لدى الإنسان ثلاث مسؤوليات تجاه من حوله من أبناء مجتمعه. أيها الأهم؟ وأيها أحق بالعناية؟ قبل الإجابة، دعونا نقرب الصورة بمثال.
قوم يركبون سفينة قديمة . والسفينة - لو صدقنا القول - ليست إلا مركبا متهالكا يكاد يشبه قاربا خشبيا قديما. ولها مشكلتان أساسيتان: الأولى: طلاؤها متقشّر، وكراسيها مكسورة،، وكأنّ الصدأ قد نخر قلبها.، ومع وفرة الأرز والمواد الأساسية، إلا أنّ علب الزيت والبهارات والغذاء فارغة تماما.
لكن المشكلة الثانية أخطر بكثير: فهناك ثقوب صغيرة في أسفل السفينة، بحجم المسامير، بدأ الماء يتسرّب منها إلى الداخل تدريجيًا، بل ومن المؤكد أنّ هذه الثقوب ستتسع، وأن غيرها سيظهر.
وبينما هي في هذا الحال، توقّفت السفينة عند جزيرة يسكنها قومٌ خشنو الطبع، سليطو اللسان، لا يتورعون عن السخرية والتهكّم.... لكنهم –رغم شدّتهم– أصحاب يد العون والمساعدة إذا احتاج الناس إليهم.
الآن أصبحت المشكلات ثلاثا: صلب لسان أهل الجزيرة، تلف أدوات السفينة وطلاؤها، وثقوب خطرة تهدد بالغرق.
فأيّ هذه الثلاثة أولى بالعلاج؟
أ) تهذيب أهل الجزيرة وحملهم على اللطف والبشاشة.
ب) إصلاح ما تَلِف من أدوات السفينة، وإعادة طلائها، وشراء ما يلزم من المستلزمات.
ت) سدّ الثقوب فورًا لإنقاذ السفينة من الغرق.
لا شكّ أنّ العقلاء جميعا سيصوتون للخيار (ج) بأغلبية ساحقة، فسلامة السفينة مقدَّمة على كل شيءومن لا يملك الحد الأدنى من وعي البقاء سيغرق مع السفينة قبل جف الطلاء
وقد قرأنا في الفصل السابق أن المؤمن لا ينبغي له أن ينعزل عن الحياة الاجتماعية بكل ما فيها، ثم يعيش وحده في جزيرته الخاصة التي صنعها بيده. لأن الانعزال سلام ظاهري، لكنه أنانية باطنة.
وفي المقابل، الاندماج في المجتمع يحمل متاعب كثيرة، لكن الدين يريد للمؤمن أن يعيش بين الناس، يخالطهم ويخدمهم ويصبر على أذاهم. وقد ورد في الحديث: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» وفي آخر: «خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ»
ومنافع الناس تختلف باختلاف الأزمنة والأحوال؛ فما يعد نفعا اليوم قد يختلف عما كان بالأمس. أما نحن اليوم، فحالنا أشبه بمن هو على ظهر سفينة توشك أن تغرق؛ فالنجاة هي الأهم، وهي الواجب المقدم قبل كل شيء.
ولذا، تحمل على عاتق المؤمن مسؤولية التحرير الاجتماعية. يجب أن نقدّمها على سائر الأولويات. فالأهم قبل كل شيء أن نفتِّش عن أولئك الذين سحقَتهم الأقدام، أينما كانوا ومع مَن كانوا، لنمدَّ إليهم يد العون، وننهض بهم، ونخلّصهم من أوضاعهم القاسية.
وفي القرآن الكريم آية تُجمل لنا مقاصد متعدّدة من بعثة النبي المصطفى ﷺ إلى البشرية. ولو تأمّلناها بوعيٍ لرأينا أن في مقدّمة تلك المقاصد: التحرير.
وفي القرآن آيةٌ جمعت مقاصد عظيمة لبعثة النبي ﷺ، تكشف في مقدّمتها معنى التحرير: ﴿… وَیَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَـٰلَ ٱلَّتِی كَانَتۡ عَلَیۡهِمۡ …﴾.
ظهرت في الآية مهمتان واضحتان: الأولى: إسقاط الأعباء التي فُرضت على الناس ظلمًا. الثانية: تحطيم القيود التي التفّت على أعناقهم وخنقت حركتهم.
أليس في هذه الكلمات روحُ النضال وصوتُ الكفاح؟ أليس أمرًا صريحًا بـ تحطيم القيود؟ قلها بصوتٍ عال: حطّموا القيود!… ستشعر أنّ الآفاق نفسها ترتجّ من صدى هذا الهتاف.
