موريس بوكاي
يُعدّ الطبيب الفرنسيّ الشهير في مجال أمراض الجهاز الهضميّ موريس بوكاي من أبرز الشخصيات الغربية التي اهتمّت بدراسة القرآن الكريم. وقد كانت بداية اهتمامه بالقرآن نتيجة حادثة علمية لافتة. فقد نُقلت إحدى أهمّ مومياوات الفراعنة، المكتشفة في مصر، إلى فرنسا لإجراء دراساتٍ علمية عليها. وقد استُقبلت تلك المومياء بحفاوةٍ رسميّة كبيرة، أشبه باستقبال الملوك، وبحضور رئيس الجمهورية الفرنسية.
وكان بوكاي أحد الأطباء المكلّفين بدراسة هذه المومياء. وبعد فحصها، توصّل إلى أنّ صاحبها قد مات غرقًا، وأن جسده أُخرج من الماء ثم عولج بموادّ حافظة حالت دون تحلّله. وقد دفعه هذا الاكتشاف إلى تعميق بحثه في تاريخ هذه الشخصية.
وفي سياق بحثه، اطّلع على ما ورد في القرآن الكريم بشأن فرعون، حيث يقول الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ (يونس: 92). وقد وجد بوكاي أنّ الحالة التي شاهدها تتوافق مع هذا الوصف القرآني بشكلٍ لافت، إذ بقي الجسد محفوظًا ليكون عبرةً للأجيال.
ثم اتجه إلى دراسة سيرة النبي محمد ﷺ، متسائلًا: كيف يمكن لنصٍّ نزل قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا أن يقدّم مثل هذا الوصف الدقيق؟ كما قارن ذلك بما ورد في التوراة، فلم يجد فيها تفصيلًا مماثلًا لما جاء في القرآن.
وبعد هذه الحادثة، تلقّى دعوةً للمشاركة في مؤتمرٍ طبيٍّ في المملكة العربية السعودية، حيث عرض نتائج أبحاثه حول مومياء فرعون. وفي أثناء النقاش، قدّم أحد الحاضرين النصّ القرآني وبيّن دلالته، فكان لذلك أثرٌ بالغ في نفسه.
وبعد ذلك، أعلن بوكاي اعتناقه الإسلام، وكرّس جهودَه لدراسة القرآن الكريم. وقد أثمرت أبحاثه عن تأليف كتابه الشهير: الكتاب المقدس والقرآن والعلم (The Bible, the Qur’an and Science)، الذي صدر باللغة الفرنسية في نحو 190 صفحة، ثم تُرجم إلى لغاتٍ عديدة.
وفي هذا الكتاب، قام بوكاي بدراسة مقارنة بين ما ورد في القرآن الكريم والكتاب المقدس في ضوء معطيات العلم الحديث، خاصة فيما يتعلق بنشأة الكون وتطوّر الإنسان، مبيّنًا أوجه التوافق بين النص القرآني والحقائق العلمية. كما ألّف كتابًا آخر بعنوان تأملات في القرآن، واصل فيه عرض آرائه حول الإشارات العلمية في القرآن، مؤكدًا أنّ هذا الكتاب يمثل مصدرًا متفردًا يجمع بين الهداية الدينية والدقة المعرفية.
مرمادوك بيكثال
يُعدّ اللغوي والكاتب البريطاني مرمادوك بيكثال من أبرز مَن قدّموا ترجمةً إنجليزية متميزة لـ القرآن الكريم، حيث اتّسمت ترجمته بطابعٍ أدبيٍّ رفيع ولغةٍ قريبة من الأسلوب الشعري.
وُلد بيكثال في لندن سنة 1875 في أسرةٍ مسيحية ينتمي أفرادها إلى سلك الكهنوت. ومنذ صغره، أبدى اهتمامًا خاصًا بالشرق، فغادر إنجلترا، وزار عددًا من البلدان الإسلامية، حيث تأثر بثقافاتها وأنماط حياتها. وقد انعكس هذا الاهتمام في أعماله الأدبية، إذ كتب روايات تناولت الشرق وثقافاته.
