حين نزل النبيّ ﷺ في المدينة، نزل أوّل الأمر في بيت الصحابي الجليل، أبي أيّوب الأنصاري رضي الله عنه، وكانت أولى اهتمامه تأسيس مركزٍ للدعوة، فشرع بالتفكير في بناء المسجد.
وكان المكان الذي بركتْ فيه ناقة النبي ﷺ أرضًا ليَتيمين من بني النّجار – سهل وسهيل – كانا تحت كفالة الصحابيّ أسعد بن زرارة رضي الله عنه. عرضا له الأرض هديّة بلا مقابل، غير أن النبيّ ﷺ أبى أن يأخذها إلا بالثمن، فاشتراها بعشرة دنانير، دفعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
ثم اشتغل النبي ﷺ وصحابته من المهاجرين والأنصار ببناء المسجد بأيديهم. وكان ﷺ ينقل اللبن والحجارة معهم، ويقول محفّزًا لهم:
اللهم إنّ العيشَ عيشُ الآخرة فاغفر الأنصار والمُهاجرة.
فأخذ الصحابة يردّدون هذه الكلمات على هيئة نشيد، وكان عبد الله بن رواحة ينشد قائلاً:
اللهم إنّ الأجرَ أجرُ الآخرة فأيّد الأنصارَ والمُهاجرة.
وإذا رأى بعض الصحابة يجلسون والنبيّ ﷺ يعمل، قالوا منشدين:
لئن قعدْنا والنبيُّ يعملُ لذاك مِنّا العمل المضلَّل.
فما يلبثون أن ينهضوا للعمل معه.
بُنيت أعمدة المسجد من جذوع النخل ، وجُعلت جُدرانه من اللبِن، وأعلاه مظلّلا بالجريد وسعف النخيل، وتُرك بعضه بلا ظلّ. كان المسجد في أول أمره جداراً بلا سقف، وكانت قبلته إلى بيت المقدس. فأمر النبي ﷺ بإزالة الماء الذي كان في أرضه وتنظيفه، وكانت الأرض مربدا لغلامين يتيمين، فيها نخل وخراب، فوكّل النبي ﷺ إلى أصحابه أمر تسويتها وتنظيمها. وبحسب رواية ابن سعد، صلّى النبي ﷺ في ذلك البيت البسيط الذي بلا سقف اثني عشر يوماً.
وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال حين شرع في بناء المسجد: ابنوا لي مسجدا عريشاً كعريش موسى، ابنوه لنا من لبِن، إنّما الدنيا أهون من ذلك. فسُئل عن وصفه فقال: إذا قام الرجل فيه مسَّ رأسَه السقف.
وكان الصحابة يتنافسون في حمل اللبنات، حتى قال عمّار بن ياسر رضي الله عنه للنبي ﷺ: يا رسول الله، دعني أحمل عنك. فكان عمّار يحمل لبِنتين في حين كان غيره يحمل لبنة واحدة.
بلغ طول المسجد ثلاثين مترًا، وعرضه خمسةً وثلاثين مترًا، وكان له ثلاثة أبواب: باب الرحمة في الجهة الجنوبية، وباب جبريل في الجهة الغربية،وباب النساء في الجهة الشرقية. وظل المسجد على هيئته الأولى حتى جُدّد بعد سبع سنين.
وبموازاة بناء المسجد، شُرع في بناء بيوت النبي ﷺ بجواره، وصارت تسع حجرات صغيرة على مرّ العصور، حجرات صغيرة تبلغ مساحة كلّ منها نحو ثلاثين إلى أربعين مترًا مربعًا فقط، ذكرها القرآن الكريم باسم الحجرات. وانتقل النبي ﷺ بعد ذلك، من بيت أبي أيوب الأنصاري إلى حجرته المتواضعة بجوار المسجد في جهة الشمال.
ومن أوائل ما قام به النبي ﷺ في المدينة إقامة صلاة الجمعة، فقد كان المسلمون قد يؤدون الجمعة قبل قدومه، لكن أول جمعة صلاها النبي ﷺ في المدينة كانت في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي رانوناء، وخطب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في نحو مائة من أصحابه جاء في مضمونها:
أيها الناس ، اتقوا الله حق تقاته، فوالذي نفسي بيده، ليأتينّ أحدكم ربه يوم القيامة ، ثم ليقولنّ له ربُّه وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي فبلّغك ، وآتيتُك مالا وأفضلتُ عليك، فما قدّمتَ لنفسك؟، فينظرالرجل يمينا وشمالا، فلا يرى شيئا، ثم ينظر قدّامه، فلا يرى غيرَ جهنم، فمن استطاع أن يقيَ وجهه من النار، ولو بشقّ تمرة فليفعل ، ومن لم يجد فبكلمة طيبة ، فإنّ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.





