منذ أن سمع أهل يثرب بأن النبي ﷺ قادم، بدأوا في انتظاره بشوق. ومنذ تلك اللحظة، صار أهل يثرب يخرجون جماعات إلى أطراف المدينة، ينتظرونه. كانوا يصعدون التلال، يُحدقون في اتجاه مكة، رغم حرارة الشمس. وفي حديث رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها: منذ أن خرج النبي ﷺ من مكة، كان أهل المدينة يأتون إلى أطراف المدينة بعد صلاة الفجر، وينتظرون في الصحراء حتى تشتدّ الشمس. فإذا اشتدّ الحرّ ولم يجدوا ظلاً، رجعوا إلى بيوتهم.
وفي يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، وبعد انتظار طويل في الحرّ الشديد، بدأ الناس بالعودة إلى بيوتهم، وإذا بأحد اليهود كان يقف على سطح منزله، فشاهد من بعيد جماعة صغيرة مقبلة من جهة مكة. فصرخ بأعلى صوته: يا معاشر العرب، هذا حظُّكم الذي تنتظرونه! لقد جاءالرجل الذي تنتظرونه!.
فأسرع أهل المدينة فرحين، فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِظَهْرِ الْحَرَّةِ، فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بستان كلثُم بن الهِدم من سيّد بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وفي ذلك البستان بيتُ كلثم بن الهدم، وَذَلِك يَوْمَ الاِثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيع الأَوَّلِ، فَقَامَ أَبُو بَكْر لِلنَّاسِ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَامِتًا، فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ، حَتَّى أَصَابَتِ الشَّمْسُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم . وفي هذا البيت نزل النبي ضيفا لمدّة 15 يوما تقريبا، وفي هذا البستان كان النبي يتوضّأ من بئر عِذق وكان يشرَب منه ويصلّي.
نقل الإمام أحمد وغيره رواية فيما يخصّ عن دخول النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يدخل المدينة أرسل إلى بني النجار، وكانوا أخواله لأن أم عبد المطلب منهم. فجاؤوا متقلدين السيوف ، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه : اركبوا آمنين مطاعين. وكان اليوم يوم الجمعة فلما ارتفع النهار دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم براحلته وحشد المسلمون ولبسوا السلاح، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقته القصواءَ والناس معه عن يمينه وعن شماله وخلفه، منهم الماشي والراكب، فاجتمعت النساء والصبيان على سقف البيت ويقولون: جاء رسول الله ﷺ! جاء رسول الله ﷺ! كانوا يردّدون ذلك بفرحٍ وحماس، مستبشرين ومبتهجين بمقدمه المبارك.
وفي رواية : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قباء يريد المدينة فتلقاه الناس فخرجوا في الطرق وعلى الأباعر وصار الخدم والصبيان يقولون : الله أكبر ، جاءنا رسول الله جاء محمد. يقول أنس إني لأسعى مع الغلمان إذ قالوا : محمد جاء فننطلق، فلا نرى شيئا ، حتى أقبل وصاحبُه أبو بكر فمكثا في بعض جدر المدينة وبعثا رجلا من أهل البادية ليؤذن بهما الأنصار فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار، حتى انتهوا إليهما فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مطاعين. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بين أظهرهم ، فخرج أهل المدينة حتى أن العواتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن: أيّهم هو؟ أيّهم هو؟ فما رأينا منظرا شبيها به قبله وبعده.
