تُعَدُّ أسواق القاهرة الإسلامية، مثل سوق خان الخليلي وشارع المعز، من أبهى معالم القاهرة التاريخية. وبينما طُمِسَت أو تحوّلت ملامح معظم المدن الإسلامية القديمة، بقي الجامع الأزهر ومحيطه المعروف باسم القاهرة الإسلامية محتفظين بهويتهما العمرانية وأسواقهما القديمة دون تغيير يُذكر. ويُعَد هذا الثبات العمراني عاملًا مهمًا في ترسيخ مكانة القاهرة كإحدى أبرز الوجهات السياحية العالمية.
صدر عن الجامعة الأمريكية كتاب بعنوان «البازار في المدينة الإسلامية: التصميم والثقافة والتاريخ»، يتناول تاريخ الأسواق في الحواضر الإسلامية، ومنها تاريخ خان الخليلي. وقد حرره الدكتور محمد جاريبور، أستاذ العمارة في جامعة ميريلاند. وتبدأ مقدمة الكتاب بالإشارة إلى أن كثيرًا من آراء المستشرقين حول المدن الإسلامية منذ القرن التاسع عشر كانت إشكالية، إذ بُنيت على تصورات بعيدة عن روح هذه المجتمعات.
فالأسواق الغربية كانت منظَّمة تحت إشراف البلديات، بينما اتخذت أسواق المسلمين طابعًا مختلفًا، فبدت للمستشرقين فضاءات غير منظَّمة أو يغلب عليها الطابع الفوضوي — فجاءت أحكامهم الأولى منصبّة على الأسواق الإسلامية خصوصاً.
وتعود كلمة «بازار» إلى الأصل الفارسي vasar بمعنى السوق الذي يجتمع فيه الناس، بينما تُستعمل كلمة «سوق» العربية بالمعنى نفسه. وقد لعبت الأسواق دورًا محوريًا في تنشيط الحياة التجارية والثقافية والاجتماعية في المدن الإسلامية.
الأسواق قبل الإسلام
عرف العالم العربي قبل الإسلام نوعين من الأسواق:
1. أسواق دائمة في المدن.
2. أسواق موسمية مؤقتة تقام وفق فصول معينة.
وكانت قوافل الرحالة العرب تتجه نحو هذه الأسواق الممتدة من العراق إلى سوريا وإثيوبيا. ورغم كثرة الحروب القبلية آنذاك، بقيت الأسواق آمنة؛ فقد مُنع حمل السلاح داخلها، وتولّى حراس ضبط النظام فيها.
وكان سوق عُكاظ أشهر تلك الأسواق، وقد شكّل محورًا للأدب والشعر والنقاشات السياسية والاجتماعية، وازداد ازدهارًا بقدوم الحجيج.
نشأة المدن الإسلامية وتطور أسواقها
تُعَد المدينة المنورة خير مثال على المدينة الإسلامية الأولى. فبعد هجرة النبي محمد ﷺ إليها، أصبحت مركزًا حضاريًا فريدًا، وشكلت نموذجًا للمدن التي تتمحور حول المسجد. ومن اللافت أنّ كلمة «مدينة» في العربية تعني «الحاضرة»، وقد كانت المدينة الإسلامية بحق منارة أخلاقية اتسعت فيها حركة العلم والمعرفة.
وبعد ذلك، نشأت مدن جديدة مثل البصرة والكوفة وبغداد، وظهرت أسواقها. وفي العصر الأموي تطورت أنماط عمرانية جديدة كانت البصرة من أبرز أمثلتها.
ويتناول الكتاب أيضًا بالتفصيل تنوّع الأسواق في دمشق والبصرة وحلب وصنعاء ونابلس وكابول وطهران وإسطنبول ويزد، وتحولات تلك الأسواق عبر العصور.
أسواق حلب
كانت حلب من أجمل مدن الأسواق، وقد حافظت على طابعها منذ العصور الوسطى. وقد وصفها "لورنس" الذي زارها عام 1914 بجمال آسر قائلًا:
"حلب رصيف من الشوارع المفعمة بالألوان، حيث يمكنك أن تشم رائحة الشرق. هذه المدينة تضفي على أفكارك في الملابس حلاوةً من خلال رؤية الحرير."
كانت أسواقها تنتشر حول نهر قويق، ومنحتها المياه العذبة القريبة حيوية دائمة. وكما في سائر المدن الإسلامية، كان كل مسجد تقريبًا محاطًا بسوق، وهو تقليد يمتد جذره إلى المدينة المنورة.
خان الخليلي: قلب القاهرة التجاري
يمتاز خان الخليلي بموقعه الفريد في مركز القاهرة في العصور الوسطى، قرب مسجد سيدنا الحسين رضي الله عنه، حيث دُفن رأسه الشريف، وبجانب الجامع الأزهر. وقد أصبح الأزهر مركزًا فكريًا، والحسين مركزًا روحيًا، مما جعل خان الخليلي مقصدًا لآلاف الزوار من أهل البلد والأجانب يوميًا.
ومن القرن العاشر إلى السادس عشر، كانت القاهرة مقرًا لأقوى الحكومات وأكثرها نفوذًا في العالم الإسلامي، مما أضفى على خان الخليلي مكانة مرموقة.
من الفسطاط إلى القاهرة
كانت الفسطاط أول مدينة إسلامية في مصر بعد الفتح عام 642م، وقد بدأت كمعسكر عسكري ثم تحوّلت إلى مدينة مع ازدياد السكان، وانتشرت حولها الأسواق وإن كانت غير منظمة. وبعد ثلاثة قرون، عام 969م، أقام الفاطميون مدينة القاهرة لتكون عاصمتهم، فبُنيت وفق خطط علمية دقيقة، ونشأ خان الخليلي في سياق هذا التطور العمراني.
وفي عام 1385م أنشأ الأمير جرجس الخليلي أول سوق في الخان، ثم أعاد السلطان الخوري — حاكم القاهرة — عام 1511م تطويره وبناء بواباته بأسلوب هندسي متقن وبمعاونة أمهر الحرفيين، حتى أصبح المركز التجاري الأكبر في القاهرة. وجذب السوق تجارًا من الأرمن واليهود والفرس، ثم ازداد حضور التجار المصريين.واليوم يُعَد خان الخليلي إحدى أهم الوجهات السياحية في مصر، ورمزًا صامدًا لتاريخ الأسواق الإسلامية رغم تغيّر أنماط التجارة وتأثير النماذج الأوروبية الحديثة. ويقف السوق شاهدًا حيًا على عظمة البازار في الحضارة الإسلامية.
