كانت لحظةٌ خانقة من لحظات السفر، حين ألقت الأقدار بي في جوار رجلٍ بدا عليه الوقار والعقل، وإن كان لا يزال في ريعان نضجه. تعارفٌ عابر، بدأ بحديثٍ خفيف، وانتهى ببحرٍ من الأسئلة والدهشة. حدّثني عن رحلاته الجوية الكثيرة، وعن تأخيرات الطائرات التي عانى منها في مطارات العالم، ثم أمطر سماء الحديث بشكوى طويلة، لم تُبقِ أحدًا من موظفي الخطوط ولا ذويهم إلا نالهم نصيبٌ من سخطه!
ثم سكت قليلًا، ومال بجسده إلى الوراء، وأخذ نفسًا طويلًا، ثم صرفتُ كلامي عن الأديان والاعتقادات. كان واسع الثقافة، حاضر الذهن، بيد أنّي فهمت من حديثه أنّه من أشدّ الناس عداوةً للدين، وإنكارًا للإله. لم أُقاطع حديثه، بل تركته يفيض بما في صدره، فلكلّ إنسانٍ جرحه الذي يحتاج أن يُفرّغ ما فيه. حدثني عن الأديان وكأنّها أساطيرُ من زمنٍ غابر، وعن الإيمان وكأنّه حيلةُ الضعفاء في وجه المجهول. ثم قال بلهجةٍ حاسمة: كلّ الأديان واحد، كلّها تقوم على عبادة المادّة! المسلمون كالهندوس، بل الهندوس خيرٌ منهم! أولئك يعبدون ما لا حياة فيه، أمّا أنتم فتسجدون للأموات! قلتُ متعجبًا: كيف؟! قال: رأيتُ صورًا في الصحف لأناسٍ يصلّون أمام جثمانٍ مسجّى، أليس هذا عبادةً للميت؟! ابتسمتُ بأسًى، وقلت له: يا صاحبي، لو علمتَ حقيقة ما يفعلون لعلمتَ أنّ تلك الصلاة ليست للميّت، بل هي دعاءٌ له، وتذكيرٌ للأحياء بأنّهم سائرون إلى المصير ذاته. ما أبعد الفهم حين تغيب المعرفة!
ثم عاد فقال: بل أنتم عُبّادُ القمر، لأنكم تربطون عباداتكم برؤيته، تصومون وتفطرون، وتحتفلون تبعًا له! ثم سأل بلغة منطقية سؤالا عجيبا: كيف تعبدونه في الأيام السود التى لم تروا القمر!؟ قلت له: يا صديقي، القمر في الإسلام ليس معبودًا، بل علامةٌ على النظام الإلهي الدقيق، وساعةٌ كونية تُنظِّم مواقيت العبادة. فكما أن البحّار يهتدي بالنجم، يهتدي المؤمن بالقمر في فلك الطاعة، لا في محراب العبادة.
ثم قال بلهجةٍ متحدّية: الدين كلّه خرافة! سلسلة من الطقوس والتقاليد التي تُخدّر العقول وتستغل الناس. لم أُجب بعنف، بل بابتسامةٍ هادئةٍ تشبه سكينة الإيمان، وقلت: إن كنتَ ترى أن الدين عزلٌ عن الواقع، فاسمح لي أن أريك وجهه الحقيقي. فالإسلام - يا صديقي - لا يُريد من الإنسان أن ينعزل في كهف، ولا أن يهرب إلى صومعة، بل أن يعيش في قلب المجتمع، يفرح مع الناس، ويواسيهم، ويخدمهم. الدين ليس هروبًا من الحياة، بل حياةٌ بمعناها الأسمى.
وحين يُذكر الإيمان بالله أو الالتزام الديني، ترى على وجوه بعض الناس علاماتُ النفور أو السخرية، كأنما أصابهم انقباضٌ مفاجئ. وحين يُقال لهم: الإنسان كائن اجتماعي، وخدمة الناس واجب ديني، يزداد ذلك الانقباض ويشتدّ. لأن مفهوم الدين في أذهان كثيرين انحصر في بعض الطقوس الجامدة، والممارسات الغامضة، والعبارات التي لا يدركون معناها، والحركات التي لا يعرفون مغزاها. صار الدين عندهم إطارًا شكليًا من الأفعال المكرّرة الخالية من الفهم، وصار المتديّن في نظرهم إنسانًا منقطعًا عن الناس، غارقًا في عزلةٍ لا نفع فيها لأحد.
وهنا يبرز السؤال الذي يجب أن يطرحه أصحاب العقول الناقدة والأنفس الباحثة عن الحقيقة: هل هذا هو الدين حقًّا؟ هل يمكن أن يكون الدين دعوةً إلى الانعزال، والانقطاع عن الناس، وترك آلامهم ومشكلاتهم دون مشاركةٍ أو عون؟
فإن كان هناك دينٌ يقول للناس: اعتزلوا المجتمع، وابتعدوا عن مشكلاته، وانسحبوا إلى كهفٍ أو صومعةٍ أو جزيرةٍ لتنالوا الخلاص، فذلك دينٌ لا مكان له في حياة البشر، لا في هذا العصر ولا في أي عصرٍ مضى. فالحياة لا تقبل أفكارًا لا واقعية فيها، والإنسان لن يتبع دعوةً تقطع صلته بإنسانيته.
