تُعدّ التحوّلات العميقة التي أحدثها المسلمون في العمارة وفنون البناء من أبرز إسهامات عصر الازدهار الإسلامي. فتنظيم الأشياء وفق ميزان الجمال والانسجام، هو سِمة أصيلة في التصوّر الإسلامي. وقد شهد الله تعالى في كتابه الكريم بأنّ خلْق الإنسان جاء في أحسن صورة، كما ورد في الحديث النبوي المشهور: إنّ الله جميل يحبّ الجمالَ. فالإسلام دينٌ يحثّ على مراعاة الجمال في كلّ شأن، ويحرّض الإنسان على تهذيب باطنه وظاهره معًا في إطار من التناسق والكمال.
والفنّ، في جوهره، هو تنظيم المواد الخامّ وتناغُمُها في بناءٍ يحمِل بعدًا جماليًا ومعنويًا. ومنذ بزوغ الإسلام، يمكن ملاحظة حضور هذا التنظيم الجماليّ في مختلف المنشآت، ولا سيّما في المساجد، حيث بلغ أوج تعبيره. وقد تناول المؤرخ وعالم الآثار الفرنسي أوليغ غرابار بالدراسة العميقة نشأة العمارة الإسلامية وتطوّرها.
ويبيّن غرابار في كتابه: «تكوين الفنّ الإسلامي»، كيف تداخل الفنّ والعمارة منذ البدايات الأولى للإسلام مع الحياة الدينية والاجتماعية للمسلمين تداخلًا وثيقًا. ويؤكّد أنّ القرآن الكريم منحَ المساجد منزلة خاصة بوصفها بيوت الله، وهو ما يفسّر الجهد الكبير الذي بذله المسلمون في تشييدها بأبهى صورة، تعبيرًا عن التوقير والتعظيم.
وتتّسم العبادة في المساجد ببعدين متكاملين: البعدُ الجماعيّ والبعد الفرديّ؛ فقد تُؤدّى الصلاة جماعة، وقد يُناجي العبدُ ربّه منفردًا. ولهذا صُمّمت المساجد، مع مرافقها المختلفة، بحيث تكون مهيّأة على الوجه الأكمل لأداء هذه الشعيرة المركزية. ومنذ عهد النبيّ محمد ﷺ، لم تكن المساجدُ أماكنَ للعبادة فحسب، بل كانت مراكز لنشر العلم، وبثّ القيم، وتعليم معايير الخير والشرّ. ولا سيّما خطبة الجمعة، التي كانت رسالة توجيهية تُعنى بتنظيم حياة المؤمن دينيًا وأخلاقيًا.
ومن هذا المنطلق، شاع في المجتمعات الإسلامية الحرصُ على تزيين المساجد وإحسان بنائها، باعتبارها مِحور الحياة الدينية. ويذكر غرابار مثالًا بارزًا على ذلك، الجامعَ الأموي الكبير في دمشق، الذي شُيّد في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بين عامي 706 و715م، بوصفه نموذجًا متقدّمًا لتجلّي الجمال الفنّي والرمزية الدينية في العمارة الإسلامية.
صُمِّم الجامع الأموي الكبير في دمشق على نحوٍ يتيح الدخول إليه عَبر ثلاثة أبواب رئيسة، وهو يتميّز بفناء داخليّ فسيح بديع الجمالِ، ومسارات منسجمة تقود إلى المحراب، ومآذنَ قائمة في الجهات الأربع، تعلوها في الوسط قبّة شامخة تشكّل محور البناء وروحه. وقد استُخدم الرّخام استخدامًا كاملًا في أرضيّته، بينما زُيّنت جدرانُه بفسيفساء متعدّدة الألوان، أضفت عليه بهاءً فريدًا.
وكذلك يُعدّ الجامع الكبير في قرطبة، الذي شُيّد سنة 987م، من أروع النماذج المعماريّة في الأندلس، حيث تجلّت فيه أرقى أساليب العمارة الإسلامية. وغالبًا ما كانت المدن تنمو وتتوسّع حول هذه المساجد الكبرى؛ فحين تتحوّل المساجد إلى بؤر للجمال، تنعكس هذه الروحُ على ما يحيط بها من بيوت، وأسواق، ومرافق تجاريّة، فتُبنى في نظافة وانتظام وحسّ فنيّ رفيع، الأمر الذي يعكس الذائقة الجماليّة للمجتمع المسلم ويغذّيها.
ومن الخصائص اللافتة في فنّ العمارة المسجديّة الإسلامية مراعاتها للخصوصيّة المحليّة والظروف المناخية. فما يميّز مساجدَ الشام يختلف عن طابع مساجد قرطبة. وفي البلاد التي يقلّ فيها هطول المطر، كـمصر، انتشرت المساجد ذات الأفنية المفتوحة الواسعة. كما يظهر هذا التنوع بوضوح في العمارة المسجدية في الهند؛ فالمساجد ذات المساحات المفتوحة في مناطق مثل دلهي وغوجارات لا نجد نظيرها في جنوب الهند، حيث يكثر المطر، فتختلف التصاميم تبعًا للبيئة الطبيعية.
ويُعدّ المحراب، وهو الموضع الذي يقف فيه الإمام للصلاة، عنصرًا مركزيًا في كلّ مسجد، وقد جرى منذ العصور الأولى إيلاؤه عنايةً خاصة في الزخرفة والتصميم. ففي المسجد النبوي بالمدينة المنورة، يُعتبر المكان الذي كان يقف فيه النبيّ محمد ﷺ لإمامة الصلاة بوصفه أقدس مواضع المسجد وأعظمها شأنًا. وعلى هذا النّهج، حرص المسلمون في مختلف الأمصار على تمييز المحراب عن سائر أجزاء المسجد، وإبرازه بأجمل حُلّة.
ومع مرور الزمن، أسهمت جمالية المساجد في تشكيل الطابع العام للمدن الإسلامية. فقد كانت مدينة القاهرة، التي أُسّست في القرن العاشر الميلادي، تتميّز بكون جامع الأزهر قلبها النابض، حيث تطوّر عمران المدينة خلال القرنين اللاحقين حوله. وانتقلت الأنماط المعمارية المستخدمة في المسجد إلى المدارس العلمية، والمنازل، وسائر المباني، فتحقّق بذلك قدرٌ كبير من الانسجام والوحدة العمرانية داخل المدينة.
وفضلًا عن ذلك، درجت الدولُ الإسلامية المتعاقبة على تشييد المساجد وفق أنماط معمارية تعبّر عن روح عصرها، إذ كان بناء المساجد يُعدّ من أجلّ أعمال البرّ والقربات. ولهذا اعتاد الحكّام المسلمون تخصيص جزء من ثرواتهم لهذا الغرض، وهو ما يمكن ملاحظته في مدن كـالقاهرة، وبغداد، وأصفهان، ودلهي، حيث شكّلت المساجدُ على الدوام معالم حضاريّة ودينية جامعة.
