يُسلّط علمُ العقيدة الإسلامية ضوءه العميق على أعظم حقيقة عرفها الفكر الإنساني: ضرورة وجود خالقٍ لهذا الكون، ووحدانيته التي لا شريك له فيها. فهو يبدأ من تأملٍ عقليٍّ خالص، إذ الإنسان حين يوقن بضعفه، ويستشعر بضآلة عمره وحدود قدرته، يضطر بفطرته أن يسأل: من أوجدني من العدم؟ ومن خلق هذا الوجود البديع الذي لستُ جزءًا ضروريًا منه؟
وحين يقف الإنسان متأملًا في هذا الكون الفسيح، وما فيه من نظامٍ بديعٍ وعجائبَ لا تُحصى، يوقن أن وراء هذا الجلال خالقًا، وأن وراء هذا النظام إرادةً لا تُحدّ. تلك الفطرة التي أودعها الله في الإنسان لا تهدأ حتى تعترف بصوتٍ خاشع «هو الله».
ومن هنا يبدأ علم العقيدة الإسلامية رحلته المضيئة؛ رحلةَ العقل والإيمان، ليُرشد الإنسان إلى ربه، وليُبرهن بالمنطق والنور معًا أن الله هو دليل الوجود وصوت الفطرة الخالد.
منطق الإيمان
يُعلِّمنا علم العقيدة أن الإيمان بالله ليس قفزًا في المجهول، بل هو استجابة لصوت العقل والفطرة في آنٍ واحد. فالإنسان، ما دام يدرك حدود قدرته وضعف وجوده، لا يمكنه إلا أن يبحث عمّن أوجده من العدم. إنه كائن ممكن الوجود، ضعيف، حادث، ليس أزليًا ولا ضروريًّا بذاته؛ فكيف وُجد إذًا؟ ومن الذي أخرجه من العدم إلى عالم الشهادة؟
إن المنطق يقتضي أن كل ما ليس واجب الوجود لا بد أن يكون حادثًا، أي أنه وُجد بعد أن لم يكن. فما الذي أخرجه من العدم إلى الوجود؟ ولماذا في هذا الوقت دون غيره؟ لا جواب عن هذه الأسئلة إلا أن إرادة الله، الواجب الوجود، هي التي شاءت وجوده. هذا هو المنطق العقلي الذي يهدي إلى الإيمان، ويقود كل عقل سليم إلى الاعتراف بأن وراء هذا الكون خالقًا عليمًا قديرًا.
كيف يتصور العقل أن هذا الكون الرحب، بنظامه الدقيق، وأن هذا الإنسان المعجز في خلقه، قد وُجدا بلا مُوجِدٍ؟
قصة العقل الحائر
يحكى: أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله ناظر ملحدًا، فتأخر عن الموعد قليلًا. فغضب خصمه، فقال الإمام: حين جئتُ إلى النهر، لم أجد قاربًا أعبر به، وإذا بشجرة تسقط من تلقاء نفسها، وتنشطر إلى ألواح، ثم تلتحم لتصير قاربًا حملني إليك!
فاستنكر الملحد ذلك قائلا: : هذا مستحيل!
فقال الإمام مبتسمًا: عجبًا، إذا كان قارب صغير لا يمكن أن يوجد من تلقاء نفسه، فكيف تؤمن أن هذا الكون العظيم، بما فيه من دقةٍ ونظامٍ، قد وُجد بلا خالق؟
فإذا العقل السليم لا يقبل أن تُوجد الأشياء من العدم بلا سبب. فكيف يُتصوّر أن الطبيعة الجامدة، التي لا تملك إرادة ولا علمًا، تخلق هذا الكون المدهش؟
فمن خالق الكون إذًا؟ ليست الطبيعة الجامدة، ولا الصدفة العمياء، لأن ما لا يملك الإرادة ولا العلم لا يمكن أن يخلق. فالخالق الحق هو الله وحده، القدير، العليم، المتعالي، الذي له الكمال المطلق.