ومع مرور الوقت، اتجه اهتمامه نحو القرآن الكريم، فقام سنة 1930 بإصدار ترجمته الشهيرة بعنوان:
The Meaning of the Glorious Qur’an وفي مقدمة هذه الترجمة، أشار بيكثال إلى التأثير العميق للنص القرآني، فقال: إن للإيقاع القرآني العجيب أثرًا يكفي وحده ليقود الإنسان إلى البكاء والفرح معًا.
ويُعدّ عمله – في نظر عددٍ من الباحثين – أول ترجمة إنجليزية متكاملة تحاول نقل شيءٍ من الجمال الأسلوبي للنص القرآني، بما يتميز به من إيقاعٍ لغوي وثراءٍ تعبيري. وقد تميزت ترجمته أيضًا بمحاولة تجاوز الأساليب التقليدية، والاقتراب من روح النص الأصلي.
وقد أعلن بيكثال اعتناقه الإسلام سنة 1914، ثم تلقّى دعوةً من حاكم حيدر آباد، نظام حيدر آباد، الذي شجّعه على إنجاز مشروع ترجمة القرآن. وقد استغرق هذا العمل سنواتٍ من التأمل والدراسة المتعمقة.
وكان من الدوافع التي قادته إلى هذا المشروع، مقاله الذي نشره سنة 1919 في مجلة The Islamic Review، حيث قام بترجمة بعض الآيات إلى الإنجليزية، وناقش أبعادها الجمالية. وفي هذا المقال، وجّه نقدًا واضحًا للترجمات الإنجليزية السابقة، مشيرًا إلى أنها اتسمت بالطابع النثري الجافّ، وركّزت على المعنى المجرّد، مع إدخال ألفاظٍ غير ضرورية، في حين أنّ اللغة العربية في القرآن تمتاز بجمالٍ شعريٍّ وإيقاعٍ مدهش. كما أشار إلى أنّ بعض الترجمات كانت ضعيفة، بل ومصحوبة بحواشٍ غير دقيقة أو مضلّلة. وقد لقي هذا المقال صدىً واسعًا، مما دفع كثيرين إلى تشجيعه على إعداد ترجمةٍ كاملة للقرآن.
وقبل بيكثال، كانت الترجمات الإنجليزية للقرآن تقع في ثلاثة أنماط رئيسة: ترجمات المستشرقين، وترجمات أتباع القاديانية، وترجماتٌ قام بها بعض الهنود ممن لم يمتلكوا إلمامًا كافيًا باللغة. وكانت هذه الترجمات – في مجملها – تعاني من مشكلات منهجية ولغوية.
ويرى بيكثال أنّ كثيرًا من الترجمات السابقة لم تُنجز بدافع تقدير الجمال الداخلي للقرآن، بل جاءت – في بعض الأحيان – في سياق المواقف السلبية التي نشأت في الغرب بعد الحروب الصليبية. ومن الأمثلة على ذلك ترجمة المستشرق ألكسندر روس في القرن السابع عشر، الذي لم يكن متمكنًا من اللغة العربية، ومع ذلك قدّم ترجمةً تأثرت برؤيةٍ تعتبر القرآن امتدادًا للكتاب المقدس.
وفي مقابل ذلك، ظهرت في القرن العشرين محاولات من بعض العلماء الهنود، كانت تميل إلى الطابع الدفاعي، حيث ركزت على نقل المعاني بدقّة، وإن كان ذلك على حساب الجوانب الجمالية والبلاغية.
ومع صدور ترجمة بيكثال، أُتيحت للناطقين بالإنجليزية فرصة أوسع للتعرّف على القرآن، حيث لاقت ترجمته قبولًا واسعًا، وأسهمت في نشر فهمٍ أعمق لمضامينه. وقد صدرت منها عشرات الطبعات، ولا تزال متداولة حتى اليوم، بما في ذلك توفرها على المنصات الرقمية الحديثة.
كريستينا نيلسون
يُعدّ كتاب فنّ ترتيل القرآن (The Art of Reciting the Qur’an) الذي ألّفته كريستينا نيلسون من أبرز الدراسات الحديثة في ميدان الدراسات القرآنية. وهو في الأصل بحثٌ علميٌّ مفصّل قدّمته في جامعة كاليفورنيا، اعتمدت فيه على عملٍ ميدانيٍّ استمرّ عامين في مصر.
