حينما تذكّرتُ ذلك الإعلان ضحكت حتى اختنق الضحك في صدري. فنحن عادة نرى إعلانات من قبيل: «مطلوب عريس» أو «بحث عن عروس»، أما هذا فكان شيئا آخر تماما! الأمر أوسع بكثير. يقول الإعلان: «يُطلب زوج… أو زوجة… أو من يكون كلاهما… أو لا يكون أيّا منهما! هذا قالب لحمي ذو مواصفات محددة وطول كذا ولون كذا؛ من يحتاجه فليتقدم!»
وأما الذين يأتون بحثا عن الشريك فحالهم أغرب. فإلى أين يذهبون؟ لا يقولون: «نذهب لرؤية فتاة»، ولا «نذهب لرؤية شاب». وحتى هذا الذي يسير معهم، هل هو رجل أم امرأة؟!
خرج من البيت صباحا رجلا، ولما وصل إلى موقف الحافلات خيل إليه أنه امرأة فيقرر ارتداء الساري! ثم حين يخالط الناس، يتهيّأ له أنه مخلوق مركب من الذكورة والأنوثة في آن واحد. وعندما ركب الباس يعود إليه شعور آخر: «أنا ديك فريد من نوعي!»
نعم، يمكن هدم الجدران، وتكسير الأسوار، وإزاحة الصخور… ولكن لا يمكن لأيّ بشر أن يغيّر الفوارق الجوهرية التي فُطر عليها الخلق، ولا يمكن تحويلهما إلى شيء واحد لإشباع خيالٍ عاطفيٍّ مبالغ فيه. وإذا أُجبرنا على محاولة تغيير ما لا يمكن تغييره، ستنشأ كوارث، وهذا مؤكد. يكفي أن ننظر إلى الغرب حتى تحترق حدقات العين من شدة العبر!
فالذكر ذكر، والأنثى أنثى. وباتحادهما يُخلق الإنسان الجديد. وكما تقول بديهيات علم الإنتاج: كلما كانت المواد الخام نقية قوية، جاء المنتج أجود. أمّا إذا أخذنا نصنع من الرجل امرأة رخوة، ومن المرأة رجلًا مفتعلاً، فسننتهي بجيل من كائنات ذائبة الهوية، لا هي رجال ولا نساء، جيل ثالث من "سيسكو سابيينز"(الإنسان الجنسي) بدلا من "هومو سابيانز" (الإنسان العاقل). ولذا، نجعل الرجل رجلا كامل الرجولة، والمرأة امرأة كاملة الأنوثة بلا مسخ ولا تشويه.
وليس خافيا أن في النفس البشرية ميلًا غريبًا للاستمتاع بمشهد انهيار النظام رغم أنه قبيح، كما يفرح الأطفال حين تقول المعلمة: «ربما تُغلق المدرسة أسبوعا بسبب الأمطار والانهيارات!» أو كما فرح الناس سرا عندما سمعوا في زمن وباء كورونا: «لا عمل، لا خروج، لا استحمام، الجميع في البيوت!»
كلّنا نحب كسر القيود، والقيادة بأقصى سرعة، وإزالة الحواجز، لكننا نتباطأ ونحذر لأن الطريق مليء بالحفر والمنعطفات. نحب أكل الجيليبي والمندي واللذيذ من الطعام، لكننا نحجم عن ذلك لأننا نعرف ما يفعله المرض بالجسد.
ثم نسأل أنفسنا :- لماذا نحن نتمسّك ببعض القيم القاسية اللصيقة بصدورنا، فما معنى الجدران والأسوار أصلا؟ لماذا لا يعيش كل شخص في أي بيت؟ ولماذا لا يقطف كل إنسان ثمار أي بستان؟ ولماذا على المعلّم أن يتحدّث عن القيم والانضباط؟ وإذا قيل للطلبة: «تحرروا من التمييز والحدود، امتزجوا، أحبّوا، تفرّعوا»، فإن الجامعات ستغرق في طوفان الرغبات.
لكن تمهّل قليلا... ما الذي يحدث بعد انهيار هذا النظام؟
ما الذي ينتظر المجتمع خلف هذه اللذة الحيوانية المزيّفة ؟ ومن الذي يستفيد من هذه الفوضى؟ أليس واضحا من هي القطط التي تصطاد في الماء العكر؟!
ثم إن في العالم جنسا ثالثا، وهو حقيقة قديمة وليست اختراعا جديدا. ليسوا محل سخرية ولا اضطهاد، خلقهم الله كما خلق الذكر والأنثى.ولا يملك أحد، حتى الملحد، أن يقرر لنفسه أن يكون ذكرًا أو أنثى أو غيرهما. فالكون كله يسير وفق نظام دقيق محكم.