الله كما عرّفه الإسلام
الإسلام وحده هو الذي قدّم للعقل الإنساني تصورًا نقيًّا عن الإله كما يليق بجلاله، منـزّهًا عن شوائب التجسيم وعن أوهام التشبيه، مقدسا عن كل نقصٍ أو مشابهةٍ لمخلوقاته. أما غيره من الأديان والمذاهب فقد رسمت آلهةً على هيئة البشر، أو نسبَت إلى الخالق صفات المخلوق. أما الله الذي يدعو إليه الإسلام، فهو الواحد الأحد، الأزلي الأبدي، الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، لا يحدّه زمان ولا يحويه مكان. قال تعالى في سورة الإخلاص:
﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ١ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ٢ لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ ٣ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ ٤﴾
هذا التعريف الموجز جمع جوهر العقيدة كلها؛ فهو واحدٌ في ذاته، كاملٌ في صفاته، منزّهٌ عن المثل والنظير.
صفات الله تعالى
الله هو علم للذات الواجب الوجود، المستحق لجميع صفات الكمال. وهو المعبود بحق، الذي لا يُعبد سواه.
وقد بيّن علماء الكلام أن صفاته تعالى تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
- الصفات الذاتية
- الصفات غير الذاتية
- صفات المعاني.
أولا: الصفات الذاتية
هي الصفات التي تتعلق بذاته تعالى:
- الوجود
- القدم
- البقاء
- القيام بالنفس
- مخالفة الحوادث
- الوحدانية
فالوجود هو أول الصفات، إذ لا معنى لشيءٍ إن لم يكن موجودًا، فإذا تقرر وجوده، فالسؤال البديهي الذي تطرح النفس هو:
متى وُجد الله؟ فالجواب: والجواب هو الصفة الثانية: القدم، فهو قديم لا بداية له.
فيأتي السؤال التالي: إلى متى سيظل موجودًا؟
فالجواب: هو الصفة الثالثة: البقاء. فهو أزلي لا نهاية له.
لكن الإشكالات لا تنتهي، يأتي سؤال آخر: من أين له هذه القدرات الهائلة الفائقة؟ فالصفة الرابعة جواب عليه. وهي القيام بالنفس، يعني: أنه غنيٌّ عن كل ما سواه، لا يفتقر إلى معين ولا يُتصوّر له نظير.
ثم يأتي السؤال التالي: هل يُمكن تصور صورة الله، أو تخيله؟
فتجيبه الصفة الخامسة: مخالفة الحوادث، فهو سبحانه ليس كمثله شيء، ولا يمكن للعقل أن يتخيله، لأن الخيال لا ينشأ إلا من صورٍ رآها في عالم المخلوقات، والله جلّ جلاله فوق هذا العالم الحسّ كله.
وأخيرًا الوحدانية، وهي تاج الصفات، التي تنفي عنه الشريك والنظير في الذات والصفات والأفعال..
ثانيًا: الصفات غير الذاتية
وهي ما يُثبَت لله من صفات الكمال الفاعلة:
- كونه حيًّا
- كونه عالمًا
- كونه مريدًا
- كونه قادرًا
- كونه سميعًا
- كونه بصيرًا
- كونه متكلّمًا
تلك الصفات تثبت أنه إله حيٌّ فعّال، ليس فكرةً مجردة ولا وجودًا رمزيًا. فكيف يُتصوّر أن يكون سيدُ الكون جمادًا أو فكرة؟ إن تدبير هذا الكون يستلزم علمًا مطلقًا، وقدرةً شاملة، وإرادةً نافذة، وسمعًا وبصرًا يحيطان بكل شيء، وكلامًا يأمر به ويُنهي.
ثالثًا: صفات المعاني
وهي الصفات القائمة بذاته تعالى، اللائقة بجلاله:
- الحياة
- العلم
- الإرادة
- القدرة
- السمع
- البصر
- الكلام
أما الصفات المستحيلة، فهي نقيض هذه الصفات الواجبة، كالجهل والعجز والموت والصمم والعمى، وكلها منزهٌ عنها رب العزة والجلال.
فلا يجوز أن يُنسب إليه نقصٌ أو عجز.
