تُعَدّ المساجد أبرزَ علامةٍ دالّة على الحضور الإسلامي في أيّ مكان. فمَن يرغب في فهم الإسلام، يكون أوّل ما يتطلّع إلى معرفته، ما هي طبيعة المسجد ووظيفته، وما هي الوظائف والأنشطة التي تُمارَس فيه؟
ما إن هاجر النبيُّ محمد ﷺ من مكّة حتّى كان أوّل عملٍ قام به هو تشييد المسجد. وكان أوّلُ مسجد في تاريخ الإسلام هو مسجد قباء. ففي أثناء مسيرة الهجرة إلى المدينة المنورة، نزل النبيّ ﷺ بقرية قباء، وأقام فيها أيّامًا، وخلال تلك الإقامة شُيّد هذا المسجد المبارك.
والمساجد في الإسلام ليستْ مجرّدَ أبنيةٍ للعبادة، بل هي مراكز روحيّة واجتماعيّة شاملة. ففي مكّة المكرمة، خلال السنوات الثلاث عشرة الأولى بعد البعثة، لم تتوفّر للنبيّ ﷺ البيئة الآمنة التي تُمكّنه من تبليغ الدعوة الإسلامية بصورة عَلنيّة مستقرّة. أمّا في المدينة المنوّرة، فقدْ تغيّرَ الواقع جذريًا؛ إذ استقبل أهلها النبي ﷺ بالإيمان والنصرة، وتهيأت الظروفُ لنشر الإسلام وممارسة شعائره وتنظيم شؤونه الاجتماعيّة في أجواء من الطمأنينة والاستقرار.
ومن هنا كان بناء المسجد في قباء أحدُ أوائل المهامّ التي اضطلع بها النبيّ ﷺ بعد الهجرة. ويجدر التنبيه إلى أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم شارك بنفسه في أعمال البناء، في تأكيد عمليّ على قيمة العمل، والمشاركة، والتواضع في تأسيس المجتمع الجديد.
ثم أعقب ذلك بناء المسجد الثاني، وهو المسجد النبوي الشريف، أحد أعظم المساجد في الإسلام، وثانيها تأسيسًا. فعندما دخل النبيّ ﷺ المدينة، بادرَ الأنصارُ إلى دعوتِه للنّزول في بيوتِهم، حُبًا وتكريمًا له، لكنّه قال قولتُه المشهورة: دَعُوها فإنّها مأمورة.
مشيرًا إلى ناقتِه، التي سارت حتّى بركت في موضع كان يملكه غلامان يتيمان يُدعَيان سهلًا وسهيلًا. فاشتُريت الأرضُ برضاهما، ودفع ثمنَها الصحابيّ الجليل أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وبدأ في ذلك المكان بناء المسجد.
وهكذا نشأ المسجدُ النبويّ، الذي صار لاحقًا ثانيَ المساجد في الإسلام، وأحدَ المساجد الثلاثة التي تُشدّ إليها الرِّحال. وقد شارك النبيّ ﷺ بنفسه في جميع مراحل بنائه؛ فكان يحمل الحجارة، ويعاون الصحابَة في نقل جريد النّخل، ويرفع معنويّاتهم بالدّعاء والتشجِيع. وكان من دعائه ﷺ في تلك اللحظات الخالدة: اللهمّ لا عيشَ إلّا عيشَ الآخِرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة.
تُقرِّر التعاليم الإسلامية أنّ بناءَ المساجد وعمارتَها والمحافظةَ عليها، وما يُقام فيها من عبادات، من أعظم أعمال البرّ والخير. وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدࣰا﴾،
كما علّم النبيّ محمد ﷺ أصحابه أنّ أحبَّ البلاد إلى الله مساجدها، ومن ثَمّ ينظرُ المسلمون إلى المسجد بوصفه أقدسَ الأمكنة وأحبَّها إلى الله. وفي هذه البقاع الطاهرة ينشغل المؤمنون بالعبادة، والتأمل الروحي، وتزكية النفس، والسعي إلى الارتقاء الأخلاقي.