وقد توصّلت نيلسون من خلال هذا البحث إلى أنّ تأثير تلاوة القرآن الكريم في نفوس المؤمنين يفوق تأثير أيّ نصٍّ دينيٍّ آخر لدى أتباعه. وتشير إلى أنّ معظم الدراسات الغربية السابقة ركّزت على النصّ القرآني بوصفه نصًّا مكتوبًا، ممّا جعل صورة القرآن في الوعي الغربي تقتصر غالبًا على كونه كتابًا إلهيًّا مدوّنًا، دون إدراكٍ كافٍ لأهمية بُعده الصوتيّ وجماليات تلاوته.
وتؤكد أن كثيرًا من الباحثين الغربيين لم يولّوا اهتمامًا كافيًا لخصائص التلاوة من حيث النغم والإيقاع، بل انصرفت جهودهم إلى دراسة التفسير، واللغة، والبنية الأدبية، وترتيب الألفاظ.
ومن خلال دراستها الميدانية، تبيّن لنيلسون أنّ مجالس تلاوة القرآن في مصر ظاهرةٌ واسعة الانتشار، تعكس عمق الأثر الذي تتركه التلاوة في حياة المسلمين. كما تشير إلى أن هذا التأثير لا يقتصر على مصر، بل يمتدّ إلى مختلف المجتمعات الإسلامية، وإن كانت مصر قد تميّزت تاريخيًا بعنايةٍ خاصة بفنّ التلاوة.
وتوضح أنّ نقل القرآن في هذا السياق يعتمد بدرجةٍ كبيرة على المشافهة، وأنّ إدراك خصائصه الصوتية والإيقاعية يتحقّق أساسًا عبر السماع؛ فالتلاوة والاستماع عنصران لا ينفصلان في تلقي القرآن. ولهذا، فإنّ ارتباط الأطفال بالقرآن يبدأ غالبًا من خلال سماعه في مراحل مبكرة من حياتهم.
كما تشير إلى أنّ غير المسلمين، أو من ليست لهم خلفية سابقة عن القرآن، قد ينجذبون في البداية إلى جمال صوته وإيقاعه، حتى يبدو لهم كأنّه نوعٌ من الموسيقى. غير أنّ علماء القرآن يؤكدون أنّ التلاوة لا ينبغي أن تُفهم في إطار الموسيقى بالمعنى الاصطلاحي، لأنّ هذا الفهم قد يُضعف إدراك الطابع الإلهي للنصّ.
فالإيقاع، والنَّغَم، ودقة النطق في التلاوة، كلّها عناصر متوارثة تعود إلى الطريقة التي أُنزِل بها القرآن على النبي محمد ﷺ، ومن ثم فهي ذات أصلٍ تعبّديٍّ توقيفي. ولذلك، فإن تشبيه التلاوة بالموسيقى قد يُفضي إلى التقليل من خصوصية القرآن وتميّزه.
ورغم أن التراث الإسلامي تناول دراسة الأنغام والأصوات في مجالات متعددة، فإن علماءه يؤكدون أن تلاوة القرآن تظلّ فنًّا مستقلًا بذاته، له ضوابطه ومقاصده الخاصة.
وتبيّن نيلسون أن الدراسات الإسلامية في مجال التلاوة تتركّز أساسًا في علومٍ رئيسة، منها: علم التجويد، والقراءات، والتفسير. كما تتصل بها علومٌ أخرى مثل النحو العربي، والبلاغة، وضبط الحروف.
ويُعدّ علم التجويد منظومةً دقيقة من القواعد التي تنظّم أداء التلاوة من حيث المخارج، والصفات، والإيقاع. أما القراءات، فهي أنماط أدائية مختلفة للتلاوة، منضبطة بهذه القواعد، ومتلقّاة بالسند المتصل.
وبذلك يظهر أن تلاوة القرآن ليست مجرّد أداءٍ صوتي، بل هي علمٌ قائم بذاته، يجمع بين الدقة اللغوية، والالتزام التعبدي، والجمال البياني.
