لقد خلق الله الأفيالَ والنمورَ والأسودَ والدببةَ والثيرانَ الوحشيةَ وأفراسَ النهرِ والنمورَ المرقطةَ والعناكبَ والتماسيحَ والجِمالَ والخيولَ والقِرَدةَ والذئابَ والعقاربَ والثعابينَ والبعوضَ والضفادعَ والخفافيشَ والعقبانَ والطواويسَ والغزلانَ وسائرَ ما دبّ على وجه الأرض من المخلوقات البرية، كما خلق الحيتانَ والأسماكَ وسائرَ الكائنات المائية، فجعلها جميعًا ورثةَ هذه الأرض، شركاءَ في خيراتها ومنافعها.
ثم هيّأ لها الفواكهَ والجذورَ والحبوبَ والعشبَ والأزهارَ والماءَ والهواءَ، ثم النورَ والدفءَ، لتستمرّ الحياة على سنن الرحمة والعدل. فجميع المخلوقات على هذه الأرض - من إنسانٍ ووحشٍ وطيرٍ وسمكٍ ودبيبٍ وشجرٍ ونباتٍ - شركاء في عطائها، وورثة في خيراتها.
نحن نعيش بين الناس ، ونعيش أيضًا بين مخلوقاتٍ أخرى: بين النبات والحيوان والطير، وبين الدبيب والحشرات والزواحف، وبين الطيور الداجنة والوحشية، الصغيرة منها والكبيرة. ولذلك لا يتحقق التعايش السليم إلا حين نعترف بوجودهم، ونؤدّي ما لنا تجاههم من حقوقٍ وواجباتٍ وعدلٍ ورحمة.
فنحن، معشرَ البشر، مدينون لخالقنا ومدينون لمخلوقاته. أمّا إذا قصرنا في واجباتنا في حق الخالق، فهو يصرّف فيه كيف يشاء: إمّا يعاقب عليه أو يصفح عنه لأنه الغفور الودود، واسع الرحمة لا يحدّه عدٌّ ولا إحصاء. غير أنّ أمرًا عظيمًا ينبغي أن ننتبه إليه: وأما من قصّر في واجباته تجاه مخلوقاته في الأرض والسماء والبحر فلا يجد إعفاءً ولا تصفحا من عند خالقها، فلن يجد عند الله قبولا ولا رحمة. لأنها جميعا من ورثة هذه الدنيا وما عليها من منافع كالبشر.
تأمّل هذا المثال: لو أنّ إنسانًا اعترض طريقك فاعتدى عليك بالضرب والإهانة، أو سرق مالك، أو نشر عنك الأكاذيب فشوّه سمعتك بين الناس، ثم تاب إلى الله تعالى توبة صادقة ورفع يديه إلى السماء يسأله المغفرة، أفتراه يُغفر له قبل أن يأتي إليك معتذرًا يطلبُ رضاك ويردُّ إليك حقك؟ كلا، فالله لا يغفر لعبدٍ ظلم عبدًا حتى يعفو عنه المظلوم.
إنّ الله شديدٌ في شأن المخلوقات، رحيمٌ في حقّه، قد يعفو عنك إن قصّرتَ في حقه، لكنه لا يصفح إن اعتديتَ على خلقه. فهو الغافر الغفور الغفّار، لو جئتَه بذنوبٍ ملءَ البحار لغفرها لك بلمحةٍ من رحمته، فرحمته بحرٌ لا ساحل له، وكرمه جبلٌ لا يُقاس.
لكن تأمّل مليًّا: ماذا لو ظلمتَ مخلوقًا لا يملك أن يدافع عن نفسه؟ لو حبستَ قطةً صغيرةً حتى ماتت عطشًا وجوعًا، وهي لا تملك إلا أن تنظر إليك بعينٍ تستغيث... أفتظنّ أنّ الله يتركك تمضي في حياتك بلا حساب؟ لا والله، ما أرحم الله بعباده، وما أشدّ عدلَه في خلقه! فاحذر أن تستهين بمخلوقٍ ضعيف، فإنّ دعوة المظلوم - وإن كانت بغير لسانٍ ولا صوت - تُسمع عند ربّ السماء.
