بعد بناء المسجد في المدينة، كانت الخطوة الكبرى التي أرسى دعائمها النبي ﷺ هي المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار. لقد كان ذلك من أروع المشاهد في تاريخ الإنسانية؛ إذ تجاوزت هذه الأخوة روابط النسب والمصاهرة، لتؤسس نموذجًا فريدًا من الأخوة الإيمانية الصافية.
وكان الصحابة مرتبطين بروابط المحبة والأخوة عندما كانوا في مكة قبل الهجرة، ومن هؤلاء الصحابة الأوائل : أبو بكرالصديق، عمربن الخطاب ، زيد بن حارثة ، حمزة بن عبد المطلب ، عثمان بن عفان، عبد الرحمن بن عوف، الزبير بن العوام ، عبد الله بن مسعود، عبيدة بن الحارث ، بلال بن رباح ، مصعب بن عمير ، سعد بن أبي وقاص، طلحة بن عبيد الله ، سعبد بن أبي زيد.
لكن المؤاخاة في المدينة حملت أبعادًا جديدة؛ إذ صارت مشاركةً في المال والديار، بل وفي الميراث زمنًا من الدهر، حتى استقل المهاجرون بأنفسهم. قد ترك المهاجرون أموالهم وديارهم في مكة، وجاؤوا إلى المدينة لا يملكون شيئًا، فآخى النبي ﷺ بينهم وبين الأنصار الذين قدّموا لهم كل ما يملكون من مال ومتاع، حتى بلغ الأمرُ أن يورّث الأنصاري أخاه المهاجر، كما أشار القرآن في قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ (النساء: 33) وظل هذا الحكم المذكور في التوراة قائمًا إلى أن استغنى المهاجرون، فنُسخ بآية الميراث بقول الله تعالى: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ (الأنفال: 75)
وقد أُعلنت المؤاخاة في بيت أنس بن مالك رضي الله عنه، فآخى النبي ﷺ بين عدد كبير من الصحابة، حتّى بلغوا نحو تسعين رجلًا. ومن أمثلة هذه المؤاخاة؛ الإخاء بين أبي بكر و خارجة بن زهير، وبين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك، وبين أبي عبيدة بن الجراح و سعد بن معاذ، وبين الزبير بن العوام و سلمة بن سلامة، وبين طلحة بن عبيد الله و كعب بن مالك، وبين مصعب بن عمير و أبي أيوب خالد بن زيد.





