقد رعى الغنم في بني سعد مع اخوته من الرضاعة، وللنبي صلى الله عليه وسلم تجربة عملية في التجارة، نرى في التاريخ أن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى سائبَ بن عبد الله بن أبى السائب المخزومى القرشي بحسن أخلاقه ومعاملته، لما كان شريكا للنبي صلى الله عليه وسلم في التجارة في مكة.
حلف الفضول
وعلى أثر حرب الفجار وقع حلف الفضول في ذي القعدة في شهر حرام. ، ويقال إن سبب التسمية أن قريشا قالت "لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر" فسمّي حلف الفضول، وقيل بسبب جريان هذا الاتفاق بين الأفاضل من القبائل، وقيل غير ذلك.
دعيت إليه خمس قبائل من قريش: بنو هاشم ، وبنو المطلب، وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة ، وكذا عضل والقارة من بني الهون ، وكان هذا اتفاقا مبرما على توفير الحماية والمساندة للمظلومين من مكة سواء كانوا من أهل مكة أو خارجها. فاجتمعت هذه القبائل في دار عبد الله بن جدعان التيمي لسنه وشرفه، فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على مَن ظلمه حتى تردّ عليه مظلمته، وشهد هذا الحلفَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعد أن أكرمه الله بالرسالة: لقد شهدتُ في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أنّ لي به حُمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأحببتُ.
وكان سببه أن رجلا من قبيلة زبيد قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل أحد أشراف قريش، فحبس عنه حقه، فاستعان عليه الزبيدي أشرافَ قريش، فأبوا أن يعينوا على العاص بن وائل لمكانته، وانتهروه، واستغاث الزبيدي أهلَ مكة واستعان بكل ذي مروءة. فأبوا أن يعينوا الزبيدي على العاص بن وائل وزبروه ونهروه. فلما رأى الزبيدي الشرّ رقى على جبل أبي قبيس عند طلوع الشمس وقريش في أنديتهم حول الكعبة فقال بأعلى صوته :
يا آل فهر لمظلوم بضاعته ببطن مكة نائي الدار والنفر
ومحرِم أشعث لم يقض عمرته يا للرجال وبين الحِجر والحَجر
إن الحرامَ لمن تمّت مكارمه ولا حرامَ لثوب الفاجر الغدر .
فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب وقال ألهذا مترك ؟ وهاجت الغيرة في رجال من ذوي المروءة والفتوة، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعاما، وتعاقدوا وتعاهدوا بالله، ليكوننّ يدا واحدة مع المظلوم على الظالم، حتى يؤدي إليه حقه. ثم مشوا إلى العاص بن وائل ، فانتزعوا منه سلعة الزبيدي، فدفعوها إليه.





