يُعدّ القرآن الكريم المصدرَ الأساسيَّ للتشريع في الإسلام، وهو كلام الله تعالى الموجَّه إلى البشر كافة. وقد أنزله الله، خالق الكون، على خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة المَلَك جبريل عليه السلام، ليكون آخر الكتب السماوية هدايةً للبشرية جمعاء.
وقد عرّف الإمام تاج الدين السبكي القرآن بقوله: هو كلام الله المنزل على محمد ﷺ، المعجز بأقصر سورة منه، المتعبّد بتلاوته. وقد خصّه بعض العلماء في التعريف بقولهم: القرآن الكريم هو كلام الله المعجز بلفظه ومعناه المنزل على قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المتعبد بتلاوته المتحدى بأقصر سوره المنقول إلينا بالتواتر المكتوب في الصحف من سورة الفاتحة إلى سورة الناس.
يتكوّن القرآن الكريم من 114 سورة، وقد نزل مفرّقًا على مدى ثلاثٍ وعشرين سنة من حياة النبي ﷺ، بحسب الوقائع والأحداث. وقد حُفظ في البداية عن طريق التلقّي الشفهي والحفظ في الصدور، ثم جُمع لاحقًا في مصحفٍ مكتوب، وحُفظ بحفظٍ إلهي دقيق.
وكان أول ما نزل من القرآن في غار حراء بجبل النور في مكة المكرمة، حين كان النبي ﷺ متعبّدًا متأمّلًا، فجاءه الوحي بأول كلمة: ﴿اقْرَأْ﴾ (العلق: 1)، وهي أصل تسمية القرآن، إذ تعني المقروء أو ما يُتلى. ويُعدّ القرآن الكريم أكثر كتابٍ قراءةً في العالم.
وللقرآن الكريم أسماءٌ عديدة، أشهرها القرآن، ومن أسمائه كذلك: الكتاب، الذكر، الروح، النور، الفرقان، البرهان، الموعظة، الشفاء، الهدى، الرحمة. وقد أشار الإمام جلال الدين السيوطي في كتابه الإتقان إلى أنّ للقرآن نحو خمسةٍ وخمسين اسمًا وردت في نصوصه.
أما تسميته بـالمصحف، فتعني مجموعة الصحف المكتوبة، إذ كان القرآن في مراحله الأولى يُدوَّن على موادّ مختلفة، كالجلود والعسب (جريد النخل)، قبل أن يُجمع في صورةٍ متكاملة.
ويمتاز القرآن الكريم بخصائص فريدة، منها إعجازه البياني، وموثوقيّته المطلقة، وحفظه من التحريف، إضافةً إلى ما يتضمّنه من إشاراتٍ غيبية تحقّقت، ومنظومةٍ أخلاقية وتشريعية متكاملة، مما يجعله متفوقًا على سائر الكتب في هدايته وتأثيره.
نزول القرآن
تمّ نزول القرآن الكريم في ثلاث مراحل متميّزة:
المرحلة الأولى: نزوله إلى اللوح المحفوظ - وهو سجلٌّ إلهيٌّ محفوظ من كلّ تغيير أو تحريف-. وقد أشار القرآن إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (البروج: 21-22). وقد بيّن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس أن هذا اللوح فوق السماوات، وهو محفوظ من تدخّل الإنس والجن، مما يدلّ على أصالة القرآن وثباته.
المرحلة الثانية: نزوله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزّة في السماء الدنيا، وكان ذلك في ليلة القدر من شهر رمضان المبارك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر: 1). وهذه الليلة المباركة اكتسبت شرفها العظيم من نزول القرآن فيها. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فصّل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل به على النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر السيوطي في الإتقان قال وأخرج الطبراني والبزار عن ابن عباس قال: أنزل القرآنُ جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ونزّله جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي شيبة من وجه آخر عنه قال: دفع إلى جبريل في ليلة القدر جملة واحدة فوضعه في بيت العزة ثم جعل ينزله تنزيلا.
المرحلة الثالثة: نزوله مفرّقًا على قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم خلال مدة ثلاثٍ وعشرين سنة، بحسب الوقائع والأحداث التي رافقت مسيرة الدعوة. وقد بيّن القرآن الحكمة من هذا التنزيل المتدرّج في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (الفرقان: 32). فكان هذا التدرّج وسيلةً لتثبيت قلب النبي ﷺ، وتيسير حفظ القرآن وفهمه، وتمكين المجتمع الناشئ من استيعاب تعاليمه تدريجيًا حسب الوقائع والأحداث، ومعالجة ما ترسّخ فيه من عاداتٍ وأفكار على نحوٍ حكيم ومتدرّج، بما يحقّق التحوّل الإيماني والسلوكي بصورةٍ راسخة.