التوحيد.. جوهر الإيمان
التوحيد هو أعظم ما دعا إليه الإسلام، وأشرف ما عُرف به الله. الإيمان بإلهٍ واحدٍ لا شريك له. تلك هي الكلمة التي بُعث بها جميع الأنبياء، كما قال الله تعالى ﴿ قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.[سورة لأنبياء: 108].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم «أفضل ما قلت أنا والنبيون مِنْ قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له».
والتوحيد ليس إيمانًا عاطفيًا فحسب، بل هو برهان عقلي أيضًا؛ إذ لو كان في الوجود أكثر من إلهٍ واحدٍ، لفسدت السماوات والأرض واختل نظام الكون وتعارضت الإرادات؛ لأن إرادة أحدهما ستعارض إرادة الآخر. فإن غلب أحدهما الآخر، فالمغلوب ليس بإله، وإن تعادلا، فكلٌّ منهما عاجز عن الانفراد بالخلق والتدبير. ولذلك قال تعالى ﴿ لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ
عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢﴾ [سورة الأنبياء: 22]
فالتوحيد إذًا ليس مجرد فكرةٍ دينية، بل هو منطق الوجود، ونظام الكون، وروح الإيمان الذي يردّ الكون إلى خالقٍ واحدٍ، ويمنح العقل والروح سكينةً لا تضطرب بعدها.
تهافت التصورات الأخرى
لقد ضلّت سُبُل كثيرة عن هذه الحقيقة البسيطة. فالمسيحية، وإن نادت بوحدة الإله، فإن مفهوم التثليث قد شوّه صفاءها، إذ جمعت بين الأب والابن والروح القدس في إلهٍ واحدٍ على نحوٍ لا يقرّه العقل.
أما الهندوسية، فرغم حديثها عن "البرهمن" –الجوهر الأعلى الأزلي غير المحدود– إلا أنها نسبَت الألوهية إلى مخلوقاتٍ وتجسداتٍ بشرية، ففارقت صفاء التوحيد ووقعت في التناقض.
أما الإسلام فقد قدّم المفهوم الأكمل والأبسط والأصدق: الله واحد لا شريك له، هو خالق هذا الكون ومدبره، أزليٌّ أبديٌّ، كاملٌ في ذاته وصفاته، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فهو التوحيد الذي لا غموض فيه ولا اضطراب، توحيد يخاطب العقل كما يخاطب القلب، ويُقيم البرهان كما يُفيض الإيمان.
الله.. صوت الفطرة الخالد
إن الإنسان، مهما أوغل في العلم، ومهما ارتقى في أدوات المعرفة، يبقى في داخله صوتٌ خافتٌ يقول له كلما نظر إلى السماء: ليس عبثًا هذا الجلال. ذلك الصوت هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، لا تتبدّل ولا تموت. فهي تشهد على الخالق قبل أن تنطِق الألسنة بالحجة.
قال تعالى ﴿ فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٠﴾ [سورة الروم : 30].
فالإيمان بالله ليس اقتناعًا فكريًا فحسب، بل هو عودة الروح إلى أصلها، ولقاءُ الفطرة بمصدرها، وطمأنينةُ القلب حين يذوب في التسليم لخالقه.
وحين يُدرك الإنسان أن كل ذرةٍ في الكون تسبّح باسم الله، وأن كل نبضةٍ في قلبه تشهد بوحدانيته، يعلم أن الطريق إلى الله هو طريق العقل النقي والفطرة الصافية، وأن الإيمان به ليس خيارًا طارئًا، بل هو الحقيقة الأبدية التي كُتب بها الوجود.
خاتمة
هكذا يقدّم الإسلام مفهومه لله: إلهٌ واحد، أزليٌّ أبديٌّ، عليمٌ قدير، لا شريك له في ملكه، ولا نظير له في صفاته.
هو البداية التي لا تُسأل عن بدء، والنهاية التي لا تنتهي، والنور الذي يُضيء طريق العقل حين يضلّ، ويُهدي القلب حين يتيه.
فيا أيها الإنسان، إن نظرت إلى السماء أو إلى نفسك، فسترى في كليهما الدليل عليه، وستسمع في أعماقك صوته الخالد يقول : اللهم أنت الحق، ومنك الوجود، وإليك المصير.



