في زمانٍ يتغنّى فيه الناس بشعار المساواة المطلقة، كثيرًا ما تُرفع هذه الكلمةُ لا لتحقيق العدل، بل لتبرير العبث، ولطمس الفوارق التي فطر الله الناس عليها. كم من نداءٍ للمساواة بدأ دعوةً إلى الرحمة، ثم تحوّل -من حيث لا يشعر أصحابه - إلى سلاحٍ لهدم الفطرة، وإلغاء الخصوصيات التي جعلها الله أساس التوازن في الحياة.
تُرى، هل يمكن أن يكون الليل والنهار سواء؟ كلاهما نعمة، لكن لكلٍ وظيفته وحدّه. فلو زال الليل بحجة أنه كالنهار، أو ساد النهار بلا ليلٍ يعقبه، لاختلّ نظام الأرض، وضاع الإيقاع الذي به تستقيم الحياة.
كذلك الرجل والمرأة؛ لا يعلو أحدهما على الآخر بالقدر، ولكنّ الاختلاف بينهما هو سرّ الكمال، كما أن تنوّع الألوان هو سرّ الجمال في لوحة الوجود.
لقد رأينا كيف تُستعمل المساواة في غير موضعها، حتى يُراد بها أن تسلب الرجل رجولته وتنتزع من المرأة أنوثتها، باسم الحرية والإنصاف. ثم يُقال: نحن سواء في كل شيء. لكنّ هذا القول يحمل في طيّاته ظلمًا عميقًا، لأن التسوية بين المختلفين ليست عدلًا، بل عبثٌ بالفطرة. فالوردة والياسمين متشابهان في الطيب، لكنّ لكلٍّ منهما عبيره الخاص. والذهب والفضة كلاهما نفيس، لكنّ مقامهما مختلف. فمن أراد مساواتهما في كل~ شيء، أضاع قيمة كلٍّ منهما.
إنّ الاختلاف لا يعني التفاضل في الكرامة، بل التكامل في الوظيفة. المرأة تاج الرحمة في البيت، ومصدر السكينة في الوجود، والرجل عمود الحماية والسعي والكفاح. وما كان الضعف في اللين، ولا النقص في العاطفة، بل تلك هي الأمانة التي بها تكتمل صورة الإنسان.
أما أن يُقال: ما دام كلانا بشرًا فلابد أن نكون متماثلين في كل مجال، فذلك كمن يقول: النار والضياء من نورٍ واحد، فليقم الضياء مقام النار في الطهو! فهل تستوي النار التي تحرق، والضوء الذي يُبصر به؟
كذلك لا يستوي التكليف بين من جُبل على الرعاية، ومن خُلق للكدّ والسعي.
إنّ الإسلام حين أقام التوازن بين الرجل والمرأة لم يجعل أحدهما سيّدًا على الآخر، بل جعلهما شريكين في عبادةٍ كبرى: عبادة الإعمار، والتكامل، وحفظ الفطرة. فالمساواة الحقيقية هي أن يُعطى كلٌّ حقَّه في مجاله، لا أن يُمحى الفرق بين الأدوار والوظائف. قال الله تعالى: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى (آل عمران: 36)
لا تمييزًا في الكرامة، بل بيانًا للفطرة التي بها يستقيم البناء الإنساني.
فليست العدالة أن تتشابه الأدوار، بل أن تُؤدّى الأمانات بعدلٍ ورضا. مثلا إذا صار واحد وزير المال والآخر وزير العدل ، كلاهما وزيران ، ولهما كرامة متساوية ومسؤولية عظيمة، بل إذا ادعى الواحد أنِّي أعمل مثل ما يعمل الآخر وأذهب حيث يذهب الآخر! كيف يكون التساوي والتوازن في الحكم والإدارة!؟ وليس الشرف أن يُلغى الاختلاف، بل أن يُحترم التنوع الذي أراده الله حكمةً في خلقه.
إنّ من يرفع شعار المساواة المطلقة إنما يريد أن يجعل الليل كالنهار، والرجل كالمرأة، والوردة كالسيف، فيفسد كلّ شيءٍ باسم الإصلاح. أما العدل الحقّ فهو أن تقول لكلٍّ منهما: كُن كما خلقك الله… ففي اختلافك تمام الجمال، وفي تميزك سرّ الكمال.
يُقال اليوم: نحن متساوون في كل شيء، لا تفاضل بين رجلٍ وامرأة، لا قيادة ولا تابع، لا قوامة ولا تكليف مختلف! فكأنهما - في زعم القائلين - وزير الداخلية ووزير الخارجية في حكومةٍ واحدة، لا ينبغي لأحدهما أن يتقدّم أو يتأخّر، بل يسيران معًا في كل موضعٍ ومقام! إنها مساواةٌ غريبة تُنكر سنة الله في خلقه، وتغفل أن الاختلاف في الوظائف ليس ظلمًا بل عدلًا، وليس انتقاصًا بل توازنًا.