والتاريخ – وكذلك واقعنا – يجيبنا بوضوح: مَن الذين قُيّدوا؟ ومَن الذين قيّدوا؟ وكيف التفت القيود عبر العصور على رقاب البشر؟
والمؤمن الحقّ لا يستطيع ولا يليق به أن يقف متفرجا حين يُرهَق ظهرُ إنسانٍ في أي بقعة من العالم بظلمٍ أو استغلال، أو حين تُكبّل يداه ورجلاه بقيود الظلم. آلام الآخرين تصبح آلامه، ويجب أن تصبح كذلك! أليس رسول الله ﷺ قد قال لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه؟
يجيء في ذهني الحين شعر مليباري وهو:-
أينما يُقيَّدُ الإنسان بالسّلاسل
تتوجّعُ يداي
وأينما يُضرَبُ أخي هناك
يسيلُ الدمُ من جنبي
واليوم أفريقيّا تبكي
فأبكي معها
أن.وي كريشناواريار (قصيدة: أفريقيا)
تذكّر… أن النبي ﷺ كان يتقدّم المجتمع المكي حتى قبل النبوة، بوصفه رمزًا لمحاولات التحرير ورفع الظلم، وصورةً ناصعة للقائد الذي يصنع مكانته بمبادراته ومواقفه النبيلة. وتشهد بذلك كلمات خديجة الكبرى رضي الله عنها حين رجع إليها مضطربًا بعد نزول الوحي، فقالت مؤكِّدة مكانته وأخلاقه: «كلا، واللهِ لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرَّحم، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق».
ونرى مشهدًا آخر يُجلّي هذه الحقيقة في خطاب جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أمام النجاشي، حين قدّم وصفًا دقيقًا لحال العرب قبل البعثة، فقال:«كنّا قومًا أهلَ جاهليّة؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويُّ منّا الضعيف».
إنها كلمات تكشف عمق الانحراف الأخلاقي والاجتماعي الذي عمّ الجزيرة، وكيف جاء رسول الله ﷺ ليعيد بناء الإنسان، ويُخرج الناس من الظلمات إلى النور، ورحمةً وهدًى للعالمين.
بالإضافة إلى ذلك، هو الذي حرر وأنقذ الفتيات اللواتي سُلبن حق الحياة ووئدت قبل أن يفتحن أعينهن على الدنيا. وهو نفسه أخذ بيد العامل المظلوم المطرود دون أجر، إلى المعتدي الغاشم، أشهر مشاغبي مكة أبي جهل وقطع قائلا: "أَعْطِهِ أجرته!"
ويروي الإمام الطبراني حديثًا ينبغي لكل الشعوب المقهورة أن تتشبّع بروحه ومعناه: «مَن مشى مع مظلومٍ حتى يثبت له حقَّه، ثبّت اللهُ قدمَه على الصراط يومَ تَزِلُّ الأقدام.» أي: من ساند مظلومًا، وسعى معه حتى ينتزع حقَّه ويستعيده كاملًا، ثبّت الله قدميه على الصراط يوم القيامة حين تتزلزل أقدام الناس من شدة الهول. وفي حديثٍ آخر يقول النبي ﷺ محذِّرا: اتق دعوةَ المظلوم؛ فإنها ليس بينها وبين الله حجاب.
وكذلك حثّ الإسلامُ الناسَ على عتق الرقاب، وجعله من أعظم القُرُبات وأرفع الطاعات، ثم شرّع أن يكون العتقُ كفّارةً لجملةٍ من الجرائم والأخطاء؛ كالقتل الخطأ، ومخالفة اليمين، وإفساد الصوم بالجماع. وبهذا التشريع الحكيم كان الإسلامُ يدفع المجتمعَ خطوةً بعد خطوة نحو إنهاء الرقّ، جاعلًا العتقَ بابًا للتوبة، وطريقًا لبناء مجتمعٍ أكثر رحمةً وإنسانية.
إليك ترجمة عربية راقية بصياغة أدبية قوية:
ظلّت مسيرةُ التحرير التي بدأها النبيّ صلى الله عليه وسلم ممتدّةً يتوارثها الصحابة من بعده، يحيونها عملاً وواقعاً. أما تذكرون قصة بلال بن رباح؟ كان عبدًا أسودَ اللون، ولكنه كان أبيضَ القلب، ملتهبَ الإيمان، صافِي السريرة. كان مملوكًا لأميّة بن خلف، وقد سبق إلى الإسلام في بواكير الدعوة. فلما علم سيّده بذلك قرر أن يلقّنه درسًا قاسيًا.
