علينا أن نفهم أولا ليس الرجل والمرأة خصمين متنافسين يسعى كلٌّ منهما للانتصار على الآخر، بل إنّهما شريكان في مسيرة التكامل، يتسابقان نحو التعاون والتكامل ليصيرا يومًا بعد يوم كيانًا واحدًا، هذا ما ينبغي أن نفهمه، ولا نغرق في العاطفة المفرطة القائلة بأنّ المرأة والرجل متساويان بنسبة 50:50 في كلّ شيْ ، كما لا ينبغي أن نظنّ أنّ على المرأة أن تبقى دائمًا دون نسبة الخمسين، فهناك مواقف كثيرة تكون فيها المرأة أقوى من الرجل وأقدر منه. ولننظر إلى المثال التالي:
فعَن أبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه قال: جاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رَسولَ اللهِ، مَن أحَقُّ النَّاسِ بحُسنِ صَحابَتي؟ قال: أمُّك، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: ثُمَّ أمُّك، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: ثُمَّ أمُّك، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: ثُمَّ أبوك. انظروا إلى الحساب الذي وضعه النبي ﷺ! الأم أولًا... ثمّ الأم... ثمّ الأم... ثمّ الأب ، تكون النسبة الآن: للأمّ 75 % وللأب 25%.
سنأتي الى موضوع الزواج ، كأوّل فترة من فترات المعاشرة والحياة الاجتماعية ، لعلّك تقدر على تطبيق المساوات في تحمل تكاليف الزّواج وأعبائه فكيف يمكنك تطبيق نسبة 50:50 في المراحل التي بعد الزواج من أهمّها الحمل ، تمرّ المرأة الحامل بعدد من التغيّرات الجسديّة التي تُسبّب لها متاعب مختلفة من مرحلة إلى أخرى من الحمل، ونبيّن لك بعض هذه المشاكل بالتفصيل.
في المرحلة الأولى من الحمل تعاني من :
- الغثيان والقيء الصباحي وقد يصاحبه فقدان للشهيّة .
- تغيّرٌ في الذوق والشهيّة ، قد تكره بعضَ الأطعمة ، لا تستطيع استعمالها .
- الإرهاقُ وكثرة النّوم، لأنّ الجسم يبدأ بالتأقلم مع الحمل الجديد ويستهلك طاقة إضافية.
- الدوخَة وانخفاض ضغط الدم ، بسبب توسع الأوعية الدموية وزيادة الدورة الدموية.
- آلام خفيفة أسفل البطن، تنتج عن تمدّد الرحم في بدايات الحمل .
في المرحلة الوسطى من الحمل:
- انتفاخُ البطن وزيادة الوزن ، نتيجة نموّ الجنين واتساع الرحم.
- الإمساك ، بسبب بطء حركة الأمعاء تحت تأثير الهرمونات.
- مشكلات بوليّة، مثل كثرة التبوّل أو احتمالية حدوث التهابات في المسالك البولية.
- آلام الظهر والفخذين، بسبب زيادة الوزن وتغيّر مركز توازن الجسم.
- تشقّقات الجلد (علامات التمدّد) ، تظهر على البطن أو الثديين نتيجة تمدّد الجلد السريع.
في المرحلة الأخيرة من الحمل :
- ضيقُ التنفس، لأنّ الرحم المتضخّم يضغط على الحجاب الحاجز والرئتين.
- تورُّم القدمين والساقين، بسبب احتباس السوائل وصعوبة عودة الدم من الأطراف السفلية.
- قلةُ النوم، نتيجة ثقل البطنِ وحركة الجنين المستمرة.
- آلام الثديين وإفراز اللبن ، استعداداً للرضاعة بعد الولادة.
- تقلّصات وآلام متقطّعة، حين استعداد الجسم للولادة.
مرحلة الولادة:
تُعدّ الولادة من أصعب المراحل التي تمرّ بها المرأة في حياتها، إذ يتعرّض جسدها لتغيّرات كبيرة ومجهود جسدي شديد،مثل : آلام المخاض والطلق، الإرهاق الشديد، وصعوبة التنفس.
متاعب الحمل والولادة لا تقتصر على التغيرات الجسدية فقط، بل ترافقه أيضًا تغيرات نفسية عميقة تؤثر في شخصية المرأة، مثل القلق والخوف بشأن صحّة الجنين وسلامة الولادة، ومسؤوليات الأمومة القادمة، ومثل تقلب المزاج من الفرح إلى الحزن أو العصبية دون سبب واضح.
فالسؤال: كيف يمكنك تطبيق نسبتك المئوية في هذه المتاعب بين الرجل والمرأة، هل يستطيع الرجل تحمُّل شيء منها ؟ ، بالطبع ، لا. إذا كأنك تقول: نحنُ متساوون وجميعُ الأعباء على عاتقكِ.
تخيل، بناء على هذا الدعوى للتساوي بين الرجل والمرأة جسديا وروحيا، إذا قالت المرأة للرجل : يا حبيبي، ويا شريك حياتي ، تحملتُ متاعبَ مراحل الحمل كلّها، متاعبَ جسديّة ونفسية واجتماعية، فهل تستطيع أنتَ التحمّل عنّي عبْءَ الولادة باستخدام التكنولوجيا الجديدة ، إن وجدت ؟ فالجواب : لا، بم؟ ، مستحيل.
حسنا ، تحملتُ أعباء الولادة أيضا، ولم تتولَّ بشيء ممّا سبق، أمّا الآن فقد تمّت الولادة، وخرج الجنين إلى الدنيا سالما صحيحا جسديا، فهل تستطيع أنتَ يا رجل! الاعتناءَ بالرضيع؟ وتحمّلَ مسؤلية الرعاية؟.لا، لا، والله! لماذا ، ألسنا متساوون؟ بلى، متساوون، ولكن جميع الأعباء على عاتقكِ!
فإنّ من يرفع شعار المناصفة على الملأ، أو يجادل بانفعال في الندوات، أو يرفع صوتَه في الشوارع، عليهم أن ينظروا إلى حقيقة ملموسة، وهي: أن العدالة بين الرجل والمرأة لا تُقاس بالكلمات وحدها، بل بفهم الطبيعة والواقع، وبالإقرار بقدرة كلّ طرف على تحمّل ما هو ممكن، والاعتراف بما هو فريد للآخر.
فمن الواضح أنه لا يمكن تطبيق مبدأ المناصفة في جميع الأمور. يُمكنك تقاسمُ العمل والأعباء بالتساوي، لكن في بعض الأمور، وفي بعضها يصبح مُستحيلًا. صحيح أنّ وجود الأب بجانب الأمّ ضرورة، لكنه يظل محددًا بحدودٍ لا تتجاوز الدعم، بينما الأمّ تتحمل الحمل والولادة والرضاعة، وتزرع في قلب الطفل بذور التربية الأولى. هذه الأعباء الثلاثة لا يلحظها الصغير، لكنّها تشكل جوهر تكوينه. ومن هنا جاء قول النبي ﷺ: أمّك ثم أمّك ثم أمّك، قبل أن يُعطى الأبُ مكانه.