ولا تحتوي المساجد، بخلاف ما هو شائع في بعض الديانات الأخرى، على أيّ تماثيلَ أو رموزٍ حسيّة للعبادة؛ إذ إنّ الفضاء الداخلي كلَّه مخصّص للعبادة والتوجّه الخالص إلى الله تعالى. ويتّجه صدرُ المسجد نحوَ الكعبة المشرّفة في مكّة المكرمة. ويُخصَّص في جدار القبلة موضعٌ يُعرف بـالمِحراب، يقف فيه الإمامُ أَمامَ المصلّين، كما يوجد المنبرُ الذي يُلقى منه خطبةَ الجمعة، وهي خطاب دينيّ توجيهيّ باللغة العربية، يُعنى بتقويم حياة الفرد والمجتمع.
وفي كثير من المساجد تُزيَّن الجدرانُ بآياتٍ مختارةٍ من القرآن الكريم، منقوشةٍ أو مكتوبةٍ بأساليب فنّية رفيعة، تجمع بين الجمال البصري والسموّ الروحيّ، دون أن تُخرِج المسجد عن طابعه البسيط المتّجه إلى المعنى لا إلى الصورة.
ولمّا كان بناءُ المسجد من أعظم القربات، يحرِص المسلمونَ في كلّ مكانٍ على المشاركة فيه، قدرَ استطاعتهم. ومن العادات الشائعة في المجتمعات الإسلامية بناء المساجد صدقةً جاريةً عن الموتى، استنادًا إلى حديث النبي ﷺ: من بنى لله مسجدًا، بنى الله له في الجنة مثله.
وقد كان المسجد عبر التاريخ الإسلاميّ محورَ الحضارة وبؤرةَ الفعل الاجتماعي، فمِن المسجدِ النّبوي في المدينة المنوّرة كان النبيّ ﷺ يقود شؤون الدولة، ويؤمّ النّاس في الصّلاة، ويوجّه المجتمع أخلاقيًا وفكريًا، ويُدير النشاط العلميّ والتربويّ. فالعِلم في التصوّر الإسلامي عبادة، وإذا كان طلبه وتعليمه في المسجد، ازداد شرفًا وبركة.
وفي المسجد النبوي عاش جماعةٌ من الصحابة عُرفوا بـأهل الصُّفّة، تفرّغوا لطلب العلم وحفظ القرآن والحديث. وكان من أبرزهم الصحابيّ الجليل أبو هريرة رضي الله عنه، الذي أصبح لاحقًا أكثرَ الصحابة روايةً لحديث النبي ﷺ. وفي العصور اللاحقة، ولا سيما خلال العصر الذهبيّ الإسلامي، تطورت الجامعات والمؤسسات التعليميّة الكبرى حول المساجد، فكانت نواةً للنهضة العلمية في العالم.
ومع ذلك، يحاول بعضُ الناسِ نشرّ تصوّراتٍ مغلوطة عن المساجد، بل وصل الأمر أحيانًا إلى استهدافها بالعُنف، كما حدث في الهجوم الإرهابي على أحد مساجد نيوزيلندا عام 2019 أثناء صلاة الجمعة. والحقيقة أنّ المساجدَ هي أرقى تجلّيات السكينة والسلام، حيثُ يجتمع الناس في أجواء من الخشوع والطمأنينة، بعيدًا عن الصراع والكراهية.
ومن يسعى إلى فهم المساجد فهمًا صحيحًا، فعليه أن يزورها، ويشاهد طبيعة العبادة فيها، ويتأمّل سلوك المصلّين، عندها فقط تتبدّد الصًّورُ الزائفة، ويتجلّى المسجد على حقيقته فضاءً للسلام، وبناءً للإنسان، ومنبعًا للقيم الروحيّة.
