في الأيام الماضية، انعقد اجتماع طارئ لموظفي الكلية، واتُّخذت فيه قرارات صارمة : فرض غرامات على بعض الطلبة، واستدعاء أولياء أمور آخرين، ومعاقبة أكثرهم سوءا بالضرب الشديد، وحرمان ثلاثة من الطعام لمدّة أسبوعين بسبب عبثهم في المقصف، وطرد بعضهم من الكلية لفترة محددة، وفصل آخرين نهائيا دون عودة. لم يكن أمام الإدارة خيارٌ آخر.
قد يتساءل البعض: أليس هذا تشددا مفرطا؟ أليس بالإمكان الاكتفاء بالنصح والإرشاد؟ الجواب: لا، ليس دائما. فالأمور ليست بهذه البساطة. لقد حاولنا مرارا توجيه النصيحة بأسلوب لطيف، لكن بعض الطلاب تمادوا في سلوكيات أضرت بسمعة الكلية. ومع أن معظم الطلبة مؤدبون مجتهدون يرفعون من شأن المؤسسة، إلا أن الشرذمة القليلة قادرون على تلويث الخير الكثير، فلا بدّ من الحزم أحيانا. فليس جميع الطلاب سواء؛ فبعضهم لا يستيقظ من غفلته إلا بعد صدمة قوية.
قبل كتابة هذه السطور بساعات، قرأت خبرا من السعودية عن تنفيذ حكم الإعدام شنقا بخمسة رجال قتلوا أحد الأبرياء. يا له من مشهد رهيب ! ويا له من لحظة مروعة ! ليس مجرد توبيخ ولا طرد ولا استدعاء للأهل، بل موت محتوم عند حبل المشنقة! كيف كانت مشاعرهم في تلك اللحظات الأخيرة؟ لا شك أنهم ذابوا خوفا وندما. ومع ذلك، فالعقوبة في بعض الأحيان ضرورة لردع المجرمين، وتحقيق العدالة، وإيقاظ الضمائر الغافلة مصداقا لقوله تعالى " ولكم في القصاص حياة" (البقرة ١٧٩)
الناس أنواع: منهم من يفهم التوجيه بالإشارة، ومنهم من لا ينتبه إلا بعد الصدمة. هناك من يحتاج إلى كلمة، وآخر إلى صفعة، وثالث لا يعي حتى بعد أن يسقط في هاوية.
لقد خلق الله الإنسان لهدف سام، وحدد له طريقا واضحا للوصول إليه، وزوّده بعلامات ودلائل تهديه كلما غفل، غير أن البشر مختلفون في استقبال هذه الإشارات؛ فبعض الناس يتأمل في الآيات والعِبر فيتّعظ، بينما الآخرون يتغافلون ويسيرون في غفلة وعناد.
كذلك الطلاب: يختلفون في درجات الوعي والانضباط، ولهذا تتنوع أساليب التربية والعقوبة. فبينما تكفي النصيحة للبعض، لا بد من العقاب والحرمان للآخرين.
فلنسأل أنفسنا بصدق: لماذا نعيش في هذا العالم؟ ما غاية وجودنا؟ هل الحياة مجرد نوم عميق وطعام لذيذ ومتاع زائل؟ هل الهدف أن نجمع المال ونكدّس العقارات؟ إننا نعلم جميعا أن الحياة قصيرة جدا، وأن الموت أقرب إلينا مما نتصور. حين تأتي تلك اللحظة، لا تنفعنا الشهادات ولا الأموال ولا الجاه ولا المناصب. فكل ذلك يزول، سنترك كل شيءٍ خلفنا، ونعود ترابا كما بدأنا. ويبقى العمل الصالح فقط. ليست الغاية أن نعيش طويلا، بل أن نعيش صالحين ونحسن الخاتمة.
إن الله خالق هذا الكون يراقبنا في كل لحظة، يمنحنا ما نحتاج إليه برحمته، غير أن العالم المادي يغوي الإنسان ويخدر عقله، فيغرق في الغفلة حتى يحتاج إلى من يوقظه. أحيانًا تكفي اللمسة، وأحيانًا لا بدّ من الماء البارد على الوجه. ولهذا شرع الله لنا الوضوء خمس مرات في اليوم، ليطهر الجسد وينبه القلب من سبات الدنيا وشهوة المتاع.