أما سمعتَ قصة تلك المرأة القاسية التي سجنت قطةً حتى ماتت، كما أخبر النبي ﷺ؟ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: عُذِّبَتِ امرأةٌ في هرَّةٍ سجنتها حتى ماتت، فدخلتْ فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. (متفق عليه).
هكذا يدرِك المؤمن أنّ الرحمة بالحيوان ليست نافلةً من القول، بل هي من صميم الإيمان، فإنّ في كلِّ كبدٍ رطبةٍ أجرًا.
تأمل ذلك المشهد النبوي المؤثر: بَيْنما رَجُلٌ يَمْشِي بطَريقٍ اشتدّ عليه العطشُ، فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلبٌ يلهثُ يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثلَ الذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفَّه ماءً، ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له. قالوا: يا رسول الله، وإنّ لنا في البهائم أجرًا؟ قال: «في كل كبدٍ رطبةٍ أجرٌ» (متفق عليه).
فانظر كيف كانت الرحمة بكلبٍ سببًا للجنة! وليس الكلبُ أو القطةُ وحدهما من ورثة هذه الأرض، بل كلّ طائرٍ وحيوانٍ وزاحفٍ ودبيبٍ يسير على وجهها يستحقّ الرحمة والحنان ما دام لا يضرّ الإنسان. وروى أبو داود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنّا مع رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ في سفرٍ، فانطلقَ لحاجتِه فرأينا حُمرةً معها فرخانِ فَأخذنا فَرْخَيْهَا، فجاءتِ الحمرةُ فجعلتْ تفْرِشُ، فجاء النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ فقال: منْ فجع هذه بِولدِهَا رُدُّوا وَلَدَهَا إليها .
كما حذّر ﷺ من القتل عبثًا ولهوًا كما سمعنا عن الملوك في قديم الزمان، يخرجون للصيد فيقتلون البهائم بغ ير حاجة. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:ما من إنسانٍ يقتل عصفورًا فما فوقها بغير حقها إلا سأله الله عنها يوم القيامة. قيل: يا رسول الله، وما حقّها؟ قال: يذبحها فيأكلها، ولا يقطع رأسها فيرمي بها.
وكلّ ثمرةٍ تأكلها الطيور أو البهائم أو الناس فهي صدقة جارية لهم في سجلّ الرحمن، كما قال النبي ﷺ: ما من مسلمٍ يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ إلا كان له به صدقة. (متفق عليه). وكذلك الأشجار والنباتات، هي روح الأرض وزينتها. يجوز أن نأخذ منها ما نحتاجه لبناءٍ أو دواءٍ أو صناعةٍ، ولكن لا نقطع عبثًا ولا نخرّب طبيعة الله بغير حق. فقد قال ﷺ محذّرًا: من قطع سدرةً صوّب الله رأسه في النار.
الإنسان ليس سيدًا متجبّرًا على الخلق، بل خليفةُ الله في أرضه، أمينٌ على عهده وخلقه. قال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]، ثم حمّله الأمانة التي أشفقتْ منها السماوات والأرض والجبال، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]. فلا تكن من الجاهلين الذين خانوا الأمانة، بل كن من الأمناء الذين يرعون عهد الله في خلقه. لقد خُلقنا للبناء لا للهدم، وللإصلاح لا للإفساد، وللرحمة لا للقسوة. وكما أنّ ما على هذه الأرض لنا، فإنّ لنا تجاه كل ما عليها دينًا من الوفاء والعناية.
فالإنسان لم يُؤتمن على الأرض وحدها، بل حُمّل أمانة السموات أيضًا. ومسؤوليته لا تقف عند حدود التراب الذي يطؤه، بل تمتدّ إلى الأفق الذي يظلّه. فلا يجوز له أن يجرح السماء بإفساده، ولا أن يلوّث الهواء الذي يتنفّسه، ولا أن يكدّر صفو الطيور في فضائها، ولا أن يعبث بالنار والقنابل فيشوّه وجه الأجواء، ولا أن يخرق طبقة الأوزون التي تحفظ الحياة. لقد نيط بالإنسان واجبٌ أخلاقيٌّ جليل: أن يرعى حقوق الأرض كما يرعى حقوق السماء، وأن يمضي في الكون أمينًا رحيمًا، يَذكر دائمًا أنّه وارثٌ مسؤول، لا مالكٌ متجبّر.