الآيات والسور
تُسمّى آيات القرآن الكريم بـالآيات، وهي في الاصطلاح مجموع من الجمل التي تفوق في بنائها الجملة اللغوية العادية، وتشتمل على معنى تامٍّ أو فكرة مكتملة. ويمكن تعريف الآية تقنيًا بأنّها مجموعة من الحروف والكلمات التي لها بداية ونهاية ضمن السورة الواحدة.
وقد اختلف العلماء في عدد آيات القرآن الكريم، إلا أن هذا الاختلاف لا يخرج عن كونه اختلافًا اصطلاحيًا في العدّ، لا في أصل النص. فبعضهم يرى أنها (6213) آية، كما نُقل عن علي رضي الله عنه، بينما يرى عبد الله بن عباس أنها (6616) آية، وشاع بين العلماء القول بأنها (6666) آية، ولكل قولٍ مستنده العلمي.
ولا يؤثر هذا الاختلاف في عدد الآيات على أصالة القرآن الكريم أو بنيته، إذ لا يوجد أيّ اختلاف في نصوصه أو ألفاظه، وإنما يرجع الاختلاف إلى مسائل تتعلق بمواضع الوقف، وعدّ بعض الآيات، كالبسملة، آيةً من السورة أو لا. فقد كان النبي ﷺ يقف عند رؤوس الآيات توقيفًا، وقد يواصل القراءة أحيانًا لتمام المعنى، فنقل الصحابة ذلك بحسب ما سمعوه. كما أن تعدّد القراءات (الأحرف السبعة) أدّى إلى اختلافٍ في اعتبار بعض المواضع.
وأول ما نزل من القرآن الكريم هو الآيات الخمس الأولى من سورة العلق، قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1] ، وآخر ما نزل قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 281]. ولم يعش النبي ﷺ بعد نزولها إلا أيامًا معدودة.
وقد اعتنى المسلمون منذ الصدر الأول بإحصاء حروف القرآن وآياته، ومن ذلك ما قام به الحجاج بن يوسف حين جمع عددًا من القراء، منهم الحسن البصري، لإحصاء حروف القرآن، فبلغ عدد حروفه (340,740) حرفًا وعدد كلماته ( 77439) تقريبًا.
عدد السور وأنواعها
تُسمّى فصول القرآن بـالسوَر، وهي مشتقة من السُّور بمعنى الحدّ أو الحاجز، لأنها تحيط بمجموعة من الآيات ضمن بناءٍ متكامل. وقد عرّفها العلماء بأنها: مجموعة من الآيات لها بداية ونهاية، لا تقل عن ثلاث آيات.
ويتفق جمهور العلماء على أنّ عدد سور القرآن الكريم هو (114) سورة، وإن كان بعض السلف قد جمع بين بعض السور المتقاربة في المعنى، كما عدّ الإمام المجاهد سورتي الأنفال والتوبة سورة، وعدّ ابن مسعود سورتي الفلق والناس ( المعوذتين) سورة واحدة.
ويمتاز القرآن الكريم بأسلوب فريد؛ إذ لا يعرض الموضوعات عرضًا خطيًا متتابعًا، بل يوزعها على سور متعددة، ويجمع في السورة الواحدة موضوعات مختلفة، في إطار بياني متكامل. وقد كان ترتيب الآيات والسور توقيفيًا، أي بوحيٍ من الله تعالى، حيث كان النبي ﷺ يُوجَّه إلى مواضع الآيات داخل السور، كما أُوحِي إليه بأسماء السور. وعلى هذا الأساس فهم الصحابة القرآن وحفظوه حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ثم جمعه في عهد أبي بكر في مصحف واحد.
وقد صُنّفت السور من حيث الطول إلى أقسام، منها: الطوال: مثل سورة البقرة وآل عمران. والمئون : ما يقارب مئة آية . والمثاني: ما دون ذلك. والمفصّل: السور القصيرة من سورة الحجرات إلى الناس. ولا يعتمد ترتيب السور في المصحف على التسلسل الزمني أو الموضوعي، بل يقوم على حكمة إلهية، تتداخل فيها المواعظ، والقصص، والتشريعات، والإنذارات، بما يخاطب مختلف أحوال الإنسان. وأول سورة كاملة نزلت هي سورة الفاتحة، وهي أول سور المصحف، واسمها يدل على معناها: الافتتاح، إذ تُفتتح بها القراءة، وتُستفتح بها الصلوات.