ترتبط أحكام علم التجويد وتلاوة القرآن الكريم ارتباطًا وثيقًا بحياة المسلم اليومية. فكثيرٌ من الذين احترفوا تلاوة القرآن قد تخصّصوا في دراسة التجويد وأتقنوا قواعده. وتشير كريستينا نيلسون إلى أن اهتمامها بتلاوة القرآن نشأ بعد تجربةٍ مباشرة لسماع هذا الصوت القرآني وتأمّل أثره، مما دفعها إلى التساؤل عن كيفية تشكّله وتأثيره في النفوس. ومن هنا بدأت رحلتها البحثية في تقاليد التلاوة في مصر.
وقد أجرت نيلسون عملها الميداني لمدّة عامين، مركّزةً على القاهرة. وتذكر أنّ المجتمع القاهري أبدى دعمًا ملحوظًا لمشروعاتها البحثية، رغم ما كان يراودها من تساؤلات حول كيفية تقبّل المجتمع لامرأة غير مسلمة تخوض في هذا المجال. لكنّها سرعان ما أدركت أن هذه المخاوف لم تكن في محلها.
وتوضح أنّ من أبرز ما يميّز مصر في مجال تلاوة القرآن هو الإرث العلمي العريق المرتبط بـ جامعة الأزهر، التي شكّلت عبر القرون مركزًا مهمًا لتعليم العلوم الإسلامية، ويقصدها طلاب من مختلف أنحاء العالم. ونظرًا للمكانة الرفيعة التي يحظى بها علماء الأزهر داخل مصر وخارجها، فقد انتشرت في القاهرة مراكز عديدة لتعليم القرآن.
ويُعدّ تحسين الأداء الصوتي في التلاوة هدفًا أساسيًا لدى طلاب الأزهر، كما يتميّز المجتمع القاهري بذائقةٍ عالية في تقدير جمال الصوت، حيث تحظى التلاوات ذات الأداء المتميّز بإعجابٍ واسع. ولهذا، لا تكاد تخلو المناسبات العامة والخاصة من حضور القرّاء ، وهم المتخصصون في تلاوة القرآن وفق قواعد دقيقة، حيث يقرؤون لساعاتٍ طويلة في أجواءٍ روحانية يستمع فيها الحضور بخشوعٍ وإنصات.
ومع دخول الإذاعة والتلفزيون إلى مصر منذ ثلاثينيات القرن العشرين، أصبحت تلاوة القرآن من أبرز الموادّ الإعلامية، وبرز القرّاء أصحاب الأصوات العذبة، وانتشرت تسجيلاتهم على نطاقٍ واسع، حتى تجاوزت شهرتهم حدود مصر إلى العالم الإسلامي. وبهذا نشأ ما يمكن تسميته بـالقرّاء المحترفين، الذين حظوا بمكانةٍ اجتماعية مرموقة، وأصبح أداؤهم يُنظر إليه بوصفه فنًّا ذا حضورٍ مؤثر في الفضاء العام.
وقد اتسم كل قارئ بأسلوبٍ خاص في الأداء، مما أضفى تنوّعًا غنيًا على فن التلاوة. ومن بين الأنماط المعروفة:
· أسلوب الترتيل (المُرَتَّل): وهو الأداء المعتدل السرعة، ويُستخدم غالبًا في الصلاة.
· أسلوب التجويد (المُجَوَّد): وهو أداءٌ بطيء نسبيًا، يركّز على إبراز جمال الصوت، مع مراعاة دقيقة لأحكام التجويد وتدرّجات النغم، بهدف التأثير العميق في السامعين.
وتشير نيلسون إلى أن مؤسسات عديدة في مصر كانت تُعنى بتعليم أسلوب الترتيل، بما في ذلك المدارس والجامعات بدعمٍ حكومي، في حين كان الأسلوب المجوّد هو الأكثر حضورًا في وسائل الإعلام. وخلال دراستها، تعلّمت نيلسون على أيدي أساتذة متخصصين في مصر علم القراءات، وأتقنت قواعد التجويد، مما مكّنها من فهمٍ دقيق لبنية التلاوة وأسسها.
وفي الختام، تؤكد أنّ انتقالها من مجرّد بحثٍ أكاديمي إلى تجربةٍ قائمة على شغفٍ حقيقيّ بالقرآن، أتاح لها الوصول إلى نتائج عميقة وملاحظاتٍ أصيلة، جعلت دراستها ثريّة ومتميّزة في هذا المجال.