روى الإمام أحمد وأبو دود عن أنس بن مالك رضي الله عنه: لما قدِم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المدينةَ ، لعبتِ الحبشةُ لقدومِه فرحًا بذلك ، لعبوا بحرابِهم. ، وحيّاه الناس - صغارهم وكبارهم - يهنئونه ويستقبلونه بالفرح والسرور. وقد أنشد أهل المدينة ذلك النشيد الشهير الذي أصبح معروفًا في العالم الإسلامي:
طلعَ البدرُ علينا من ثنيّات الــــــــــــــوداع
وجَب الشكرُ علينا ما دعــــــــــــــــــــــــــــــــا للهِ داع
أيها المبعوث فينا جئتَ بالأمر المطاع
جئتَ شرّفتَ المدينة مرحبا يا خـــــــــــيرَ داع
حينما وصل النبي ﷺ إلى المدينة، أضاءت المدينة بأكملها. ويشهد أبو خيثمة أنه لم تشهد المدينة يومًا أكثر إشراقًا وتألّقًا من ذلك اليوم. دعا كلّ أهل المدينة النبيَّ ﷺ إلى بيوتهم، وصار بعضهم يصف المزايا والتسهيلات الموجودة في بيوتهم ترحيبًا به، فقالوا: يا رسول الله، أقم عندنا في العدد والعدّة والمنعة. لكن النبي ﷺ قال لهم جميعًا: دعوا الناقة، فإنّها مأمورة، فحيثما بركتْ فهو منزلي. أي أين تبرّك ناقتي القصواء فأنزل هناك.
أقام النبي صلى الله عليه وسلم في قباء أربعة أيام من يوم الإثنين إلى يوم الجمعة ، و في يوم الجمعة لثالث وعشرين من سبتمبر تابع رحلته من قباء ، ثم بركت ناقته القصواء في موضع يقوم هنا اليوم المسجد النبوي. عندما وصل النبي ﷺ إلى المدينة، تَوجَّه إلى الله ببعض الأدعية. ثم قال: إن شاء الله، هذا هو محل إقامتنا. ثم تلا آية: وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ. ( المؤمنون :29)، ودعا أيضا: اللّهم، لقد خرجتُ من أحبِّ البلاد إليّ، وها أنا قد بلغتُ إلى أحبِّ البلاد إليك، فبارك لنا فيها! اللهمّ إن إبراهيم عبدك وخليلك دعاك لأهل مكة، وأنا عبدك ورسولك، أدعوك لأهل المدينة بمثل ما دعاك به إبراهيم لمكة، ومثله معه.
وجاء أبو أيوب فكلّموه في النزول عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيّ بيوتِ أهلِنا أقرب؟ فقال أبو أيوب : أنَا يا نبيّ الله، هذه داري وهذا بَابِي وقد حططنا رحلك فيها. قال: فانطلِق فهيّئ لنا مقيلا ، فذهب فهيأ لهما مقيلا . لما نزّل على أبي أيوب خرجت بنات من بني النجار يضربن بالدفوف ويقلن
نحن بناتٌ من بني النجّار يا حبّذا محمّدٌ منْ جَار
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتحبّبنني؟ قلن : نعم، يا رسول الله! وفرح بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فرحا شديدا. فقال : وأنا والله أحبّكنّ، وكرّرها ثلاثا.
يقول أبو أيوب الأنصاري، لمّا نزل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي نزل في السّفل وأنا وأم أيوب في العلو ( كان بيته في الطابقين) : فقلت له : يا نبيّ الله ، بأبي أنتَ وأمّي ، إنّي لأَكره وأعظَم أن أكونَ فوقك وتكون تحتِي ، فأظهر أنت فكُن في العلو ، وننزل نحن فنكون في السُّفل ، فقال : إنّ أرفق بِنا وبمنْ يغشانا أن نكون في سفل البيت.
فكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في سفله وكنّا فوقَه في المسكن ، فيوما لقد انكسر وعاء لنا فيه ماء ، فقمت أنا وأمّ أيوب بقطيفة لنا- ما لنا لِحاف غيرُها - ننشفُ بها الماء تخوّفا أن يقطُر على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء فيؤذِيه. وبعد هذه الحادثة لم يزل أبو أيوب الأنصاري يتضرع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليكون في العلو ،حتى تحوّل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المسكن إلى العلو وأبو أيوب في السفل .