كلما زاد مال الإنسان ورفاهيته، زاد خطر الغرور في قلبه. هكذا كان حال فرعون وقارون. الأول غرق في البحر رغم سلطانه، والثاني خسف الله به وبداره الأرض. وفيهما عبرة لأولى الألباب.
يجب أن نتذكر دائما أن الدنيا ليست دار أمان ولا خلود. من ينسى ذلك يقع في الغرور، ويتوهم أنه فوق الجميع. ولكن ما أسرع ما ينهار هذا الوهم حين نرى الموت يخطف الأغنياء والأقوياء بلا إنذار، أو حين تجتاحنا الأمراض التي لا تُرى بالعين! عندها يدرك الإنسان هشاشته وضعفه.
لقد أنزل الله للبشر كتابين: كتابا مقروءا هو القرآن الكريم، وكتابا مفتوحا هو الكون. والقرآن هو المرشد الذي يعلّمنا كيف نقرأ كتاب الكون.
آيات القرآن كالصواعق، تخترق العقول المتحجرة. وكذلك الطبيعة تحدثنا بدروس موجعة توقظ النائمين. فالكوارث الطبيعية — من الزلازل والبراكين والجفاف والخرائق والفيضانات والأعاصير والأوبئة — كلها أصوت من السماء تقول لنا: يا إنسان، لست المتحكم في هذا الكون!
يقول الله تعالى في القرآن :- أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (الأعراف ٩٧,٩٨)
وليس معناه أن كل الكوارث عقوبة إلهية؛ لأنها قد تكون ابتلاء للمؤمنين الصالحين، كما ابتلي الأنبياء والأولياء، مصداقا لقوله تعالى وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً (الأنبياء ٣٥) فالعلم عند الله وحده
نحن نعيش في زمنٍ جعل "الأمان" سلعة تباع وتشترى: التأمين على الجسد والبيت والسيارة والمال! لكن الكوارث حين تأتي، تنهار أوهام الأمان الزائف، كأنها تقول للإنسان: هذه الدنيا ليست دار طمأنينة دائمة، بل مجرد محطة في طريق طويل.
أما من يجحد الله ويغتر بنفسه قائلا: أنا سيد هذا الكون، فماذا يقول حين تبتلعه الكوارث؟ من يشتكي؟ وإلى من يلجأ؟
لكن المؤمن، فإنه حين تلمّ به المصائب، يزداد قربا من الله، ويجد في البلاء فرصة للتطهير والارتقاء، بينما المتكبر الكافر لا يجد أمامه سوى الصراخ والتساؤل: لماذا لم يرحمنا الله؟ أين قدرته؟
هؤلاء يرون الإله كما لو كان لعبة يتحكمون بها، يطالبونه بأن يسير وفق أهوائهم! فليتأملوا: المطر الغزير الذي لا يتوقف يحول التربة إلى طينٍ لين، فإذا زاد انهارت الجبال. فإذا أراد الله أن يزيل أمة كاملة، فذلك أهون عليه من لحظة. لكنه برحمته يحبس البلاء كثيرا.
إنه سبحانه الرحمن الرحيم، لا يحتاج إلى أن يهلكنا بمطر غزير، بل يكفي أن يمنع الماء عنا! كما قال في كتابه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (الملك ٣٠).
فالحقيقة أن الله لو شاء لأفنى الأرض في لحظة واحدة. إن بقاءنا إلى الآن ليس ضعفا من الله، بل رحمة واسعة بنا.
نعم، الابتلاءات امتحانات من الله، والنجاح فيها بالصبر والرضا. ومهما بنينا من السدود والحصون، فإن تقدير الله فوق تقديرنا. هذه الدنيا ليست دار خلود، بل دار اختبار، والابتلاءات رسائل رحيمة تذكرنا بأن نعد العدة للقاء الله.
فنسأل الله تعالى أن لا يحمّلنا ما لا طاقة لنا به، وأن يرزقنا الصبر والثبات عند الامتحان.



