كانت صفية بنت حييّ رضي الله عنها – زوج النبي ﷺ – من أصل يهوديّ. وقد روت عن نفسها موقفًا يكشِف عن نظرة اليهود للنبي ﷺ منذ قدومه إلى المدينة، قالت: كان أبي حييّ بن أخطب وعمّي أبو ياسر أحبّ الناس إليّ. لم ألقَهُما قطُّ مع ولدٍ لهما إلا أخذاني دونه. فلما بلغ رسول الله ﷺ قباء، خرجا إليه في ظلمة آخر الليل حتى عادا مع غروب الشمس. رجعا كسلانين ساقطين يمشيان مع الهوينى. فبادرتُ أستقبلهما بفرح، لكني لما رأيت حالهما تراجعتُ. فسمعتُ عمّي يسأل أبي: أهو هو؟ ( يعنى: هل محمد هو النبيّ الذي ننتظره؟) فقال: نعم، والله. قال عمّي: أتعرفه وتُثبِته؟ قال: نعم. فسأل عمّي أيضا: فمَا ظنّك في نفسِك منه؟ قال: عداوتُه والله ما حييتُ.
جاء اليهود إلى الحجاز مهاجرين من مَواطنهم الأصليّة بعد ما لاقَوه من اضطهادٍ من الرومان والآشوريين، فاستوطنوا يثرب وما حولها طلبًا للأمن والعيش. ومع طول المخالطة للعرب صاروا يتشبهون بهم في الملبس والعادات والمعاش، بل وارتبطوا معهم بروابط الزواج والمصاهرة. ومع ذلك احتفظوا بعصبيتهم العِرقية، وتمسّكوا بمفاهيم التفوّق على العرب، معتبرين أنفسَهم أصحاب الدّم النّقيّ والشرف الرفيع، بينما رأوا العرب أدنى منزلة.
وكانوا يعتقدون أنّ أموال العرب مباحةٌ لهم، وأنّ لهم حقّ السيادة عليهم بحُكم أنهم أهلُ كتاب وعلم، بينما العرب أمّيّون لا يكتبون ولا يقرؤون. كما اشتهروا بالسحر والكهانة، وبرزت فيهم روح الاستعلاء والعنصرية.
اشتغل اليهود في المدينة بالزراعة والتجارة، فكانوا يصدّرون منتجاتهم الزراعية، ويستوردون الأواني والحبوب والخمور وسلعًا أخرى. وكانوا من أبرز المرابين، يقرضون الناس بالرّبا حتى امتلكوا بيوتًا وأراضيَ لكثير من أهل يثرب. وهكذا مثّلوا قوة اقتصادية كبرى في المجتمع، لكنهم ظلوا يحتفظون بانغلاقهم الفكري وتميّزهم العرقي.
كان من دأب اليهود في يثرب إثارة الخلافات بين القبائل العربية، وإشعال الفتن بينهم وسيلةً للاستغلال والتكسب. فقد اعتادوا استغلال أيّ نزاع يقع بين الأوس والخزرج، فيذكون نار الحرب بينهم، ثم يمدّون كلَّ فريق بما يحتاجه من سلاح ومال ليستمرّ القتال، وذلك ليحصدوا منافعها.
وكانت في المدينة المنورة ثلاث قبائل يهودية كبرى:
1. بنو قينقاع: وكانوا يسكنون داخل المدينة.
2. بنو النضير: وكانت مساكنهم في ضواحي المدينة، وكانوا حلفاء للخزرج.
3. بنو قريظة: وكانوا حلفاء للأوس.
والحقيقة أن هذه القبائل اليهودية هي التي غذّت روح العداء بين الأوس والخزرج، وكانت سببًا رئيسيًا في استمرار الحروب بينهم. وقد شارك اليهود مباشرة في حرب بعاث الشهيرة التي نشبت قبيل الهجرة.
فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، أقلق وجودُه هذه القبائلَ الثلاث أشدّ القلق، إذ رأت فيه تهديدًا مباشرًا لنفوذها الاقتصادي والسياسي. فأظهروا للنبي ﷺ وأصحابه مظهر الودّ والمسالمة، بينما كانوا يضمرون في قلوبهم الحقد والبغضاء، ورأوا في الإسلام وأهلِه عدوًا دائمًا لهم.
وعند قدوم النبي ﷺ إلى المدينة كان المجتمع يتكون من ثلاث فئات رئيسية:
- المسلمون من المهاجرين والأنصار الذين بايعوا النبي ﷺ وآووه ونصروه.
- المشركون من العرب الذين بقوا على وثنيتهم وعبادتهم الأصنام.
- اليهود الذين استوطنوا يثرب منذ قرون وحافظوا على دينهم وخصوصيتهم.