فالمشكلة ليست هنا. لكن هناك لصوص د يختبئون داخل القضايا الحقيقية ليستخدموها مطيّة. كحال الطالب الذي تأخر في الصف لأنه وقع في حفرة، فسمحت له المعلمة . وهنا يأتي طالب ثان ويقول: «أنا أنام كثيرا، لدي الحق أن أتأخر!»
وثالث يقول: «أنا نائب رئيس جمعية الهروب من الحصص!»
ورابع يقول: "أنا عبقري اللحظة… قد أكون طالبًا أو جنديًا أو موسيقيًا كلّ دقيقة… اسمحوا لي بالدخول وقت أشاء!"
العذر الأول فقط مقبول. والبقية مرضى نفسيون أو مشهون. فوجود أشخاص ذوي طباع غرائبية في المدارس أمر مألوف، والمدارس إنما أسست لتقويمهم وتحويلهم إلى ذوي أخلاق راسخة. وكذلك المجتمع؛ فمن الطبيعي أن نجد فيه أنواعا مختلفة من الاضطرابات النفسية، وقد يظهر بين الناس من يعبر عن ميول جنسية شاذة أو غرائز غير مألوفة، بل ربما يذهب بعضهم في حالة من الخلل الخطير إلى ادعاء حاجته، لإشباع رغباته، إلى ما لا يتصور في الأصل: كالأم أو العمّة أو الطفل، أو حتى إلى جثة أو حيوان.
غير أنّ المعضلة الحقيقية تكمن في أن الجهات التي كان ينبغي لها إنشاء مراكز متخصّصة لعلاج هذه الاضطرابات، ومساندة من ابتُلوا بها، هي نفسها تحاول لتشييد خيمة جديدة تُلصَق بها شعارات «LGBT+»، ثم تمضي في تبرير هذا الاضطراب وتلميعه، وكأن ذلك من صلب مهامها ورسالتها.
هناك حقيقة بسيطة لا تُخفى:
لو غطّينا كل طلاب المدرسة بأكياس نحاسية، وأدخلناهم إلى الصف بلا أي ملامح ظاهرة…
فعندما يبلغ الذكر، سينبت شاربه ولحيته، ويتضخم جسده.
وعندما تبلغ الأنثى، سينمو صدرها ويأتيها الحيض—في الصفّ نفسه، وفي الوقت المحدد.
وأقولها بصراحة: مهما حاول البعض تغطية الحقائق أو طمسها، فهناك أمور لا بدّ أن تظهر. فحتى لو غطّوا جميع تلاميذ المدارس بأقمشة نحاسية محكمة من رؤوسهم حتى أقدامهم، وجروهم إلى الصفوف بهذا الغطاء، فإنّ الطبيعة ستأخذ مجراها عند بلوغ السنّ. سيكبر الفتيان وتنبت لحاهم وتغلظ أصواتهم وتبرز ملامح الرجولة في أجسادهم، كما ستنمو صدور الفتيات وتبدأ دورتهم الشهرية، كل ذلك في وقته المحدد، داخل الصف نفسه، مهما حاولوا أن يخفوه أو يلغوه.
وليس أحد هنا ضد الذكر، ولا ضد الأنثى، ولا ضد العدل، ولا ضد الحقوق، ولا ضد العمل أو الدراسة. بل الأذى الحقيقي الذي تتعرّض له المرأة - وما زال يلاحقها عبر السنين - إنما يأتي من أولئك الرجال الذين يفترض فيهم أن يكونوا مأمنها وسندها، فإذا بهم يمارسون عليها أسوأ صنوف القسوة والانحراف الخلقي. الزوج الذي تحمل على عاتقه مسؤولية المودّة والرعاية والطمأنينة، هو نفسه من يعتدي عليها ويحول ربيع حياتها إلى رماد. وهذه الفئة المريضة موجودة في كل مجتمع، فإذا تخلّصت المرأة من قبضتهم لوجدت راحتها وحريتها. فلا يبقى قضايا المرأة بعد ذلك إلا ضجيجا من أهل الندوات لاحتساء القهوة وقضم الفول السوداني. إنّ مساواة كاذبة تدّعي أن المرأة تصبح رجلا كاملا بمجرد أن ترتدي السروال وتنزل إلى النخيل، ثم يخبرونها: "ها قد بلغت قمة التحرّر!" ليست سوى عبث لا ينطلي على أحد".
والأعجب من ذلك ظن بعض الجهال أن النتوءات والحفرات التي لا تزال، يمكن طمسها بالمساحيق أو معالجتها بالخِرَق. حين أتذكّر أن مثل هذه البلاهة قد نجحت في التسلّل إلى عقول الناس، شعرت ببلغم ثقيل يملأ حلقي.. ثفففوووو…