طرحوه على الرمال المحرقة في وهج الظهيرة، يُقلبونه ويُعذّبونه. ثم وضعوا على صدره صخرةً ضخمة تكاد تزهق روحه. وفي لحظاتٍ ظنّ الناس أنّ الموت يدنو منه، أسرع أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه إلى المكان.
قال له موبّخًا: أتفعل هذا بإنسان لمجرد أنه آمن؟ وكأنه يقول لجلاديه: ليعلم الناس ما الذي يناله المرء حين يصدّق بالله!
ثم قال لأميّة: أتبيعني هذا الرجل؟
فأجاب: بلى، ولكن بثمنٍ باهظٍ لا يعرفه أهل السوق! قالها متكبرًا مُغالياً. لكن هل للمال قيمة حين يكون الرجل بين الحياة والموت؟ دفع أبو بكر ما طلبه ذلك الجبار، واشترى بلالًا ليعتقه حرًّا لوجه الله.
وهكذا… كان التحرير في الإسلام. رحمة تنقذ وعدل يرفع وقيمة للإنسان قبل كل شيء.
كان عثمان رضي الله عنه إذا وقع بصرُه على عبدٍ مؤمنٍ في أي مكان، بادر فورًا إلى شرائه ثم عتقه، حتى رُوي أنه كان يعتق في اليوم الواحد نحو عشرين نفسًا. وهكذا يمضي به التاريخ، فإذا بحياته المباركة تشهد أنه أعتق ما يقارب الألف من العبيد، رحماتٍ تتوالى وخيرًا ينساب من سيرته العطرة.
وذات يوم دخل النبيُّ المصطفى صلى الله عليه وسلم بيتَ ابنته الحبيبة فاطمة الزهراء. فرأى في يدها حُليًّا من الذهب. ولم يكن الذهب محرّمًا عليها، ولكن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يستحسن ما رأى من مظاهر الزينة والترف. فقال لها ما معناه: ما بال هذا الذهب؟ وما شأن هذه الزينة؟
ففهمت فاطمة رضي الله عنها مرادَ أبيها الكريم، ولم تتردّد. سارعت إلى خلع القلادة، فكسرتها، ثم خرجت بها إلى السوق فباعتْها. وبثمنها اشترت عبدًا فأعتقته في سبيل الله.
هكذا يكون الدين… قوة دافعة للتحرير، وضميرا يوقظ الرحمة، ومحرّكًا يُطهِّر المجتمع من كل صور الاستعباد.
وهناك حديث شريف كثيرا ما نسمعه، يرسم لنا المعاني الواسعة لرفع الكرب وتخليص الإنسان من شدائده ومعاناته ؛- «من نفّس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة…»
قد يبدو للوهلة الأولى أن التحرير والعمل الخيري شيء واحد، غير أن بينهما في عمق المعنى بونا بعيدا. فجوهر الأمر هو إزالة الضيق وكشف الكرب. والإنسان مطالب بألا يكون سببا في وقوع المصاعب على غيره؛ وهذا معنى كثيرا ما تؤكده الشريعة في مواضع متعددة. فكم من معاناة كان يمكن أن تُرفع لو كفّ الناسُ أيديهم عن الأذى، وكم من محنةٍ يمكن أن تزول لو ضبط الإنسان لسانه وكفّ يده!
انظر إلى هذه الكلمات البسيطة التي تحمل بحرا من المعاني:قال ﷺ: «المُسلمُ مَن سَلِمَ المسلمون من لسانِه ويدِه»(رواه البخاري ومسلم).
ويبرز هنا حديث نبويّ قد يبدو غريبًا في ظاهره، لكنه يكشف عند التأمّل عن عمقٍ بالغٍ من الحكمة. قال ﷺ: «انصُرْ أخاكَ ظالمًا أو مظلومًا». فاستغرب الصحابة الأمر، وقالوا: لقد عرفنا نُصرةَ المظلوم، فكيف ننصر الظالم؟
فقال ﷺ موضِّحًا: «تحجِزُه وتمنعُه عن الظلم، فذلك نصرُه».
وقد يبدو هذا التوجيه بسيطًا لأول وهلة، غير أن كلمةً واحدةً منه تنفتح على بحرٍ واسع من الدلالات يندفع كموجةٍ عاتية. فلسطين!
العالم كلّه واقفٌ صامتًا، يكتفي بالمشاهدة، بينما قال النبي ﷺ منذ قرون كل ما يلزم قوله. فأيُّ نبيٍّ آخر ننتظر ليعلّمنا معنى التحرير وواجب الوقوف مع الحق؟