أما حين نجد دينًا يدعو إلى خدمة الناس، وإلى مدّ اليد بالخير إلى القريب والبعيد، ويرى في كل عملٍ نافعٍ عبادةً، فهنا تقف العقول وقفة إعجابٍ وتأملٍ، ويحقّ للباحث أن يتعمّق في فهم هذا الدين. لننظر الآن إلى الإسلام - ماذا يقول؟ هل يأمر المسلم أن يغلق على نفسه بابًا، أو أن ينعزل في كهفٍ أو غابةٍ أو على شاطئٍ بعيد؟ كلّا، بل يقول له: اخرج إلى المسجد وصلِّ مع الناس. بل يزيده بيانًا فيقول له: إن استطعت أن تمشي إلى المسجد على قدميك فذلك خيرٌ لك. ويأمره أن يذهب إلى المسجد خمس مراتٍ كل يوم، لا مرة ولا اثنتين. فالمسجد ليس مكانًا للانزواء، بل هو موضعُ اجتماع، ملتقى الأرواح والقلوب.
حين تذهب إلى المسجد في حيّك خمس مراتٍ في اليوم، ترى الناس، تسلّم عليهم، تسأل عن أحوالهم، وتأنس بوجوههم. تتجدّد روابطك الإنسانية خمس مراتٍ في اليوم. تلاحظ الغائب فتسأل عنه، وتتعرف إلى من تراهم دائمًا، وتسمع أخبار أهل الحيّ. وربما يقف إمام المسجد أو أمينه بعد الصلاة ليعلن أن أسرةً ما تمرّ بضيقٍ أو مريضًا بحاجةٍ إلى علاج، فيهبّ الناس فورًا للتبرع والمساعدة. هكذا تتحول العبادة إلى شبكةٍ من التواصل الحيّ، تنبض بالرحمة والتكافل.
ثم تأتي الجمعة ، ذلك اللقاء الأسبوعي الكبير الذي يجتمع فيه أهل البلدة كلهم تقريبًا. هناك يلتقي من سافر ومن عاد، ومن يريد أن يتعرّف إلى الآخرين لأسبابٍ شتى: للزواج، أو لعملٍ خيري، أو لتجارةٍ أو استشارة. وفي زماننا، تراهم يلتقون كذلك بالعمّال الوافدين من بلادٍ أخرى، فتتسع الدائرة حتى تغدو المساجد صورةً مصغّرةً للوطن كلّه. وللمسلم في السنة عيدان - عيد الفطر وعيد الأضحى - يجتمع فيهما الناس من القريب والبعيد، من داخل البلاد وخارجها، في لقاءٍ مفعمٍ بالحب والأنس والعودة إلى الجذور. ومن وراء كل ذلك يقف الحج، المؤتمر الإنساني الأعظم في التاريخ.
الحج ، هذا البحر البشري المتدفق منذ قرون ، يجمع الملوك والفقراء، الأقوياء والضعفاء، الأبيض والأسود، الأوروبي والآسيوي، الرجال والنساء، الشيوخ والأطفال، الأصحاء والمرضى، في ساحةٍ واحدة، بلباسٍ واحد، لهدفٍ واحد. في ذلك المشهد المهيب، يرى الإنسانُ حقيقةَ إنسانيته، ويتعلم دروسًا لا تُنسى في التواضع والخدمة والعطاء، وهو يشاهد ملايين الناس يعين بعضهم بعضًا، يضحّون ويصبرون ويخدمون من لا يعرفونهم.
كل هذه المشاهد ليست مصادفة، بل هي تربيةٌ إلهية، تزرع في المؤمن روح المسؤولية الاجتماعية، وتوقظه من سُبات العزلة. فمن أراد أن يفهم الناس، وأن يشارك في علاج مشكلاتهم، لا بدّ أن يعيش بينهم، يراهم ويسمعهم ويتألم معهم. أما من قضى عمره في العزلة ثم طُلب منه أن يخدم الناس، فسيقف حائرًا لا يدري من أين يبدأ.
إذن، أول ما يفعله الدين الحق هو أن يخرج الإنسان من الظلمة إلى النور، من العزلة إلى المشاركة، من الجمود إلى الحركة. وذلك لا يعني أن الدين يخلو من الشعائر والرموز، بل فيها من العمق والمعاني ما لا يُدرَك بالعقل وحده. لكنها رموزٌ حيةٌ تُهذّب القلب وتدفعه نحو العمل، لا طقوسٌ جامدة.
أما أولئك الذين ظنوا الدين طقوسًا بلا معنى، كما قال ذلك المسافر الذي تشاجر مع الخطوط الهندية يومًا وسخر من الأديان جميعًا، فقد أساؤوا الفهم. ظنّوا أن الدين مجرد سجودٍ بلا عقل، وأن العبادة انحناءٌ جسديّ لا علاقة له بالواقع. لكنّ القرآن، بكلمةٍ واحدةٍ جامعةٍ مانعة ، يهدم هذه التصورات الخاطئة كلها:
﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ، وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ، وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ، أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (سورة البقرة: الآية 177).
ليست العبادة — كما يتوهم البعض — أن تدير وجهك شرقًا أو غربًا، بل أن تؤمن بالله واليوم الآخر، وأن تنفق المال في سبيل الخير، وأن تكون رحيمًا باليتامى والمساكين، صادقًا في عهدك، صابرًا في الشدائد، قائمًا بالصلاة مؤديًا للزكاة. بهذه الآية الواحدة، يضع القرآن حدًّا فاصلاً بين الدين الحق والخرافة، بين الإيمان الحيّ والطقوس الميتة، بين من يعيش لدينه ومن يجعل دينه وسيلةً للهروب من الحياة.