وكان على النبي ﷺ أن يتعامل مع هذا النسيج الاجتماعي المعقّد بحكمة، ليؤسس دولته الناشئة في ظل تنوّع عرقي وديني شديد. ومع أن البيت الحرام وأوائل المؤمنين كانوا في مكة، إلا أن النبي ﷺ لم يجد هناك الظروف المناسبة لبناء كيان اجتماعي متكامل. فقد كانت السور المكيّة تركّز في معظمها على ترسيخ العقيدة وأصول الإيمان، وتنقية القلوب من شوائب الشرك والباطل، وإرساء القيم الأخلاقية الكبرى.
لكن حين هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، تغيّر المشهد تغيّرًا جذريًا؛ إذ تهيّأت بيئة صالحة لإرساء نظام اجتماعي وسياسي متكامل. فنزلت السور المدنية تتناول تنظيم العبادات والمعاملات، وأحكام الشريعة العملية التي تضبط حياة المجتمع.
كان المهاجرون الذين جاؤوا من مكة، والأنصار الذين آووا ونصروا النبي ﷺ في المدينة، متآخين متلاحمين كالجسد الواحد، فشكّلوا قوة أساسية لانطلاقة الإسلام. وعلى الرغم من أن المهاجرين واجهوا ضيقًا في العيش حين تقاسموا موارد الأنصار، إلا أنهم اعتبروا ذلك نعمةً عظيمة، وصبروا على الحصار والمقاطعة التي فُرضت عليهم في بعض الفترات.
أما المشركون من أهل المدينة، فلم تكن لهم الغلبة أو السيطرة على المسلمين، بل مع طول المعاشرة تغيّرت قلوب الكثير منهم، فدخلوا في الإسلام تدريجيًا، ولم يشكّلوا جبهة صريحة معادية كما كان الحال في مكة.
لكن ظهرت في المدينة فئة جديدة لم تكن موجودة بمكة- هم المنافقون- كانوا يُظهرون الإسلام ويُبطنون الكفر والعِداء. وكان على رأسهم عبد الله بن أُبيّ ابن سلول، الذي كان يرى أنّه حُرّم من الزعامة السياسية في يثرب بعد قدوم النبي ﷺ. حاول ابن أُبيّ في أكثر من مناسبة أن يُضعِف موقف المسلمين، خاصة بعد غزوة بدر، إلا أنّ جميع محاولاته باءت بالفشل، وظلّ الإسلام ماضيًا في طريقه، والنبي ﷺ في صعودٍ وتمكين.
ومن أبرز المواقف التي تكشف شدّة موقف اليهود في المدينة، قصة إسلام عبد الله بن سلام رضي الله عنه، وكان من كبار علمائهم وأحبارهم. فلما بلغته أنباء قدوم النبي ﷺ إلى المدينة، بادر إلى لقائه، وطرح عليه أسئلة لا يعرف جوابها إلا نبيّ مرسل. فلما سمع الأجوبة الشافية تيقّن أنه نبي حق، فأعلن إسلامه في الحال.
ثم قال للنبي ﷺ: إنّ اليهود قوم بُهت كذّابون، وإنّهم إن علموا بإسلامي بهتوني عندك. فسلْهم عنّي قبل أن أَظهر أمامكم، فأرسل النبي ﷺ في طلب زعماء اليهود، وأجلس عبدَ الله داخلَ البيت دون أن يروه، ثم سألهم: ما تقولون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: سيّدُنا وابنُ سيدنا، وأعلمُنا وابنُ أعلمنا، وخيرُنا وابنُ خيرنا. فقال النبي ﷺ: أرأيتم إن أسلَم؟ قالوا: حاشا لله، ما كان ليسلم.
حينئذ خرج عبد الله بن سلام وأعلنَ شهادته بملء صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. فما إن سمع اليهود ذلك حتى انقلبوا يقولون: هو شرُّنا وابنُ شرّنا. واتّهموه بالكذب والبهتان. عندها التفت إليهم عبد الله بن سلام، وقال: يا معشر يهود! اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنّه رسول الله حقًا.، لكنهم أجابوا بصوت واحد: كذبتَ.
وهكذا صار هذا المشهدُ أوّلَ صورة من صور استقبال اليهود للنبي ﷺ في المدينة، على الرغم من دعواهم أنّهم أهل الكتاب وأتباعُ موسى عليه السلام.
أما خارج المدينة، فقد كان العداء الأشد يأتي من مشركي مكة، الذين لم يتركوا النبي ﷺ وأصحابه وشأنهم حتى بعد أن هاجروا إلى يثرب التي تبعد أكثر من خمسمئة كيلومتر. ظلوا يسعون إلى حصار المسلمين اقتصاديًا وعسكريًا، ويكيدون لهم المؤامرات، ويعدّون العدّة للغزو والقتال.
وفي هذا المناخ المليء بالتحديات، كان النبي ﷺ يمضي في مسيرته، جامعًا بين القوة والحزم، والرحمة واللين، والسياسة والحكمة، حتى أسّس الدولة الإسلامية الأولى وسط هذه الظروف المعقدة.





