ذات يوم أصاب الكلب حزن دفين، فاعتزل الناس في زاوية باكيا بصوت مبحوح. ما الذي أحزنه؟ لقد ضاق صدره بما يلقاه من احتقار البشر، يرمونه بالحجارة، ويطردونه من الطرقات. بل يستخدم الناس اسمه كأداة للسب والإهانة فيما بينهم! شكله لا يختلف كثيرا عن الخروف؛ كلاهما رباعي الأرجل ومتقارب في الحجم، لكن الخراف مرغوب فيه وغالي الثمن، أما لحم الكلاب فمكروه ومستهجن. بل إن قتل كلبٍ بدل خروف يعد خبرا عجيبا يثير ضجة كبيرة. تخيلوا كم يعاني هذا الحيوان من الاحتقار والمهانة عندما يسمع الناس يقولون: "حتى كلبي لا يأتيك!"
يتساءل الكلب بحزن عميق: "ما ذنبي؟ هل اخترت أن أكون كلبا؟" ويزيد قائلا: "لو غيرت اسمي فهل سيزول عني هذا العار ويتغير الحال؟" لا، الإهانة تبقى كما هي. حتى الأطفال الصغار للكلاب لا تنال الرأفة والرحمة، بل يناديها الناس : "يا ابن الكلب!" فهو أشد قسوة من مجرد قولهم "يا كلب!". ما أشد هذا العناء!
لم يكن الكلب وحده في هذه الشكوى. فقد انضم إليه الخنزير أيضا، متذمّرًا من أن الناس يعتبرونه أحط الحيوانات. قال: "الناس يرونني أحط المخلوقات شأنا، ويستعملون اسمي في سبابهم. ما أشد ما يؤلمني أن يكون اسمي رمزًا للعار في ألسنتهم!"
ثم جاءت الحمار تشكو : "يراني الناس رمزا للغباء والكسل، وصار اسمي سبة على كل لسان، فمن جهل أو أخطأ قالوا له: يا حمار! أليس في ذلك تجن وظلم؟"
ولم تمض لحظات حتى زحفت الأفاعي إلى المجلس، تروي ما تعانيه من الخوف والاضطهاد والمطاردة. قالت: "لقد حرمونا من مأوانا بقطع الغابات وبناء القصور، فصرنا نعيش في الطرقات عرضةً للقتل والطرد. هل اخترنا نحن أن نكون أفاعي؟! لقد خلقنا الله هكذا، فكددهل نستحق كل هذا العداء؟"
وانضمت إليها السحالي والورل والتماسيح وغيرها من الزواحف، قائلة: "مشكلتنا أننا نسير على بطوننا في الوحل، بينما تقف الحيوانات الأخرى على أرجلها بكرامة، والإنسان يمشي منتصبا. لماذا حُكم علينا بهذا الشكل؟!" وقالت التماسيح والثعابين الكبيرة: "حتى في طعامنا نحن مختلفون. فالآخرون يمضغون الطعام بهدوء، أما نحن فنتعين علينا أن نبتلع فريستنا دفعة واحدة دون تذوق!"
وكان الظن أن هذه الشكاوى ستبقى في عالم الحيوان، غير أن البشر أنفسهم دخلوا الميدان! كل يشكو من شيء: هذا قصير، وذاك طويل، وآخر ضعيف، أو نحيف، أو أسود، أو أعمى، أو أصمّ، أو أعرج، أو أقطع اليد أو الرجل... وكأن الجميع يريدون أن يكونوا على شكل واحد وهيئة واحدة كالصابون المصنوع في مصنع واحد!
تخيّلوا أيها القراء الأعزاء لو جمعناكم في حافلة فيها ستة وأربعون مقعدا فقط، فهل يمكن أن يحصل الجميع على المقعد الأوسط المطلّ على النافذة؟ مستحيل. لا بد أن يجلس بعضهم في الأمام، وبعضهم في الخلف، وبعضهم على مقعدٍ يهتز، وآخر على مقعد مريح. إنها سنة الحياة: لا يمكن أن تتساوى المقاعد، كما لا يمكن أن تتساوى الأحوال.
القوانين الإلهية قائمة على التنوع والتوازن. فلو كانت كل الأمهات اللاتي يدخلن أبناءهن المدارس يحلمن أن يصبح أبناؤهن أطباء أو مهندسين، فهل بقي أحد ليبني البيوت أو يخبز الخبز أو يقود الحافلات أو يصيد السمك أو يصلح المراحيض؟ إن في اختلاف الأدوار جمالا، وفي تفاوت القدرات كمالًا.
إن الله تعالى لا يكلف الإنسان إلا بقدر استطاعته، ولا يسأله إلا ضمن طاقته. فالغني يسأل عن ماله، والفقير يُعذر بعجزه، والطبيب مسؤول عن علاجه، والنجار عن صنعه، والأعمى لا يُحاسَب على عدم رؤيته للعِبر في الكون. يقول الله تعالى في القرآن الكريم:﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]
وفي الحديث الشريف: إن الله إذا أحب عبدا استعمله فيما خلق له.
فليؤد كل ما خلق لأجله، دون أن يتمنى أن يكون غيره. لا ينبغي للغراب أن يقول: "لماذا لا أستطيع أن أغرد كالعندليب؟" ولا للعندليب أن يتحسر: "لماذا لا أستطيع أن أرقص كالطاووس؟" ولا للطاووس أن يندم قائلا : "لماذا لا أستطيع أن أغنّي كالعندليب؟" لكل مخلوق وظيفته، ولكل واحد جماله الخاص.
فمن حاول أن يكون غير ما خُلق له، فقد عرض نفسه للهلاك. فليؤد الغراب رسالته، وليغن العندليب لحنه، وليرقص الطاووس برقصته. أما من أراد الجمع بين كل ذلك، فسيضيع صوته ورقصه وجماله جميعا.
ولا يليق بالإنسان أن يتصنع ما ليس له أو يتظاهر بما لا يملك. فالإسلام لا يفرض الصدقة على الفقير الذي لا يملك، ولا يبيح الإسراف للغني وإن كان ميسورا.
روى البخاري عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه أراد أن يتصدّق بنصف ماله، فقال له النبي ﷺ: الثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفّفون الناس.
وفي حديثٍ آخر، مرّ النبي ﷺ برجلٍ رثّ الثياب، فسأله:
"هل عندك مال؟"
قال: "نعم، عندي من الإبل والبقر والغنم والخدم."
فقال له النبي ﷺ:
"فليظهر أثر نعمة الله عليك وكرامته." أي يجب على الإنسان أن يعيش وفق حاله، لا أكثر ولا أقل، فلا يهين نفسه بتصنع الفقر ولا يتكبر بإظهار الغنى.فالله تعالى خلق كلّ شيء لحكمة، وهيأ له ما يلائمه، فلا حيلة لأحدٍ أن يكون غير ما أراده الله له.
الخلاصة: كل مخلوق في هذا الوجود قد خلق لحكمة مخصوصة، وهيأه الله لما قدر له. فليعمل الإنسان بما وهبه الله من قدرة واستعداد، وليعلم أن كماله في أن يكون هو نفسه، لا صورةً عن غيره. ففي التنوع تمام النظام، وفي الرضا كمال الإيمان.