هذه الدعوات الصاخبة بالمساواة المطلقة ما هي إلا نارٌ تشتعل حولنا باسم الحرية، بينما أصلها من رماد الجهل والفوضى. فالحقائق شيء، وتخيّلات النفوس شيءٌ آخر. الذين يقولون إن الرجل والمرأة في كل شأنٍ سواء، كأنهم يريدون أن يجعلوا السماء والأرض في مستوى واحد، والليل والنهار على وتيرةٍ واحدة! أما الواقع فيقول غير ذلك.
منذ اللحظة الأولى لخروج الإنسان إلى الحياة، يرجو الرضيع فطرته فيسعى إلى صدر أمّه لا إلى كتف أبيه. فطرةٌ لم تُعلَّم ولم تُدرَّب، لكنها تنجذب حيث الأمان، حيث الحنان، حيث الدفء الذي جعله الله في قلب الأم. حتى الطفل الصغير - الذي لا يعرف من قوانين الدنيا شيئًا - يعلم أن العلاقة بين الأب والأم ليست خمسين بخمسين، بل أن للأم فضلًا لا يُقاس.
ولذلك لم يقل الدين إن الجنة تحت أقدام الآباء، بل قالها صريحةً ناصعة: الجنة تحت أقدام الأمهات. هنا لا حديث عن مساواةٍ حسابية، بل عن فضلٍ سماويٍّ يتجاوز كل نسبةٍ ومقدار. ولذا قال أحد الصالحين: لمّا علمتُ أنّ زوجتي تحمل أول جنينٍ لي، لم أقبّل بطنها فرحًا، بل قبّلت قدميها إجلالًا، لأنّ تحت قدميها جنتي وجنة ولدي.
انظر إلى الأحاديث النبوية، كيف رفعت من قدر المرأة في مواضع التربية والرحمة: قال رسول الله ﷺ: مَن كُنَّ له ثَلاثُ بناتٍ يُؤْويهِنَّ، ويَرحَمُهُنَّ، ويَكفُلُهُنَّ، وجبَتْ له الجنَّةُ البتَّةَ، قال: قيل: يا رسولَ اللهِ: فإنْ كانتِ اثنتَيْنِ؟ قال: وإنْ كانتِ اثنتَيْنِ، قال: فرَأى بعضُ القومِ أنْ لو قالوا له: واحدةً، لقال: واحدةً. فأين في السنة أن من ربّى ثلاثة أبناءٍ فله الجنة؟ لا وجود لذلك! لأن الإسلام لم يجعل الفضل في الذكورة أو الأنوثة، بل في الرحمة والعطاء.
والذين يزعمون أن الدين ظلم المرأة، لم يقرؤوا إلا ما أراد لهم الإعلام أن يقرأوا. أما من تدبّر الوحي، علم أن الإسلام لم يرفع المرأة بالشعار، بل بالمنزلة، ولم يكرمها بالقول، بل بالفعل والتشريع. تأملوا المجتمعات التي نادت بالمساواة المطلقة: جعلوا المرأة في الظاهر حرّة، وفي الباطن سلعة. قالوا لها: تحرّري بلباسك!، ثم جرّدوها من سترها حتى صارت جسدًا بلا روح. قالوا لها: كوني مثل الرجل!، فإذا بهم يجعلونها أداتهم لتسويق كلّ شيءٍ من الشهوة إلى السياسة.
يا سيّدتي ! ليست حرّيتكِ في أن تُقلّدي الرجل في زيّه وعاداته، بل في أن ترفعي رأسك بالحياء والعفاف، وأن تقولي للعالَم: أنا حرّة لأنني مطيعة لله، لا لأنني عاريةٌ من فضيلتي. فليعلم كل من يرفع شعار المساواة وهو يطلب التماثل، أن الله لو شاء لجعل الناس صنفًا واحدًا، لكنه خلق الذكر والأنثى، واختصّ كلًّا بميزةٍ ومقام، حتى تقوم الحياة على التكامل لا التنافس، وعلى التوازن لا التنازع. فليست المرأة ظلًّا للرجل، ولا الرجل سيدًا عليها، بل هما جناحان لطائرٍ واحدٍ، لا يطير إلا بهما معًا، ولن يعلو إلا إذا احترم كلّ جناحٍ مكان الآخر، وسار على ما رسمه الخالق الحكيم في كتابه وخلقه.