قال أبو أيوب : وكنّا نصنع له العَشاء ثم نبعث به إليه ، فإذا ردّ علينا فضلَه تيمّمتُ أنا وأمّ أيوب موضعَ يدِه فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة، حتى بعثنا إليه ليلة بعَشائه وقد جعلنا له فيه بصلا أو ثُوما ، فردّه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم أرَ لِيَدِه فيه أثرا . قال: فجئتُه فزِعا فقلتُ : يا رسول الله بأبي أنتَ وأمّي رددتَّ عَشاءك! ، ولم أر فيه موضعَ يدِك وكنتُ إذا رددتَّه علينا تيمَّمتُ أنا وأمّ أيوب موضعَ يدِك نبتغي بذلك البركة!. قال : إنّي وجدتُ فيه ريحَ هذه الشّجرة وأنا رجلٌ أُناجي، فأمّا أنتُم فكُلوه .قال : فأكلناه ولم نضع له تلك الشجرة بعد .
بعد وفاة أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، انتقل ذلك البيت إلى خادمٍ يُدعى أفلَح، فباعه بمبلغ ألف دينار إلى مُغِيرَة بن عبد الرحمن. وفيما بعد، اشتراه شهاب الدين الغازي، ابن القائد العادل نور الدين الزنكي، وحوّله إلى مدرسة سُمّيت بـالمدرسة الشهابية. ثمّ، في القرن الثالث عشر الهجري، أصبحت تُعرف باسم زاوية الجنيد في نفس الموقع. واليومَ، أصبح ذلك المكان جزءًا من الركن الجنوبي الشرقي من المسجد النبوي الشريف.
كان اسم المدينة قبل الهجرة يسمّى بيثرب، وقد نُسب هذا الاسم إلى أحد أحفاد النبيّ نوح عليه السلام، يُدعى يثرب، الذي يُقال إنه أسّس هذا الموضع. أما اسم المدينةفهو الاسم الذي سمّاها به النبي ﷺ بنفسه.
وقد روى الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: أُمرتُ بقرية تأكل القرى، يقولون لها يثرب، وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد. أي أُمرتُ بالهجرة إلى قرية تغلب –تأكل- سائر القرى، يسمّونها يثرب، وهي المدينة، تُخرج الأشرار منها كما ينفي الكير خبث الحديد.
مع قدوم النبي ﷺ إلى يثرب، تحوّل اسمها إلى مدينة الرسول، وعُرفت لاحقًا باسم المدينة المنوّرة. وكما جعل الله مكة بلدًا آمنًا ومقدّسًا بدعاء إبراهيم عليه السلام، فقد جعل المدينة كذلك ببركة دعاء النبي ﷺ.
ورد في صحيح مسلم، عن النبي ﷺ قوله:إن إبراهيم حرّم مكة، وإني أُحرِّم المدينة. أي: كما جعل إبراهيم مكة بلدًا حرامًا -مقدّسًا ومحميًا-، فإن النبي ﷺ دعا بأن تكون المدينة كذلك، فاستجاب الله له، وأصبحت المدينة أيضًا حرمًا آمنًا. وجاء في حديث رواه البخاري عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه، قال: أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، حتى إذا أشرفنا على المدينة قال: هذه طابة ( طيبة)، وهذا أُحُدٌ، جبل يحبنا ونحبه.
يمكن تقسيم الفترة التي قضاها النبي ﷺ في المدينة إلى ثلاث مراحل: مرحلة تنظيم القبائل وإرساء الأخوة الإسلامية بينهم ويمتدّحتى صلح الحديبية، أي حتى السنة السادسة للهجرة. ومرحلة اتخاذ العهود والإتفاق بين أعداء الإسلام من أهل الكتاب والمشركين وبين المسلمين، واتخاذ بعض المواقف ضدّ مخالفي العهود، وقيام النبي صلى الله عليه وسلم بمراسلة الملوك ودعوتهم إلى الإسلام، وذلك حتى فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة. تعدّ المرحلة الثالثة منذ إقبال الناس أفواجًا إلى دين الله، حيث يكثر ورود الوفود إلى المدينة، وينتهي بوفاة النبي ﷺ في السنة العاشرة للهجرة.





