النبي في اللغة هو المتنبي والمخبر بالمغيبات ولكن في الإسلام لهذه الكلمة أبعاد فوق ذلك، وهو في اصطلاح الشرع: كل رجل تلقى من الله تعالى الوحي سواء أُمر بتبليغه أم لم يُؤمر به، فإن لم يؤمر بالتبليغ فهو نبيّ وليس رسولا، وإن أمر بالتبليغ فهو رسول. فكل رسول نبيّ وليس كل نبي رسولا.
ومرتبة الرسول أو النبي لا يصل إليها أحد بالقول والعمل والقرب من الله تعالى أو بالنسب والجاه بين الناس، بل اختيار من الله تعالى لمن اختص من عباده بالإيداع فيه الخصال اللازمة لهذه الرسالة منذ نشأته. قال تعالى : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ. ( الأنعام: 124)
أرسل الله تعالى أنبياء ورسلاً إلى كل أمةٍ من الأمم، أما عدد الأنبياء فيقال مِائَةُ أَلْفٍ وَأربعة عِشْرُونَ أَلْفًا، وقيل مائتا ألف وأربعة وعشرون ألفا، وأن عدد الرسل منهم: 313، و خمسة منهم من أولى العزم، خصهم الله من بين الرسل بالفضل والشرف . وأول الأنبياء هو أبو البشر آدم عليه السلام وآخرهم أشرف الخلق محمد صلى الله عليه وسلم.
ما هو الهدف من إرسال الأنبياء عليهم السلام؟ والجواب بسيط، الله الذي خلق الإنسان وربّاه، قرّر أن يبلّغ الناس ما أراد أن يبلّغه من وحدانيته وألوهيته وصفاته الباهرة، واختار لهذا الغرض رسُلا من الناس، وهم الأنبياء، الله تعالى هو القادر والقاهر على عباده في اختيار أي طريقة في تبليغ رسالته إلى الناس. فاختار طريقة إرسالِ الأنبياء والرُّسل وإنزالِ الكتب المقدسة، وذلك لهداية الناس إلى سواء الطريق. وهو الذي جعل الإنسان من مخلوقاته ذات طبيعة خاصة ورسم له طريقة مناسبة للحياة.
صحيح، كيف يمكننا أن نفهم منطقيا أنّ النبي محمدا صلى الله عليه وسلم رسول مِن ربّ العالمين؟ دعنا ، نفكّر عن ذلك! وُلد محمد صلى الله عليه وسلم في قبيلة ذات نسب وشرف في مكة، وكان آباءه وأجداده معروفين لدى أهل مكة بصفاتهم النبيلة وأعمالهم العظيمة. وعاش محمد صلى الله عليه وسلم بينهم في مسقط رأسه وفي قومه، وقضى كهولته وشبابه بين أظهرهم بصفاته الكريمة وأعماله الجليلة حتى يلقّبه الجميع بلقب " الصادق الأمين"، لم يكذِب في حياته ولو على سبيل المزاح،ولم يسلُب ولم ينهَب حقّ غيره، ولم يتورّط في جريمة ولم يكن ذا نوايا سيئة. وأقام في بلده أربعين سنة، وفي تلك الفترة ، قام أمينا يوكِّل إليه العربُ أموالَهم الثمينة أمانة، ولعب دورَ الحَكَم بينهم في الأمور المعضلة، وهذا الرجل المتصف بهذه الصفات والشمائل المحمودة والذي لم يصدر منه ما يوهم الكذب في مدة أربعين سنة من حياته، يعلن أمامهم أني رسول من الله تعالى ليدعوهم إلى عبادة الله وحده، هل من المنطق أن نكذبه في هذا الأمر العظيم؟ هل نستطيع أن نعارضه طبيعيا؟ لا، فلا ريب أن دعواه حق وأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول من الله تعالى.
ولنرجع مرة أخرى، هل قدّم النبي صلى الله عليه وسلم حجة أو شهادة على دعوى النبوة؟ نعم، قدم كتابا عظيما هو القرآن الكريم، وقال إنه كلام الله تعالى ، وهل من الممكن أن يؤلف كتابا بنفسه ثم أن يدعي أنه من الله تعالى ! وكيف يصح؟ لأنه لم يتلق أي تعليم من أي جانب، وليس له معلم قام بتعليمه، وكان نبيا أميا لا يقرأ ولا يكتب، ثم هل هناك إمكان للسرقة والانتحال من الكتب الآخرى؟ لا، لأنه لا يوجد كتاب مقدس معروف في العالم بنفس لغة القرآن أو مضمونه أو أسلوبه.
وإذا فكرنا في يومنا هذا، فإنّ القرآن الكريم يتلوه ويتّبعه ويطبّق تعاليمَه مليارات الأشخاص في حياتهم اليومية منذ خمسة عشر قرنا ! فليس لنا إلا أن نقول أنّ هذا القرآن كتاب متميز ومنزّل من لدن حكيم عليم. هكذا إذا طرحنا ألف سؤال ينتهي جوابه كلّه أنّ القرآن كتاب إلهيّ لم تمسّه شائبة الشك والريب، حتى أن المعارضين لم يستطع بعدُ أن يأتي كتابا مثل هذا على مرّ الأزمان والعصور.
هل هناك دلائل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ؟ نعم، فإن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم حجة في الدين، وإنه صلى الله عليه وسلم أخبر بمغيبات وتنبؤات لا تصل إليها العقل السليم أو باستخدام الآلات الحديثة. وظهر جميعها مثل فلق الصبح، ومن الممكن أيضا إعداد قائمة طويلة للنبوءات التي وقعت بالفعل وما سيقع في المستقبل.
وإن تجاوز سائل الحدّ وسأل، هل عاش هنا رجلٌ اسمه محمد صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرنا؟ أو هل هو أسطورة خلَقها الخيال؟ والجواب هنا أيضا بسيط. وأقوى دليل يمكن تقديمه في العالم على أن رجلا عاش في التاريخ، لا يوجد إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم. وقد سجّل التاريخ من لدن محمد صلى الله عليه وسلم حتى يومنا هذا سلسلة نسبه وأصحابه وعلومه بلا انقطاع كما تم تسجيل أسماء رواة أحاديثه وأنسابه واضحا من غير خلل ولا التباس. ومن الممكن أيضا تحقيق كلّ ذلك وفقا للمعايير التي وضعها علم التاريخ.





